طارق قديـــس

قليلةٌ تلك الشخصيات الأدبية أو الفنية في الساحة العربية التي تحظى بإجماع يجعلها رقماً يقبل القسمة على الجميع.. ولعل ناجي العلي واحدٌ من تلك القامات التي لا يستطيع من يتناولها إلا أن يرفع لها القبعة، رغم ما يمكن أن يتعرض له قلمه أو لسانه أو عيناه من أفخاخ وألغام في رحلة قراءته لمسيرة فنان مثّل علامة فارقة لا يمكن أن تتكرر في تاريخ فن الكاريكاتير الفلسطيني.

ومع استعراض الأعمال الأدبية المتعلقة بالفنان ناجي العلي وحياته ومواقفه، بدا واضحاً أن مجمل الكتابات بدت مقتضبة تدور في فلك شخصه دون أن تقتحم المسكوت عنه في تفاصيل حياته، عدا كتاب واحد استطاع الغوص لأبعد حد ممكن في سيرته الفنية على مدى رحبٍ من التحليل والتفاعل مع دقائق الأمور واستنطاق لوحاتٍ مختارة من الأعمال الفنية المعبرة، وهو كتاب «أكله الذئب» لشاكر النابلسي والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بأكثر من طبعة.

فقد استطاع هذا العمل أن يُغطي أكبر مساحة ممكنة من حياة الفنان ناجي العلي، وأن يتلوَّن في طرحها ما بين المعروف بالضرورة للعوام والخاص جداً مما لا يعرفه الكثير من الناس، بطريقة تحمل معها الكثير من الجدل والآراء المتطرفة أحياناً كثيرة.

ففي الكتاب الذي يتمدد على مساحة تفوق 463 صفحة يصحبنا النابلسي في رحلة طويلة مع العلي وأسرته، وهجرته في عامه الـثاني عشر من قريته «الشجرة» إلى مخيم عين الحلوة في لبنان، حيث حالت الظروف دون إكماله للدراسة هناك بسبب سجنه عدة مرات في فترات زمنية مختلفة، وقد ساعد تعلمه لفن ميكانيكا السيارات وعمله فيه في تحسين ظروفه، وسفره إلى المملكة العربية السعودية للعمل هناك، إلى حين عودته إلى لبنان واشتغاله بالتدريس في المدرسة الشيعية الجعفرية لسنوات، وصولاً لدخوله في تجربة نشر الرسم الكاريكاتيري في الصحف العربية بدءاً من مجلة «الحرية» الناطقة باسم حركة القوميين العرب، مروراً بمجلة «الطليعة» الكويتية، ثم «السفير» اللبنانية، وانتهاءً بصحيفة «القبس الدولي» في لندن عام 1987.

وفي سياق التعرض للسيرة التاريخية للعلي، كان لا بد للنابلسي من التعريج على السيرة الفنية له أيضاً، وأن يخصص لها مساحة جيدة من مُؤلفه، حيث أفرغ قلمه مراراً وتكراراً بمحاولة تفكيك أدواته الفنية المستخدمة وتقريب مدلولاتها من المشاهد لها، ومنها شخصية «حنظلة» التي وُلدت على الورق في عام 1969 وظلت مع صاحبها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، التي عرَّف عنها بما كتبه ونشره بتاريخ 13/08/1969 حيث قال في رسم كاريكاتيري شهير: «عزيزي القارئ، اسمح لي أن أقدم لك نفسي، أنا -أعوذ بالله من كلمة أنا- اسمي حنظلة، اسم أبي مش ضروري، أمي اسمها نكبة، وأختي الصغيرة..، نمرة رجلي ما بعرف لأني دائماً حافي». هذا إضافة إلى «القلم» الذي كان في ذاكرة الحضارة العربية رمزاً لارتقاء الثقافة وأصبح في أبجدية الرسام رمزاً للقمع الثقافي ومصادرة حرية الرأي، و»العلَم» الذي استخدمه في أحد تجلياته بأن رسم العلَمَ اللبناني وقد امتلأت أرزته الجميلة بالثلج الذي أخذ يذوب ويقطر وكأنه الدمع الحزين على هذا الوطن الذي أخذت رياح الشر تعصف به، و»بيروت» التي كانت بمثابة عاصمة الحرية له، و»الكوفية» رمز الشعب الفلسطيني التي استخدمها بأكثر من مدلول، بما في ذلك «الرقم» الذي أصبح بيد رسامنا الفذ ذا مدلول خاص وأعمق، «ففي أبجدية العلي الكاريكاتيرية لم يعد الرقم أداة حسابية ولغة لرجال الأعمال بقدر ما أصبح أيضاً ضمن كلمات القاموس السياسي والفكري للعلي» (أكله الذئب، ص306)، «ففي فترة السبعينات وعندما كان العلي مشغولاً بالهم اللبنان، كان للرقم (10452) دورٌ كبيرٌ، وهذا الرقم يشير إلى مساحة لبنان بالكيلومترات، فأخذ العلي يستعمل هذا الرقم للتعبير عن أفكار كثيرة حول الوضع اللبناني» (ص314).

ومن المحطات التي لم يرَ النابلسي مناصاً من التعرض لها، أثر نكسة 1967 في حياة العلي وتعلقه بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، ففيما رأى كاتب العمل فإن من أهم أسباب الهزيمة «ضعف عبدالناصر أمام عبث ولهو وطيش مساعديه وأركان حربه وقادة جيشه، وعلى رأسهم عبدالحكيم عامر.. كما أن من أسباب الهزيمة رعونة عبدالناصر السياسية التي وضحت عندما لم يسمع نصيحة أقرب أصدقائه وحلفائه (الاتحاد السوفياتي) بضبط النفس وتجنب هذه الحرب» (ص108)، وناجي العلي «المحب لعبد الناصر والمدافع عن نظامه واعتباره إياه الورقة الوحيدة الشريفة الباقية في يد المقاومة الفلسطينية المسلحة، نسي كل هذا... وصب جام غضبه على الرجعية العربية وعلى اليمين العربي» (ص109).

وكميزة رئيسة للشخصية الفلسطينية المنتمية، والتي يمكن أن تكون هَدْياً لكل إنسان يستطيع أن يحدد موقفه من القضية الفلسطينية، يقيم النابلسي مقارنة فريدة من نوعها بين ما يشعر به العلي بالتصاقه بأرضه وتراب بلده وإيمانه بأن قضية فلسطين لم تعد قضية قطرية أو قومية بل قضية كونية إنسانية، وبين ما كان يشعر به محمود درويش الذي كان يتضايق من أن يُلصق به لقب «شاعر المقاومة».

حيث يؤرخ لنا النابلسي بقوله إن درويش « كان يتضايق عندما يُذكر شعره في مناسبات فلسطينية أو يلصق بيومات القضية الفلسطينية» (ص80)، حيث يذكر لنا حادثة شخصية مع درويش يستدل بها على انفصال درويش الروحي والذاتي عن القضية الفلسطينية قائلاً: «وأذكر أنني كتبت في دراستي النقدية المطوله لشعره (700 صفحة) الموسومة (مجنون التراب/ 1987) وذهبت لأقدم له نسخة من هذه الدراسة كهدية، وكان ذلك في حفل عشاء في بيت الصديق رجاء النقاش في القاهرة وبحضور الشاعر الفلسطيني سميح القاسم والإذاعي المصري جلال معوَّض والناشر ماهر كيالي، أخذ درويش هذه الدراسة، ونظر إلى عنوانها كالطاووس، ولم يفتح الكتاب، وكأن الموضوع لا يُعنيه البتة، ثم وضعها جانباً متعففاً، دون أن يُعلِّق عليها بكلمة بكلمة واحدة. ونظر إليَّ شزراً ولم يقل لي كلمة شكر واحدة على هذ الجهد المتواضع الذي أخذ مني أكثر من عامين مضنيين متواليين. مما أثار استهجان الحاضرين فيما بعد وعلى رأسهم المُضيف رجاء النقاش وناشر الدراسة ماهر الكيالي. وكانت تلك الدراسة هي النقدية الشاملة الوحيدة لشعره في ذلك الوقت. وفهمت بعد ذلك أنه كان متضايقاً من العنوان (مجنون التراب)، وكان يود ألا يُلصق بهذه الطريقة بالتراب الفلسطيني بحيث يصبح مجنونه، وكأنه كان يتهرب من جلده. وأنه كان بوده ألا يُدرس كشاعر فلسطيني أضافت إليه القضية كشاعر بُعداً إنسانياً كونياً، وأضاف هو إليها كقضية إنسانية بعداً فنياً وشعرياً عميقاً» (ص80).

لذا فإن شاكر النابلسي بعمله أراد أن يحملنا معه إلى عالم مختلف، عالمٍ رسام أصبح علامة خالدة في تاريخ الأمة العربية.. رسام أثار الجدل وأثير حوله الجدل إلا أن واحداً لم يكن يشك مثقال ذرة في وطنيته، وهو الذي كان «على عكس معظم رسامي الكاريكاتير، لا يرسم بعد أن يسمع نشرة أخبار المساء والتعليق السياسي ليرى أين تتجه البوصلة، ولكن رسمه هو الذي يحدد البوصلة صباح كل يوم» (ص82).