د.فيصل غرايبة

قام الباحث عمر العرموطي بإعداد وتقديم أوراق د.سعيد التل، والتي تمثلت بأبحات وأوراق علمية ومذكرات ومشروعات عملية ومقالات فكرية سبق لمعدّها وكاتبها أن نشرها أو عرضها أو أرسلها لذوي الاهتمام أو العلاقة في أوقات مختلفة وبمناسبات متعددة وملتقيات متنوعة، وهي وإن قد كانت في طابعها تتراوح بين السياسة ( Politics) والسياسات (Policis) إلا أنها ليست متنافرة ولا متناقضة، بل متناغمة ومنسجمة بسبب انطلاقها من حب الوطن والإخلاص له وسيرها من موقف التمسك بالمبادئ والأهداف الوطنية والقومية وسعيها لإحداث تنمية شاملة قائمة على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وقد جعل العرموطي هذه الأوراق يسيرة التناول يسهل الاطلاع ليها، رغم قِدم كتابتها واختلاف الظروف الاجتماعية والأحوال السياسية بين الأمس الذي أعدت فيه واليوم الذي نعيشه. إذ يعود بعضها إلى ثمانينات القرن العشرين، وبعضها إلى تسعيناته، وهي الفترة التي كانت فيها نخب من المثقفين والسياسيين والتكنوقراط الأردنيين يواصلون سهرهم ودأبهم لإعادة صياغة العمل الوطني السياسي والتنموي وفقا لإطار فكري يبنى على التوافق بين التيارات والأطياف ويقوم على الاتفاق على تحقيق المصلحة الوطنية وبجهود أهلية ورسمية متضامنة، تلك الفترة البنائية التطلعية التي قادت إلى الفترة التي تلتها والتي تجلت فيها المشاركة الشعبية في الانتخاب النيابي والانتظام الحزبي والتعبير الإعلامي بكل حرية وصراحة ووضوح.

إن الكتاب الذي أعده العرموطي وضمّنه أوراق سعيد التل تحت عنوان «أوراق في التربية والسياسة» والذي صدر في عمّان هذا العام (2017) عن مطبعة السفير، وقام بمراجعته وتدقيقه الشاعر عبد الرحمن المبيضين، وصلت صفحاته إلى 570 صفحة من القطع المتوسط، وُزعت على 29 فصلا، ضمها غلاف جميل بلون صحراوي مريح للنظر، ازدان بصور لمعالم أردنية كالبترا ومؤتة والمدرج الروماني بعمّان والجامعة الأردنية (أم الجامعات) ومدرسة السلط الثانوية (أم المدارس) ومتحف الشهيد وصفي التل بالكمالية.

في محور «القضية»، يرى السياسي سعيد التل أن القضية الفلسطينية ليست قضية إيجاد وطن بديل للفلسطينيين، ولكنها قضية أرض عربية اغتُصبت ويجب أن تعود، وأن حق اليهود في فلسطين حق مزعوم قائم على زعم ديني ووهم تاريخي، كما أن الشعب اليهودي لن ينعم بالاستقرار ما لم يتحرر من الفكر الصهيوني التوسعي. أما نحن في الأردن، وبحكم ارتباطنا بالقطْر الفلسطيني والشعب الفلسطيني، على المستويات التاريخية والجغرافية والاجتماعية، فإن القضية الفلسطينية بالنسبة للأردنيين ليست قضية قومية حسب، كما أننا لا نتعامل معها على أنها قضية مصير ومستقبل فقط، فهي علاوة على كل ذلك قضية حياتية تؤثر بالفعاليات والممارسات اليومية لأبناء قطْرنا الأردني.

أما العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني التي تطورت بوحدة الضفتين، فإن جميع العوامل ألغت هذه الوحدة من الناحية النظرية والسياسية إلا أنها لم تلغها من الناحية الواقعية والحياتية، غير أن محافظة الإنسان الفلسطيني الذي يقيم في القطْر الأردني أو أيّ قطْر عربي آخر على هويته الوطنية الفلسطينية، وبموازاة محافظته على ولائه لفلسطين أرضا وشعبا، لا يعني بأيّ صورة من الصور المسّ بحقوقه وواجباته في دولة القطْر الذي يقيم فيه، والتي يجب أن تتساوى تساويا كاملا ومطلقا مع حقوق وواجبات مواطني هذا القطْر. أما مؤامرة «الوطن البديل» فهي آخر ما في الجعبة الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية.

وبشأن دولة الوحدة العربية الواحدة التي نتطلع إلى الحياة في ظلالها، فيرى التل أنها دولة اتحادية يتمتع كل قطْر عربي في إطارها باستقلالية في جميع أموره الداخلية، كما إن تحقيق دولة الوحدة العربية، سيتطلب وقتا، وإلى أن يتحقق ذلك لا بد من العمل على تعميق التضامن العربي وتطوير التنسيق، معتبرا «القومية العربية» الإطار الثقافي والوجداني الذي ينتظم المواطنين الذين يعيشون ضمن حدود بقعة من الأرض، أصبحت تعرف في الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر باسم «الوطن العربي»، إلا أنها ليست قومية عرقية ولا قومية عنصرية، بل قومية إنسانية تجمع بين الذين يؤمنون بالانتماء إليها.

وفي محور «الوطنية»، يعتبر سعيد التل «الثورة البيضاء» ضرورة وطنية أردنية ملحّة، تمثل المعالجة الشاملة لجميع قضايا الشعب الأردني ومشاكله كالبطالة والفساد والبيروقراطية، وفي مجالات التعليم والإدارة العامة والاقتصاد والانتخابات النيابية، وذلك بعد أدى النهج التطوري دورا مهما في مساعدة الدولة في معالجة بعض قضاياها ومشاكلها، وساهم مساهمة قيمة في تطوير مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وممارستها. إذ إن الثورة البيضاء سياسيا تقوم بتحقيق مشاركة الطيف السياسي الأردني وموافقته، وبمأسسة العمل السياسي العام بعدد محدود من الأحزاب، وتقوم اجتماعيا بتحقيق العدالة والمساواة، وتقوم تربويا بتطوير نوعية التعليم، وتقوم اقتصاديا بوضع نظام اقتصادي يحقق العدالة الاجتماعية ويمنع الاستغلال والاحتكار والفساد.

أما في محور «التربية»، فيوضح التربوي سعيد التل أن ثلث المواطنين الأردنيين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة، في المدارس والكليات والجامعات، والأغلبية الساحقة من الثلثين الباقيين هم آباء وأمهات أبناء هذا الثلث، لذا لا بد أن يكون للدولة إشراف أساسي على التعليم كي يحقق وحدتها الوطنية وينمي ثروتها البشرية، لتتلاءم مع متطلباتها القائمة والمتوقعة. وحتى يتحقق تطوير التعليم لا بد من تطوير أهداف وبرامج المدرسة الإعدادية وتوحيد المدرسة الثانوية العامة والمهنية، وأن تصبح المدرسة الثانوية وكلية المجتمع والجامعة حلقات في سلسلة واحدة مترابطة، وأن ينظَر إلى قضية توفير المعلم أكاديميا ومهنيا بجدية واهتمام، بحيث يكون راضيا عن عمله وراغبا فيه، إذ إن أكثر أشكال التعليم فعالية، هو التعليم الذي يتطور عن تفاعل المتعلم مع الخبرة المباشرة التي يمكن أن توفرها الوسائل التعليمية.

ومن جهة أخرى يشير التل إلى المدرسة الحديثة التي أعطت النشاطات التربوية أهمية خاصة، بعد أن أصبحت هذه النشاطات جانبا أساسيا من جوانب برامج العملية التربوية، ثم يدعو إلى الاعتراف بالتعليم كمهنة، تدعم العملية التربوية،و تعطي المعلم المؤهل مهنيا جميع امتيازات حقوق المهنة، فلا يمارسها إلا من يجاز لها، وتعطى مهنة التعليم بموجب ذلك جميع الامتيازات المادية والمعنوية التي تعطي للمهن الأخرى، شريطة تحديد متطلبات إجازة مهنة التعليم لجميع أنواع التعليم العام ومراحله.

وينتقل التل للحديث عن مشاريع وأفكار طرحها إبان توليه وزارة التعليم العالي، ومن أهمها قيام جامعة البلقاء التطبيقية التي أنشئت وتطورات كجامعة تطبيقية مختلفة اختلافا جذريا عن الجامعات الأردنية العامة والخاصة الأخرى، وذلك لإعداد الفنيين التطبيقيين، وهذه وظيفة رئيسية وأساسية يمكن القول إنها شبه الوحيدة لهذه الجامعة، ولكنها -للأسف- ابتعدت عن وظيفتها الأساسية عندما طورت كثيرا من برامجها الجامعية المتوسطة لتصبح برامج جامعية مناظرة للبرامج التي تقدمها الجامعات العامة والخاصة، في حين أن فلسفتها ووظائفئها التي حُددت لها كان من المرسوم لها أن تقوم بمعالجة جانب أساسي من مشكلة البطالة المتفاقمة.

ويُشهد للتل كذلك أنه أنشأ متحف الكتاب المدرسي إبان كان وزيرا للتربية والتعليم، وهو على غرار متحف البريد، الذي جسد فكرته إبان كان وزيرا للمواصلات لتعرض فيه مجموعات الطوابع التي صممت وصدرت في الأردن في مراحل تطوره المختلفة، مثلما يعرض الوثائق الخاصة بالبريد الأردني، ومن بينها نماذج البرقيات عبر الزمن. أما متحف الكتاب المدرسي فمقره في مدينة السلط، وفي رحاب مدرسة السلط الثانوية العريقة، وهو يعرض للكتب التي دُرست في مدارس الدولة الأردنية،و كان الدافع الرئيسي لتأسيس هذا المتحف وجدانيا، إلى جانب أنه سيكون مرجعا مهما للباحثين في المناهج والكتب المدرسية، ويلاحَظ اليوم توجه الكثيرين من طلبة الدراسات العليا في التربية إلى البحث في المناهج والكتب المدرسية، بغية تقديم تصورات جديدة لها من خلال أطروحاتهم العلمية.

ويستذكر سعيد التل في السياق نفسه تلك الصدفة في إنقاذ معْلم رئيس من معالم مدينة إربد المعمارية وأقدم بناء فيها، وهو سرايا الحكومة، من الهدم والإزالة، عندما علم وبصورة عارضة عن التوجه إلى هدم هذا البناء القديم، أثناء اجتماع رسمي رفيع في مدينة إربد، ترأسه الملك (الراحل) الحسين بن طلال - طيب الله ثراه، فالتمس من جلالته التوجيه الملكي بعدم الإقدام على هدم ذلك المبنى العريق في اللحظات الأخيرة، لكي يبقى معلما حضاريا في حاضرة الشمال، وهكذا صار متحف السرايا في إربد.

كان سعيد التل أول عميد لأول كلية للتربية في أول جامعة أردنية، قبل أن يعين وزيرا للتربية والتعليم ثم وزيرا للتعليم العالي، وقد كان من مقترحاته الكثيرة لتطوير التعليم «مشروع أسس نظرية لقواعد القبول» منوها بادئا ذي بدء إلى أنه يجب أن تؤخذ بالاعتبار عند وضع أسس القبول في الجامعات العدالة الاجتماعية وذكاء الطالب وقدراته وقابلياته واستعداداته، وكذلك الظروف التعليمية والاقتصادية والثقافية التي يعيش بها الطالب. أما بالنسبة للنشاط السياسي الجامعي، فذلك مرهون بشرطين رئيسيين هما: إبعاد حرم الجامعة عن النشاطات والفعاليات الحزبية بجميع أشكالها وأنواعها، ومنع أستاذ الجامعة من استغلال موقعه الأكاديمي للترويج لفكر ومبادئ وأهداف حزب سياسي معين في عمله، إذ يمكنه أن ينتسب إلى الأحزاب ويساهم في جميع نشاطاتها وفعالياتها، ويشترك في جميع مسؤولياتها، وكذلك الطالب، على أن يكون ذلك خارج الجامعة.

ويرى التل أن مهمة الجامعة لا تقتصر على تطوبر المعرفة المتقدمة والمتخصصة، وما يرتبط بها من كفايات ومهارات واتجاهات عند الطلبة، بل إنها تطور وبالاهتمام نفسه جميع جوانب شخصية الطالب، هذا إلى جانب أن البحث العلمي في معظم الجامعات العربية ما يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى تطوير سريع لأمرين أساسين: معالجة قضايا المجتمع العربي ومشاكله الملحة، ومشاركة مجتمعات العالم الأخرى، وخاصة المتقدمة، في تطوير المعرفة الجديدة. إلا أن ذلك قد لا يتحقق بالدرجة المطلوبة والمرجوة إذا ما شارك الأساتذة والطلبة في العمل السياسي الحزبي.

إن هذا الكتاب بما يحويه من أفكار توضح الرؤية السديدة وتصورات تعكس المستقبل المشرق، وآراء فيها القول الفصل، يُظهر الثراء الفكري والطاقة الذهنية والإخلاص الوطني لسعيد التل، ويجعل القارئ يثمن الجهد الذي بذله معدّ الكتاب، وإذا كانت المادة التي احتواها الكتاب قد صيغت وصدرت في زمن مضى، فإنها ما تزال صالحة للتمعن ومناسبة للطرح في زماننا هذا، وهذا هو سر نجاحها وارتفاع قيمتها. إلا أنني كنت أتمنى أن تخرج على نحو أكثر تبويبا وتناسقا وأقل فصولا وتفصيلا. لا بل كنت أتمنى أن يثصدر المؤلف كتابه بنفسه ويجدد دعوته الإصلاحية من خلاله ويعرض أفكاره بثوب جديد، ويوثق لمنجزاته التي ما تزال ماثلة للعيان ويشار اليها بالبنان.