محمد حمدان الرقب

لم يكن مقبولا لديّ أن أرتكس أو أن أرتدّ عن طبعي وخِيمي وأستغلّ وَهنَك وأتركك. لم يكن في خاطري أن أرتكب كبيرة كهذه.. أن أترك بحرَ الدموع في عينيك وأولّي ظهري ولا أعقّب. لا، لم تكن لتلك الأفكار القاتلة أن تسمح لي بأن أتجاوز ما ارتضيْتُه لنفسي، وأخذلكَ تاركاً أحلامك المنهارة وليلكَ الطويل وتنهيداتك الممضّة، ونجمةً معلّقة في زاوية السماء ماتت منذ ألفِ عام.

كنتَ كعصفورٍ جريحٍ صوّبَ صيّاد إليه بندقيّته فلم يُصِبْه، بل تجاوزتِ الطلْقة مقتله، ولكنْ خلّفت جروحاً بالغة. كنتُ مَنْ حَمَل ذلك العصفور الصغير. كنتُ من عالجَه حتى شُفيَ، ولكنْ بقي خائفاً مذعوراً أن يأتيه صيّاد آخر فيوجّه إليه بندقيّة أخرى، فيصيبه في قلبْه. كنتُ ردْءاً لك أذود عنك ما وسعتْ طاقتي وما انتهى إليه جهدي وإخلاصي.

كنتَ وحيداً في صحراءَ شاسعة لا تتبيّن لها معالم، سوى الأشواك ودوّامات الرمال والقسوة والوحشة وليلٍ مقرورٍ ونهارٍ حارّ حارق. كنتُ لك واحةً وارفة الظّلال تقيك ذاك الويلَ كلّه.

كنْتَ تحبو كطفلٍ رضيعٍ يبكي بكاءً مرّاً يخالطه ذعرٌ، فَقَدَ أمّه في إحدى غارات العدوّ على البيوت والمنازل. كنتُ ملجأ آمناً لك، أربّت على ظهرَك، وأمسّد شعرك، وأراك تكبر بين يدي بهدوءٍ غريبٍ.

كنتَ تنظر إليّ بعينٍ كعيْنِ الدّيكِ، صافية، تشبه بحراً هادئاً أو سماءً زرقاء. لم أكنْ أتخيّل أنّ تلك العينين يمكن لهما أن تخونا.. أن تغيبا.. أن تجدا أرضاً غيرَ أرضي، وسماءً غير سمائي، ويداً غير يدي تمسح عنهما الدمع إذا انهلّ وانحدر.

يشبه الأمرُ أن تنامَ، وتضع مدّخراتك التي أنفقت سنيناً طويلةً تجمعها في صندوقٍ تحت نظرك، فتنام تحلم بغدٍ جميل، ومستقبلٍ برّاق، وحياةٍ مفعمة بالرضا والهدوء، ثمّ تسيقظ، لا تجد شيئاً.

أو يشبه الأمر أن تربّي طفلاً، وتراه يكبر ويكبر، ثم يستدّ ساعده ويشتدّ، فإذا هو يتنكّر لك.

كيف أصفك؟ أو بأيّ شيء أبدأ الكتابة عن بطولاتك الفدائية.. عن استبسالك في الذّود عن فُرصة البقاءِ. كتبت حروفاً وكلمات، صارت جملاً، غدت عباراتٍ، آضت قصّة قصيرة، أصبحت رواية ضخمة، مزّقتُ الصفحات، طمستُ الكلمات، شنقتُ الحروف، أحرقتُ القصّة القصيرة، ولكنك لم تمت.

روايتي معك ضخمة أجل، لكن خلاصتها كلمتان (أهلا مع السلامة). أهلاً أخي ومرحبا صديقي وحياك الله رفيقي وكن معي ولا تخذلني ولا تتركني، ثمّ فجوة، نموّ سريع. إبرة كيماوية. عنبٌ حامضٌ لم ينضج بعد. استعجلتَ الرحيل.. ظننتَ أنك قويّ بما فيه الكفاية كي ترحل.

لكنّي أنفخ في كيس مثقوب، أصرخ في وادٍ سحيق، فيه خيطُ ماءٍ ينهمل في قعر بئر، ينقطع على حافة صخرة تعترض طريقه إليّ. كنتُ في قعر تلك البئر.

رأيتُ فيما يرى النائم أنّك تركضُ في شارعٍ أسودَ، طويلٍ عريضٍ، لم تكن تتنبّه إلى قدميك.. كانتا مشدودتين بقَيْد غليظ ووراءك كان الحبل طويلاً طويلاً.

قلبي الليلة آلمني كما لم يؤلمني من قبْلُ. خوف. قلق. هلع. رعب. حرارة مرتفعة. جفاق حلق. تيبّس. قال الطبيبُ: «نبضات قلبك واهنة». شعرتُ بدوارٍ. تماسكتُ. قلت له ممازحاً وفيّ فيضٌ من الحزن الكاوي: «يعني متى يتوقّف؟». أحسستُ الدنيا لا تساوي شيئاً. نولد. نحبو. نكبر. نترعرع. نشبّ. ثمّ حزنٌ أليم يوقف فينا الأمل. كنتُ في مواجهة الموتِ. كان بإمكانه أن يثبَ عليّ، وأنا ممدّد على السّرير الأبيض. لا شيء سوى رحمة الله. تصاعدت من جوفي إلى صدري حرارة عالية. تنخفض. أستغفر الله العظيم. أرجع إلى رشدي. أتمالك أعصابي. أرتدّ. أنتكس. لا أحد بجانبي يؤازرني. يرفع همتي. يخفّف مصابي. يقول: «لا بأسَ عليك. عارضٌ ويزول». لم يكن عندي أحد، أيُعقل أن تكونَ أنت خيالاً.

حوّلني على المستشفى. بعد ساعتين. جاء ممرّضان. كشفا عن صدري. عملا تخطيطا للقلب. ثمّ جاء ممرّض آخر. سحب منّي عيّنة دم. ثم ذهب. رجع مرّة أخرى. قال: «الطبيب أمرني بأن أسحب عينات أخرى». يااا ربّ. الأمر خطير جداً. لم يعد الممرضون ولا الأطباء يتكلّمون بلغةٍ لا يفهمها المرضى. يقذفون الكلام في وجوهنا ولا يأبهون بحالتنا المترهّلة.. انتظار. توجّس. ترقّب. «بشّر يا طبيب». «لا نستطيع أن نقرّر إلا بعد أن تصدر نتائج التحاليل». يا إلهي. الأمر عظيم. انهرتُ. قلبي منقبض. صدري مكتوم. تنفّسي. عيني. أعضائي اتّحدت لتعزف سيمفونيّة الموت. وصراخ المرضى. وسيارات الإسعاف. وقلبي أنا. ودقات قلبي الواهنة؟ بعد خمسة دهور طويلة. ظهرت نتائج التحليلات: لا شيء.. أعطاني دواء وموعداً لعيادة القلب. يا الله. سيتوقّف قلبي إذن. يسخر بي الطبيب إذن. يخدعني الطبيب إذن. لا يريد أن يكشف عن علتي إذن، وتنقطع أنفاسي. وأموتُ الآن دون أن تشعر بمصابي. دون أن تستسمح مني.

خرجتُ من المستشفى مذعوراً لا أعرف ماذا أفعل. في الدرجات الملتوية خفّفتُ عن نفسي بآياتٍ من القرآن الكريم. أحسستُ بهدوءٍ. لم يلبث. انتكست. ذعرتُ. بطني منتفخ. أنفاسي ضعيفة. قلبي سيتوّقف. كنت متأرجحاً. لا هناك ولا هنا. إن أمُتْ فلأمت هادئاً. هذا عذاب عظيم. دعوتُ الله: «ربّ أطل عمري وأحسن عملي وبارك في صحتي». ذهني مشوّش. صدري مطبقٌ عليّ. قلبي متذبذب. ريشة عصفور عليل. يا ألله. يا ألله. ساعدني. كانت ليلةً صعبة صعبة. لا أحد معي يخفّف همّي. وذاك الطبيب زرع فيّ هذه القنبلة ومضى. لمَ لم يهدّئني؟! لمَ لمْ يطمئنّي؟ لمَ لمْ يقل لي كلاماً مصبّراً. قلبك دقاته ضعيفة. بالكاد ينبض. سنجلب لك على الفور سيّارة إسعاف. ارتجفت. تعرّقت. اصفرّ وجهي. يقول لي الطبيب: وجهك أصفر! ياااا الله ! كيف لهذا الطبيب أن يتعامل مع مرضاه.

كلّ هذا وأنتَ لا تدْري، ولن تدري. أصبتُ بتهيّج القولون. وبعد الفحوصات والتحاليل تبيّن لي أنّ القلب سليمٌ تماماً، وأن ما بي كان بسبب تهيّج القولون. صرف لي الطبيب دواء للقولون. ولكنّ القلق نخر عظامي. اخترق هدوئي. نفذ إلى حزني. ليضيف إلى تعبي تعباً وإلى شيبي شيباً وإلى ألمي جرحاً عميقاً. وأنت لا تدري.

مع كلّ هذا الدّمارِ الذي أحدثْتَه فيّ سنحتْ لي فُرصَة ضئيلة ومساحة ضيّقة للتفكير. يشبه الأمرُ أن تمرّر جسمَك الضَّخْمَ من بين قضبان حديدٍ لا يكاد النور ينفذ منها. فكّرْتُ: كيفَ لإنسانٍ وجد النور أمامه فولّاه ظهره ويمّم شطرَ الظلام؟! كيف لنَفْسٍ أن تكتحِلَ بغمْضٍ وثمّة من يتقلّب على فراش المعاناة؟! كيف لـ...، ولكنّ هذه المساحة انسدّتْ. تشوّش تفكيري. عاودتْني الأعراض. القلق. الهلع. التوتّر. الخوف المَرَضيّ. القلب. دقاته الواهية. انطباق الصدر. انقطاع النّفَس. الرغبة الجامحة في الاستسلام. الارتماء كالجثة الهامدة على الفراش. الشعور المؤكّد بدنوّ الأجل. التجشّؤ. الخوف من أن أفقدَ عقلي. الخوف من الجنون. الاغتراب. الاستلاب. أهذه أعراض؟ أهذه مؤثّرات؟ أهذه مقدّمات؟ كلّ عَرَضٍ منها يكفي أن ينغّص حياة أمّة كاملة. وأنت! أتدري بما يحلّ بي؟ بما آلت إليه أحوالي؟

أتذكرُ؟ في زَمَنٍ أَبَقَ؟ كنتُ صحيحَ الجِسْمِ والعَقْلِ والنّفْسِ والروحِ. في زَمَنِ الرّشاد. كنْتُ أستطيع أن أدعكَ تعاني ما تعاني من ألوان العذابِ لا شيء يعنيني. لا شيء يربطه بي صلة. كان بإمكاني أن أتعامى عن نداءاتك.. عن صوتِك الضعيف.. عن يدك المرتعشة، وفمك المتيبّس.. عن قلبك المعطوب.. ولكنْ أنّى لي أن أتركك في هذه الحال البائسة؟! كيف لي أن أنامَ وما زار النومُ عينيكَ؟ كيف لي أن أغفو وما عاجِ النعاس بجفونكَ؟ كيف لي أن أستنكف عن جِبِلّتي؟

كيف لي أن....؟

ها قد عاودتني هذه الحالة البائسة.. لا تدري ولن تدري.