د.فاطمة نصير *

«تطوان وحكايا أخرى» لمؤلّفه الفلسطيني سميح مسعود، نصّ رحلي مفعم بالديناميكية، شكّله مزيج متجانس من التاريخ والجغرافيا والعمران وأدب المكان، وبعض المقطوعات الشعرية المدسوسة في ثنايا النصوص تمّ استحضارها وفقاً للسياق، أو نسجها بإيحاء من مشهد أو حدث متضمّن في الرحلة، كلّ هذه الجزئيات تشكّل منها الكتاب، وقد تمّ لمّ شمل كلّ ذلك تحت عنوان تصنيفي «من أدب الرحلات»، فهي الأصل فصول مستمدّة من روح التّرحال والسّفر ومعاينة المكان وما يحمله من تكوين عمراني وروح التاريخ وأنفاس الذين عبروه.

في أدب الرّحلات يُصغي القارئ لهسيس أرواح قضت نحبها وتركت بصمتها ساطعة كلافتة محفورة على جدار الزّمن، بل قد يرى آثارهم في لوحة المكان التي تعبث بها ريشة الإنسان بمرور الأجيال وتعاقبها.. في أدب الرحلات يصغي القارئ لوقع خطى سكّان المكان حاضرا، بل إنّه قد يسمع أصواتهم العالية والهامسة، كما يركّز مليا فيستمع لإيقاع الحياة اليومية التي تغرق في الروتين عند أهلها الذين اعتادوها، لكنّها قادرة على جذب وإدهاش الزوّار الذين يأتون في رحلات عمل أو رحلات استكشافية أو رحلات ترفيه واستجمام، كما تتحرّك أمام ناظريه صور كثيرة ملوّنة ورمادية وقاتمة وغير ذلك ممّا يبعثه النّص الرّحلي، ولكلّ كاتب في هذا المجال مهاراته وأدواته وكفاءته، التي يختلف فيها عن بقية من خاضوا غمار تجربة الكتابة في فن متشابك بين كتابة الذات من الدّاخل والكتابة من خارج الذات، والربط بين هذا وذاك، إذ لا انتفاء ولا غياب للذاتية في أدب الرحلات، لكن يظلّ حضورها متفاوتاً بين الرحليين.

يقع «تطوان وحكايا أخرى» في خمس وثلاثين فصلاً لا تحمل عناوين، توزّعت في ثلاثمائة وإحدى وعشرين صفحة، وأخذت على عاتقها نقل القارئ والتنقّل به عبر قارب الأبجدية، لتتيح له مشاهدة جزر التاريخ المهجور والعبور نحو الحاضر الصاخب بالآنية، والمكان الذي لا يكفّ عن وضع الإنسان مؤثّثاً أساسياً له رغم سلطة الطبيعة وسطوتها وجاذبيتها.

ليس من السهل خوض غمار الكتابة في أدب الرحلات، وإن بدت للمتلقي مجرّد تسجيل ليوميات مسافر وانطباعاته عن مكان ما، إلا أنّ الباحث في متن النّصوص الرحليّة التي تقوم على استكشاف المكان جغرافياً وتاريخياً وثقافياً وحضارياً، سيجد أنّ الكتابة فيه تتجاوز الانطباعي، بالإضافة إلى أنّ متن النص الرحلي يمزج بين الذاتي والغيري، من خلال تسجيل الرؤى الخاصّة للأمكنة ومحمولاتها والبيئة والشخوص وكلّ ما يحيط بها، ومن ناحية أخرى الاعتناء برصد تاريخ المكان وتشكيلة سكّانه العرقية ومن ثمّة الاهتمام بعاداتهم وتقاليدهم الأصلية والمستحدثة وما لحقها. وقد تستوقف كاتب النّص الرحلي ظواهر عاديّة جداً بالنسبة إلى سكان المنطقة، لكنّها بالنسبة إليه ليست بالعادية، فيذهب في البحث عن أصولها وجذورها، حتّى إنّه قد يجمع معلومات عنها تفوق معلومات أهل المدينة، وما ذلك سوى بدافع شغف الاكتشاف الذي يكون المسافر مشحوناً به، لا سيما إذا كان قد زار المكان مرّات عديدة أو قرأ عنه أو تابع أفلاماً وثائقية تسلّط الضوء على جانب منه.

الكاتب سميح مسعود في مؤلّفه «تطوان وحكايا أخرى»، يصول ويجول بين مدن مغربية كثيرة، لكن يبدو أنّ لتطوان الأثر الأعمق في الذاكرة، وهذا ما تؤكّده فصول الكتاب ويبصم عليه العنوان، حيث تصدّرت مدينة تطوان دون غيرها من المدن المغربية عنوان الكتاب، مع أنّ الكاتب تجوّل في الكثير من المدن المغربية ولم يكتفِ بتطوان، بل إنّ تطوان لم تكن أوّل المدن المغربية التي زارها ولا آخرها حتّى نبرر إعجابه بها ونفسّره، بما تتركه الانطباعات الأولى أو الأخيرة في الكثير من الأشخاص.

ومن المدن المغربية التي زارها الكاتب: الدار البيضاء، الرباط، مراكش، تطوان، ايفران، طنجة، سبتة وأصيلة. وهو يكاد يكون قد جال فوق معظم الأراضي المغربية مسجّلاً ومكتشفاً ومتفحّصاً لا سائحاً فحسب.

الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان، ليس ثمرة زيارة واحدة ولا معاينة سريعة مستعجلة للمكان ومحتوياته، بل هو وليد زيارات كثيرة شكّلت ما يستحقّ التدوين، فقد ورد في الفصل الأول من الكتاب: «في شتاء 2017 منحت نفسي شيئاً من التغيير بشدّ الرّحال إلى المغرب، الذي زرته عدّة مرّات في سنوات خلت، أطلتُ التّجوال في أرجائه بأجواء مشحونة بالإثارة، خصبت ذاكرتي بأجمل الذكريات، تجوّلت على مدى أيام طوال في مدن كثيرة شكّلت الطبيعة فيها لوحات تشكيلية جميلة بتكوينات لونية مميّزة، تبعث على الأمل والالهام في النّفس» (ص11).

نهض الكتاب على سلسلة من التسجيلات والملاحظات والمتابعات والمجالسات، التي كانت في زيارات متعددة، أمّا الهيئة التي خرج بها للقرّاء فهي بمثابة صورة مكتملة عمّا تمّ تجميعه في فترات زمنية متفاوتة، وهذا ما تمّ التصريح به للقرّاء كجزء من التشارك واقتسام لحظات صياغة الكتاب، ففي مستهل الفصل السابع يقول: «التجأتُ إلى غرفتي لنيل قسط من الرّاحة، بسطت حاسوبي أمامي، وقضيت وقتي أتصفّح المعلومات التي كتبتها عن رحلاتي السابقة، أضفت إليها خلاصات تجوالي في مراكش.. ألغيت شيئاً هنا وأضفت فكرة هناك، ألغيت بعض الصيغ المتشابهة بهدف ترتيب نص بتنوع جاذب في البناء السردي، بعيداً عن النمطية، ومنسجماً مع جمالية الأمكنة التي أزورها بين الحين والحين في عدد من المدن المغربية» (ص146).

يشارك الكاتب قرّاءه الكثير من تحرّكاته، وبدا أنّ الرحلة التي صدر عقبها هذا الكتاب، لم تكن استجماماً أو فسحة، بل كانت رحلة علمية توثيقية بامتياز، وهذا الكتاب وما تضمّنه هو دليل على قصديّة ذلك. ومن صور مشاركة الكاتب لقرّائه تسجيله لعنوان الكتاب الذي كان رفيق سفره ساعة الانتقال في الحافلة من طنجة إلى تطوان، وتقديم رأي ورؤية سريعة حوله، فالكتاب الذي رافقه من أهم مؤلفات الإسباني المراكشي»خوان غويتيسولو» بعنوان «إسبانيا في مواجهة التاريخ.. فكّ العقد»، وقد انتصر فيه «غويتيسولو» للموروث الأندلسي: «ويكفي وصفه طرد العرب والمسلمين من إسبانيا كارثةً حضارية كبيرة، أفضت إلى فقر ثقافي وحضاري لبلده إسبانيا وتشويه صورتها بالتعصّب والكراهية للآخر» (ص216).

بعد انتهائه من جولته في تطوان شدّ المؤلف الرّحال لمدينة «سبتة» التي تبعد نصف ساعة بالسيارة عن تطوان: «سبتة هي المدينة المغربية التي تحتلها إسبانيا، وتقع على مقربة من تطوان، على بعد نصف ساعة بالسيارة، عبرت ما يسمّى (البوابة الحدودية) حال وصولي سبتة المحتلّة، شعرت لأوّل وهلة كأنّني عند معبر بيت حانون إيريز شمال قطاع غزّة، الذي تتحكّم القوّات الإسرائيلية من خلاله بحركة العبور ما بين الأراضي الفلسطينية المحتلّة وغزّة، قلت في نفسي: الاحتلال هو الاحتلال أينما كان، يتشابه في أدواته وأهدافه بنشر الذلّ والظلم والاستبداد وفرض القوانين الجائرة، بما يساعد على إلغاء الهويّة الوطنية للسكّان الأصليين وتهميشهم وجعلهم أقليّة في وطنهم» (ص224).

زيارة مدينة «سبتة» الواقعة تحت حكم السلطات الإسبانية، كانت زيارة كفيلة بفتح الجرح الفلسطيني الغائر في نفس الكاتب، وقد سبب ذلك نزيفاً للذاكرة فانهمرت صور كثيرة وذكريات أكثر حدّ إقامته تشبيهاً ومقارنة بين سبتة والقدس: «لاحظت انقسامها كمدينة القدس إلى جزأين متناقضين أحدهما أوروبي متطور سكّانه من المستوطنين الإسبان، والآخر مهمّش خاص بالمغاربة. استوقفت شاباً من المارّة تدلّ ملامحه على أنّه مغربي، وسألته عن سبب تخلّف الجزء المهمّش من المدينة، فأجابني بأنّها القوانين الجائرة، التي تمنع مغاربة سبتة من إصلاح مبانيهم وتوسعتها وتطويرها، سألني: من أين أنت؟، أجبته قائلاً: فلسطيني، ردّ بنبرة حاسمة: كلّنا في عُرف المحتلّين مُهمّشون» (ص224).

من حكايا النّاس ومن صور الشوارع والمدن التي تموج بالحركة، ومن القراءات والزيارات ومن شجن عروبي لا يخفى وحرصٍ على توثيق شيء ممّا عاين المؤلف، تمّ إنتاج كتاب «تطوان وحكايا أخرى»، والذي صار أقرب إلى الاكتمال قبل مغادرته المغرب من مطار الرباط، ويومها سأله مضيفه سعيد بعد أن أجال بصره في الأوراق وقال له: «ما عنوان كتابك ؟»، فأجابه: «تطوان وحكايا أخرى» (ص318).

ما تقدّم هو إطلالة على كتاب حديث يصبّ محتواه في مجرى أدب الرحلات، هذا النّوع الأدبي الذي ما يزال يفتقر لإثراء عربياً، فهو من حيث الحضور والانتشار مثل أدب اليوميات والمذكّرات والسير الذاتية، كلّها أنماط كتابية ما تزال أقلّ كتابة ًورواجاً، مقارنة بأنواع أدبية أخرى انتشرت انتشاراً واسعاً بل وشهدت تجريباً وتحديثاً مستمراً، ولعلّ أبرز أسباب نقصان التوجّه للكتابة في أدب الرحلات في أدبنا العربي، أنّه نمط كتابي لا يعتمد على تسجيل ما يتمّ رؤيته فقط، بل هو مزيج بين ما يُرى وبين ما يُقرأ قبل وأثناء وبعد الرّحلة، كما لا يمكن أن يقتحمه الكاتب دون التسلّح بمعلومات دقيقة عن البلد الذي يكتب عنه، بالإضافة إلى أنّ الجانب الذّاتي في النّص الرّحلي يعرّض الكاتب للتصريح من غير مواربة عن وجهة نظره في قضايا تاريخية وأخرى معاصرة، بل قد يعرض في نصّه بشكل مباشر كلاماً عن تجارب شخصية ومواقف يكون قد تعرّض لها أثناء رحلته، وهو ما يتنافى مع طبيعة الكثير من الكتّاب الذين يرغبون في الاحتفاظ بما هو خصوصي، ويذهبون للكتابة عما هو عام، إذ ينطلق الواحد منهم من خارج الذّات ويظلّ خارجها مدافعاً دفاعاً مستميتاً أن تظلّ حياته الخاصّة وما تعلّق به خارج بوتقة النّص حتّى يشعر بأمان الحيادية.

ومهما كانت الأسباب، فإنّ النقص الفادح في الكتابة الرحليّة يعدّ نقطة ضعف في أدبنا العربي، لا سيما وأنّ النّص الرّحلي حين يكتبه كاتب بارع سيكون وثيقة أدبية وتاريخية ونشرة تعريفية مفصّلة عن مكان من منظور كاتب معيّن في زمن محدّد، وقد يضيف لها القارئ ما شاء من معلومات من خلال عودته لمراجع وكتب أخرى تحدّثت عن البلد نفسه سوى كتب أدب رحلات أو غير ذلك، كما قد تتسع النّظرة أكثر بالمقارنة من خلال معاينة المكان عند السّفر إليه حقيقة، أو من خلال استذكار رحلة سابقة للبلد نفسه الذي يهمّ بالقراءة عنه والسفر إليه مجازاً من خلال التجوّل في أرجاء صفحات كتاب يندرج ضمن أدب الرحلات.

• ناقدة وأكاديمية جزائرية