د. عماد الضمور

نتحدث كثيراً عن الرواية وموقعها المتقدم بين الأجناس الأدبية، وعن مضامينها وروافدها، بعدما أضحت صاحبة حضور واضح في مجمل الأعمال الأدبية الصادرة، وقد اعتدنا العثور على مضامين اجتماعية ووجدانية وفكرية خصبة أبطالها يشتبكون مع الواقع حيناً ويهيمون في الخيال حيناً آخر.

عبدالحافظ الحوارات في روايته «أحياء على بحر ميت»، يجعل من راشد العبدالله بطلاً لروايته، وقد استمد أحداثها من بطولة متجددة لشعبنا الأردني الواحد، عندما أنقذ أحد منتسبي جهاز الدفاع المدني طفلَين عراقيين واجها خطر الموت غرقاً في البحر الميت عام 2015.

البطل والطفلان سبحوا ما يقارب سبعة عشر كيلو متراً في ليل حالك وظروف جوية صعبة من رياح مغبرة وملح البحر؛ لتنسج كلّ هذه الظروف بطولة سطرها الوجدان الشعبي الأردني يتداولها الرواة وينتشي لها الأحرار أنموذجاً للتضحية والفداء التي عُرفت عن الأردنيين على مرّ الأزمان.

استمد الكاتب روايته من قصص البطولة التي نسجتها أجهزتنا الأمنية دفاعاً عن الوطن وساكنيه، فكل من حلّ على التراب الأردني هو في حمى الأردنيين وقيادتهم الهاشمية.

الرقيب عمر يوسف البلاونة أحد سواعد الدفاع المدني، هذا الجهاز الذي هو موضع فخر واعتزاز جميع الأردنيين، قام بإنقاذ الطفلين الغريقين مضحّياً بنفسه من أجل منحهما حياة جديدة.

لذلك تبتعد الرواية عمّا يسود في الروايات المعاصرة من علاقات عاطفية وسرد عشقي بين رجل وامرأة، لتتحدث عن عشق من نوع خاص، هو عشق الوطن والتضحية من أجله، عشق الإنسانية والقيم النبيلة، عشق مفعم بقيم البطولة والفداء.

المكان المحتفى به في الرواية هو الأغوار ببيئتها الصعبة وبساطة روحها المانحة للحياة، ففضاء النص يتشكّل وفق نسق جمالي خاص، تشرع فيه الأنا الراوية بتصعيد فعلها الحكائي، لترسم مشهديّة المكان، وتصعّد من فعل التصوير الاسترجاعي للمكان؛ الذي يوفر طاقة سرديّة، تُفصح عن روح الطبيعة الغوريّة.

وإذا كان المكان هو الشغل الشاغل للمبدع، والمنتج الأول لفضاءاته الحالمة التي تحتفي بالرؤى، وتتماهى مع الأنا، في منحى إبداعي يتسم بالعمق، والأصالة، فإنّ صوت الذات الساردة، يستمر في التداخل بمعطيات المكان الغوري، بكلّ تفصيلاته، فضلاً عن استدعاء الموروث الشفهي الذي يحكي قصة خلود البطولة.

وتكشف اللغة السردية عن الأبعاد النفسيّة والجمالية، وما يُحيل إليه النص، وكيفيّة التشكّل، إذ يمكن من خلالها رصد جوانب أسلوبية للنص الروائي المتضمن للسرد، حيث يوظّف الشاعر طاقات اللغة في إنتاج دلالة نصيّة تحمل الحبّ والانتماء للمكان والبطولة.

نتحدث في هذه الرواية عن أمن مجتمعي ودفاع مدني شمولي، يكون فيه المواطن رجلَ أمن وجندياً صامداً، ورجلَ دفاع مدني، لذلك تكمن أهمية هذه الرواية في ترسيخها لمفهوم البطولة وسمو أثرها وعمق رؤاها، فضلاً عن أنها مستمدة من البيئة الأردنية منتمية لهويتها ذات الطابع النضالي، فالأردنييون على الدوام لم يكونوا إلا لأمتهم العربية ووطنهم الكبير.

لن نتحدث عن إيحاءات العنوان وتشابكاته الدلالية «أحياء على بحر ميت»، وكيف يمكن للأحياء أن يوجَدوا على بحر طالما عرفناه بأنه ميت؟!

التضاد مكون مهم للعنوان، وذلك بالجمع بين مفردتي «الأحياء» و»الميت»، ممّا يحقق الوظيفة الاستراتيجية للعنوان بجذب اهتمام المتلقي وإثارة أسئلته منذ البداية، ويكشف عن رغبة في التفاعل والحوار، ويؤسس لثنائية الحياة والموت بعمقها الوجودي وفاعليتها التأثيرية العالية.

إنّ إرادة الحياة و»نخوة» بطل الرواية راشد العبدالله، أوجدتا كثافة واضحة في المفردات الدالة على الحياة، وهيمنتها على مفردات الموت؛ لتؤكدا انحياز الكاتب لفعل الحياة، ولا أجمل من حياة نتاجها تضحية وفداء!

لقد أوجد عنوان الرواية ميثاقاً مبرماً مع فعل الحياة ومسبباته، إذ تتحد البيئة الغورية بخصوبة تربتها المجبولة بعرَق الفلاحين وأحلامهم برجولة راشد العبدالله وشجاعته؛ لتبعث الحياة من جديد رغم ظروف الموت وانتشاره في كلّ مكان.

تحمل الرواية بعداً أخلاقيّاً إنسانياً واضحاً، فالروائي ينهل أفكاره من واقع الحياة الاجتماعية في الغور وقيم المجتمع الأصيلة، ممّا يؤكد واقعية الرواية وانتماء الروائي له انتماء جعله يرسّخ المكان ترسيخاً قادراً على سرد الأحداث بوصف أحد شخوصه الفاعلين والصانعين لفاعليتها الفكرية وتشكلها الفني، حيث يقول واصفاً تشبث أهل الغور بالحياة وبعثهم لها بكلّ فرح: «تسمع قهقهاتهم التي تصعد في السماء بلا انكسار، وبعضها يتجه نحو مياه الشريعة الجارية، فتتراقص على إيقاعاتها أسماك القناة السعيدة. أعراسهم أيضاً بسيطة وجميلة، يتسلل فيها الفرح إلى حشايا الأفئدة، ثم يتربع فيها غارساً ما شاء جذورَه؛ لتزهر البهجة نشوة تتناسل في جيناتها الصافية» (ص36). فيحرص الكاتب على وصف الطبيعة المحيطة بشخوصه موائماً بينها وبين مشاعرهم وخلجاتهم، فالحرّ شديد، لكن الحبّ الساكن في القلوب أعمق، والحياة قاسية لكن الرغبة في معانقتها أكبر، وهكذا فإن الكاتب حريص على إبراز فاعلية الإرادة والعزيمة التي يتحلّى بها ساكنو الأغوار في مواجهة فعل الحياة القاسي.

وهذا جعله يحرص على وصف موجودات المكان الغوريّ ببساطته واحتجابه عن رغد الحياة المعاصرة؛ ليعمّق في نفوسنا أن البطولة والفداء وقيم الحق لصيقة بالبيئة القاسية التي تنجب رجالاً أشداء، يقول السارد: «تختلط رائحة الخبز الطازج مع نسمات الهواء الذي حرّكته ترفة بجواره، فتقتحم الرائحة الشهيّة بالكامل حتى الأعماق، يَئِنّ مُستمتعاً بها، لكنها لم تكن كافية لتجعله ينفكّ من الجاذبية الفائقة للرّوشن» (ص10). والروشن سريرٌ محليّ الصنع يُنصَبُ على البراميل أو أغصان الشجر.

هذه البيئة بأصالتها وعفويتها وحبها للآخر هي التي أنتجت شخصية بطل الرواية راشد العبدالله؛ ليتخذ موقعه في بعث الحياة، فالمكان والبطل متّحدان في إنتاج الرؤيا التي يركّز فيها الروائي على أمرين: وصف البيئة الطبيعية للأغوار ومدى التهميش الذي تعرضت له، وتصوير الشخوص بحالتها الانفعالية ومعاناتها المستمرة، ممّا جعل الوصف والتصوير عنصرين فنيين لصيقين بالرواية.

إنّها الحياة الباعثة للبطولة والتضحية التي يقوم بها ساكنو المكان، إذ إنّ فعلهم البطولي يبعث الحياة من جديد في بحر ميت وجسدٍ أوشك على الموت. فكان مفتتَح الرواية السردي:

«إنه راشد العبدالله، فتىً أسمر اللو ، سُمرتُهُ ذات مشربين، أحدهما جينيّ الأثر لا إراديّ، وقلّما تجد للغور ساكناً ناصعَ البياض. والمشرب الآخر قد أعملته شمس الغور الحارقة في جلود ساكنيه، والجلد لا ينسى، فذاكرته طويلة المدى، ما تحفره بالجلد في الصغر يبقى دائماً يهزكَ أو يعزّك في الكبر» (ص7).

فالشخصية نبيلة تسعى إلى فعل الخير، وتحمل استعداداً واضحاً للتضحية، بل إنّها مهيأة لها، مجبولة عليها، بفضل القيم النبيلة التي نشأت عليها في بيئة لا تعرف إلا التضحية والفداء لأجل وطن كريم سيبقى يُفاخر ببطولات أبنائه، كما في تصوير الروائي لبطولة راشد وتضحيته بنفسه من أجل إنقاذ هذين الصغيرين المنهكين: «أيقن راشد أنّ السباحة لا طائل منها، فيمّم صوب الغرب المجهول، طريقٌ طويلةٌ تتجاوز الخمسة عشر كيلو متراً، طريقٌ لم يقطعها أحدٌ قبله، طريقٌ نحو عدوّ الأمس، طريقٌ لا يأمن مخاطرها ولا نهاياتها، لكنه وجدها الطريق الأسلم نحو السلامة في هذا البحر العجيب، فها هنا لا مراكب صيادين، ولا مصطافون في جُنح الظلام ينتشلونهم، إنّها مغامرة غريبة لكنّها الأخيرة التي قد تحمل الأمل» (ص97).

وإذا كانت الرواية تسلط الضوء على بطولة قام بها أحد منتسبي جهاز الدفاع المدني، فهي تسلط الضوء أيضاً على البؤس والشقاء الذي يحياه الناس في الأغوار بسبب الظروف الحياتية التي لم تزدهم إلا أملاً بغد مشرق.

يتجه البطل بخطابه للوطن معشوقه الأول والأخير، فهو حاضن البطولة وحاميها، وهو ملاذ الجميع، حصن منيع، وبنيان شامخ. إذ لا تخلو الرواية من النزعة التوثيقية التي تكشف الرغبة في الخلود من خلال عمق الأثر وعظمة التضحية.

فما تحقق من إنقاذ طفلين أوشكا على الهلاك في ظل ظروف صعبة أشبه بالمعجزة، فكان تصوير الروائي لهذا المشهد العاطفي المثير: «ثم انفجر الجميع بقهقهة جنونيّة سكبت معها كثيراً من الدموع، دموع الفرج ودموع الملح ودموع الأمل. اندهش راشد بهذه النتيجة المعجزة وصاح بجوفه مبتهجاً: يا إلهي! أيُعقل أننا قطعنا سباحةً خمسة عشر كيلومتراً ويزيد؟ على سطح الملح هذا الممزوج ماءً طيلة الليل الدامس، وهؤلاء الفتية على ذراعيَّ، إنّها إرادة الحياة وعزيمة الجميع» (ص103).

إنّ فعل البطولة هو ما وجّه السرد، وأنتج لغة خاصة ذات طابع وجداني ينتشي بالحياة ورؤاها الخصبة، يجعل من بطولات الفرد وسيلة لخلود الجماعة، وترسيخ القيم الإنسانية النبيلة التي لا تعرف مكاناً ولا زماناً، بل عزيمة وإرادة لا تهدأ.

«أحياء على بحر ميت» الصادرة عن «الآن ناشرون ومزعون» روايةٌ حملت معنى العنوان، ممّا أسهم في إنتاج معنى إنساني عميق برز من حوارات مليئة بالمشاعر والقيم النبيلة التي تنتشر في ثنايا السرد وحركة الشخوص وحالتهم النفسية بما يعتريها من خوف وقلق وصراع مؤثر يُعلي من قيمة الحياة ويمنحها طابعاً مقدساً وفق منظومة سردية قادرة على إبراز البطولة وفعلها الإنساني الرفيع.