د.يوسف بكّار

نظم التّرجمة

فليست مسألة نظم بعض ترجمات رباعيّات الخيّام بجديدة، فقد نهض بها عدد من شعراء الشّطرين الفصيح، وآخر من شعراء الشعر الشعبي(1).

فمن الفصيح، مثلاً، نظم د.أحمد زكي أبو شادي ترجمة الزّهاوي النثريّة، ونظم د.مصطفى جواد اللّغوي العراقي المشهور ترجمة أحمد حامد الصرّاف النثريّة بالمسمّط السُّباعي، ونظم الشّاعر السّعودي محمد حسن عوّاد ستّ (6) رباعيّاتٍ من ترجمة الصرّاف كذلك.

ومن الشّعبي، نظم حسين مظلوم رياض (من مصر) منظومته من ترجمتي البستاني والسّباعي زجلاً باللّهجة المصريّة في خماسيّات وثمانيّات، ونظم فاضل الرادود العراقي مختاراته من ترجمة النّجفي، ونظم أحمد عبد الجبّار العراقي منظومته عن فيتزجيرالد مستعيناً بترجمات السّباعي ورامي والصّافي النّجفي والصّراف، ونظم الشاعر المصري أحمد سليمان حجاب بالموّال الشّعبي جُلَّ منظومته عن ترجمة أحمد رامي أيضاً.

فأمّا ترجمة عرار، فنظم الشّاعر المصري عاطف مصطفى محمود عدداً منها، ونظمها جميعاً الشاعر العراقي هشام سلطان:

1. منظومة عاطف مصطفى محمود:

نظم عاطف مصطفى محمود، الذي لم أستطع أن أعرف عنه شيئاً إلى الآن، أربع عشرة (14) رباعيّة من رباعيّات ترجمة عرار (2) (ص84-97) دون أن يشير إليها، وأثبت أصولها العراريّة، لكنّه لم يثبت الرّابعة والتاسعة والثانية عشرة (4 و9 و12) كما هي في الأصل. قد يكون هذا من صنيع المجلة مراعاة للنسق الترتيبي في الصّفحات.

نظم مختاراته المقطوعات بقالب شعر التفعيلة في خمسة «سطور» من بحر الرّمل. يبدو أنّه على اطلاع بفنّ «الرّباعي» الفارسيّ من حيث «القالب»، الذي هو أصلاً في «أربعة» شطور لا «أبيات»، وفي ثلاثة أنماط: «تامّ» في روي واحد في الشّطور الأربعة، و»أعرج» يختلف روي شطره الثّالث عن روي الشّطور الثلاثة الأخرى الموحّدة، و»مردوف» يزيد على «التّام» بكلمة أو جملة واحدة تلتزم في الشّطور الأربعة جميعاً (3).

لولا أنّه التزم بالأسطر الخمسة الثلاثيّة التفعيلات لصنّفت منظومته في الرّباعيّ «التّام». فالأربع: الأولى والخامسة والسّابعة والعاشرة (1 و5 و7 و10) زيد عليها «سطر» كامل من «الرّوي» نفسه. الأولى على روي «الهاء» الساكن، والخامسة والعاشرة على روي «النّون» الساكن، والسّابعة على رويّ «التّاء» المتحرّك. أمّا العشر الأُخرى (2-4) و(6) و(8-9) و(11-14)، فالسّطر الخامس فيها جميعاً من رويّ مختلف.

مهما يكن، فالضّربان يندرجان في «الانزياحات» التي أحدثها عدد من مترجمي رباعيّات الخيّام العرب، وعدد من الشّعراء المعاصرين والمحدثين في فنّ «الرّباعيّة» فارسيّ المنشأ (4).

المختارات المنظومة، بتقويم عام، جيّدة لا غبار كثيراً عليها. فهي لا تنأى عن الأصل العراري بمحافظتها كثيراً على البؤرة المركزيّة التي ينهض عليها فنّ الرّباعيّات في كلّ رباعيّة، وتحلّق في سماء المعنى الأصلي تحليقاً شعريّاً كما في الرّباعيّات الرّابعة والسابعة والعاشرة (4 و7 و10) مثلاً:

فالرّابعة أصلها:

«إلى متى أحتمل هموم التفكير بالفقر والإثراء؟

وأتساءل عمّا إذا سأقضي العمر هادئ البال

أم مبلبل الخاطر؟

لا أدري!

إذا كانت ستستقرّ بجوفي أم لا؟».

ونظمها (5):

«حائر الخاطر... مأزوم الضمير

يعتريك الرّيب في خافي المصير

أشقيّ، أغنيّ، أم فقير؟

فاهجر الفكر إلى جام (6) الطّلا..

ربما كان هو الجام الأخير!».

غير أنّ التزام النّاظم بحرف الرّوي قاده، أحياناً، إلى تأبط الألفاظ الصّعبة المهجورة، من مثل «ثغام» في السّطر الثاني من المقطوعة (11):

وأؤم الحان والرأس (ثغام) (7)

و»الدّثور» في السّطر الثاني من المقطوعة (12):

و»ببلخ» أو «ببغداد» (الدّثور) (8)

وأمّا المقطوعة الثانية (2) فتكمن غرابة ألفاظها في السّطرين الأوّلين في الألفاظ: «سؤر» و»خِيْم» و»خنا»:

(سؤُر) وعْي فيّ أبقاه الخمّارْ

و(بخيمي) عن (خنا) الخَلْق ازورارْ

فالسؤر: بقيّة الشيء والجمع اسْآر؛ والخِيم: السّجيّة والطّبع؛ و»الخناء»: قبيح الكلام والفحش في القول.

اللافت أن النّاظم نفسه علّق على السّطر الثاني في الحاشيّة، فقال: «صياغة تتأثر حرفيّة الأصل». وليس هذا دقيقاً، فالأصل لا غموض فيه. وأكمل التعليق «غير أنّ الأفضل لهذا البيت (هكذا) أن يكون:

أسلم الرأس لمضّاض حوارْ».

أليس هذا استجارة من «الرّمضاء بالنّار»؟ لأنّ «مضاض» من «تماضّ» القوم إذا تنازعوا وتلاحَوْا وتلاجَوْا وعضّ بعضهم بعضاً بألسنتهم (9).

2. منظومة هشام سلطان:

د.هشام سلطان الكاتب من المعهد التّقني في زاخو، ورئيس قسم صحة المجتمع في الموصل سابقاً. تعرّفت عليه من اتصاله بي هاتفيّاً يخبرني أنّه نظم ترجمة عرار كاملة، ويرغب في أن يرسل المنظومة إليّ لمعرفة رأيي فيها، فرحّبت بهذا ووافقت.

بعد أيام، أرسلها إليّ، وهي بعنوان مسجوع «رباعيّات الخيّام بنظم د.هشام»، ورقم إيداع (391) في المكتبة البدرخانيّة بتاريخ 21/11/2016، ومبدوءة بمقدمة توضيحيّة.

نظم الشّاعر رباعيّات ترجمة عرار كلّها بالرّباعي الأعرج على بحر الطّويل، الذي اصطفاه دون غيره. يقول في المقدّمة: «اخترت البحر الطّويل في نظمي لتذوّقي وحبّي لهذا البحر الذي يوصف بأنّه (سيّد البحور)، والذي استوعب إبداعات الشعراء الأوائل العظماء؛ وكان أكثر البحور استخداماً في الشّعر العربي القديم الأصيل. وكذلك اخترته لأني لم أجد فيمن سبقني من اعتمد عليه في نظمه كلّ رباعيّة».

فأمّا اصطفاؤه ترجمة عرار، فلأنها كما يقول في المقدّمة: «أمينة في نقل المعاني التي أراد عمر الخيّام قولها في رباعيّاته».

قرأت المنظومة جنباً إلى جنب مع أصولها في التّرجمة بتأنٍّ ودقّةٍ وإنعام نظر، ثمّ كتبت إليه بإيجاز ينبئ عن حقيقتها ورأيي فيها، فقلت: «أعجبت بما فعلت، لأنّك حافظت، بشعريّة راقية ولغة عالية، على الأصول والبؤر المركزيّة للرّباعيّات دون نقص أو زيادة، ناهيك بالشّعريّة المتألقة التي تنأى بالعمل عن أن يكون نظماً بالمعنى المصطلحي المتداول».

هذه هي حقيقة المنظومة من أوّلها إلى آخرها؛ حسبي منها، دليلاً على هذا، ثلاثة نماذج من أوّلها ووسطها وآخرها مشفوعة بأصولها:

الأولى (رقم 1):

نرى أزلاً كالسّر في عَقْلنا مبهمْ

وأعني به ما لستُ ما أفهم أو تفهمْ

كـــــــلانــــا لــــه قيــــلٌ وقــــالٌ بظَنّـــه

ويسكننـــا إســـــدالُ سترٍ به نُعْــــــــــدمْ

وأصلها:

إنّ للأزل أسراراً لا أنا أُدركها ولا أنت!

وهذه الكلمة العويصة لا أنا أستطيع تفهمها ولا أنت!

فأنا وأنت نتقوّل من وراء السّتار:

ومتى أُسدلت السُّجوف لا أنا أبقى ولا أنت!

والثانية (رقم 82):

نُصارع حولَ العمر والرّبح أمرانِ

فإمّا سقامٌ، أو هو الموت في الثاني

وإنّ سعيداً من يُقِلُّ مكوثَه

وأسعد منْ لم يأتِ، ما ربْحُ خُسْران

أصلها:

ما دام الرّبح الذي يرجوه أحدنا من خوض غمار هذه المعركة

لا يتجاوز أمرين: الأوصاب والحسرات، أو النّزاع والموت،

فقد اًصبح السّعيد ذاك الذي لا يمكث عندنا إلّا يسيراً؛

وأسعد منه ذاك الذي لا تطأ قدماه هذا العالم.

فأمّا الأخيرة (رقم 166):

تمعَّنْ بقصرٍ زاد بَهْرامَ أمجادا

وقد صار مَغْدًى بالثّعالب مُرْتادا

وخذْ عبرةً فالدّهر للمَلْكِ صائدٌ

وقد كان ذاك المَلْك ما عاش صيّادا

فأصلها:

أمعن النّظر في القصر الذي أديرت الأقداح على الملك «بهرام» في قاعاته، وأرني كيف استحال إلى مراحٍ للثّعالب ومغدًى للغزلان المتناسلة في مقاصيره؛

واعتبر باقتناص الدّهر لذلك الملك،

الذي أفنى عمره قانصاً صيّاداً!

درْج التّرجمة

عمدت بعض المؤسسات وبعض المترجمين عرباً وغير عرب إلى درج الأصول الفارسيّة وترجمات مترجمين آخرين في ترجماتهم لمقاصد فنيّة ظاهرة وضمنيّة تعزّز من شأنها وأهميتها؛ وتقوّي من ثقتهم في ما ترجموا، وتُعْلي من سهمتهم، وتزكّي ترجماتهم.

ففي عام 1976 أصدرت مؤسسة «منشورات إقبال» بطهران «رباعيّات حكيم عمر خيّام» (رباعيّات الحكيم عمر الخيّام)، في خمسين (50) رباعيّة بالفارسيّة وترجماتها بالأُرديّة والإنجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والعربيّة، التي كان نصيبها سبعاً وأربعين (47) رباعيّة من ترجمة أحمد الصّافي النّجفي عن الفارسيّة، وهي من أقدم التّرجمات العربيّة وأفضلها إن لم تكن الأفضل.

فأمّا المترجمون، فكان أقدمهم الشّاعر البحريني إبراهيم العُريّض في كتابه «اللّمسات الفنيّة عند مترجمي الخيّام» (10)، الذي يضمّ مئة وخمساً وأربعين (145) رباعيّة بالفارسيّة مرتبة هجائيّاً، والذي أدرج فيه، بعد ترجمته هو، ترجمات لستّة مترجمين عرب: أحمد رامي، والمازني، والزّهاوي، والصّافي النّجفي، وطالب الحيدري، وعبد الحقّ فاضل، لأسباب فنيّة بحت، إذ حرص على جمعهم -كما يقول- في ساحة واحدة إظهاراً لسماتهم الفنيّة (ص21)، وإنّ ليس ثمّة أيّ دراسة أو تعليقات تنمّ على هذه اللّمسات الفنيّة وتوضّحها.

ونحا النّحو نفسه البروفسور حسين صادقي إيراني الأصل سويسري الجنسيّة جرّاح القلب المعروف بلوزان في سويسرا في الطبعة الثانيّة من ترجمته «رباعيهاى خيّام: رباعيّات الخيّام» (11) باللّغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة حيث أدرج رباعيّات من ترجمات المترجمين العرب الشّعراء: الصّافي النَّجفي، وعبد الحقّ فاضل، والزّهاوي، ومحمد ابن تاويت، ومحمد صالح القُرْق.

وسار على الدرب ذاتها الشّاعر الإماراتي محمد صالح القرق في ترجمته «رباعيّات عمر الخيّام» (12)، فأدرج النّص الفارسي لكلّ رباعيّة قبل ترجمتها، وأردفها بنظيرتيها الإنجليزيّة والفرنسيّة لعدد من مترجميها إلى الإنجليزيّة والفرنسيّة.

فأمّا ترجمة عرار فقُيّض لها المترجم الإماراتي محمد عبد الله نور الدّين صاحب «رباعيّات الخيّام: جمع وتأويل»(13)، التي ترجمها بقالب قصيدة النثر؛ وهو أوّل من يفعل هذا، وإخاله آخر مترجمي الرّباعيّات إلى الآن.

لقد أثبت النّص الفارسي لكلّ رباعيّة من رباعيّات ترجمته الخمسين (50) مردوفاً بترجمته -أو تأويله- وترجمة واحدة أو أكثر لأحد المترجمين العرب؛ فكان حظّ ترجمة عرار ستّاً (6) منها، وها هي ذي أرقامها متلوّة بصفحات ترجمة نور الدّين:

(1) 103:5. (2) 135:42. (3) 160:50.

(4) 128:90. (5) 147:108. (6) 184:153.

ويندرج في هذا المحورما اختاره الشّاعر العراقي حكمت الحاج المقيم في تونس من ترجمة عرار مع مختارات من ترجمات أحمد رامي والصّافي النجفي وأحمد حامد الصّراف أذيعت على مدى ثلاث (3) ساعات يوم الأربعاء 5 نيسان 2000 في برنامج «كلمات كلمات» الذي يعدّه ويقدّمه الشّاعر التّونسي زهير النفزي(14).

(1) راجع هذه المنظومات في: الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام في مواطن متفرقة.

(2) مجلة إبداع، القاهرة. العدد المزدوج (13 و14)، شتاء وربيع 2010، ص156-159.

(3) راجع: الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام. ص9-10.

(4) راجع: مبحث «الرّباعيّة في الشّعر العربيّ بين الأصل والانزياح» في كتابي: في دائرة المقارنة: دراسة ونقود، ص55-74. دار فضاءات، عمّان، 2013.

(5) الرّباعيّة رقم (87) في ترجمة عرار.

(6) الجام: الكأس. فارسيّة.

(7) ثغام: جمع ثغامة، وهي شجرة بيضاء الزّهر والثّمر تنبت في الجبال، وإذا يبست اشتدّ بياضها. (المعجم الوسيط - ثغم).

(8) الدّثور: الزّوال والامحاء، من «دثر» إذا زال واندثر. (اللّسان - دثر).

(9) اللّسان والمعجم الوسيط - دثر.

(10) مكتبة فخراوي، البحرين، 1996. راجع نقدي لهذا الكتاب في كتابي: في دائرة المقارنة: دراسات ونقود، ص211-218.

(11) انتشارات يساولى - طهران 1384 هـ.ش / 2005.

(12) دار المناهل، بيروت، 2008.

وقدّمت لهذه التّرجمة وترجمة الدكتور صادقي أيضًا، وأدرجت المقدّمتين كلتيهما في كتابي: معهم: مقدّمات وندوات وشهادات. دار فضاءات، عمّان، 2012.

(13) المجلس الوطني للإعلام، الإمارات، 2016.

(14) صحيفة القدس العربي، لندن. السنة (11)، العدد (3391)، 6 نيسان 2000، ص10.