عبد اللطيف ولد عبد الله *

صدر مؤخرًا عن دار «الجزائر تقرأ» الكتاب الحادي عشر للشاعر والسّارد الجزائري عبد الرزاق بوكبة، «يدان لثلاث بنات وتليه بوصلة التيه».

وقد اعتمد الكاتب على عنصر الدراما في هذه السيرة واليوميات الشبيهة بالملحمة والجامعة بين أدب اليوميات والسيرة الذاتية. إذ ضمّ القسم الأوّل من الكتاب «يدان لثلاث بنات» يوميات الكاتب مع بناته خلال مواسم 2015 و2016 و2017 من شهر رمضان، فيما ضمّ القسم الثاني «بوصلة التّيه» تجارب إنسانية عاشها الكاتب ما بين عامي 2002 و2010 في الجزائر العاصمة وبعض المدن الجزائرية الأخرى. وهي التجارب التي أحالته على الكتابة السردية فيما بعد.

ولسبب وجيه تعلّق بسياق التجربة نرى أن سرد الأحداث لم يكن بمسار خطّي مستقيم. فهناك مراوحة بين الماضي والحاضر، في نصوص ديناميكية قابلة للانتقال عبر البعدين الزماني والمكاني دون أن يخلّ بإنسيابية الحدث. هذا النوع الأدبي الذي ينتمي إلى «أدب البيت» وفنّ اليوميات والسّيرة، والذي لم نتعود عليه كثيراً في الفضاء العربي، يشكل مادة أساسية في الفضاءات الغربية، بل إنّ هناك كتّاباً متخصّصين يعكفون على كتابة السير الذاتية لغيرهم من مشاهير السياسة والفنّ والرياضة والأعمال.

إن أدب السيرة الذاتية واليوميات نادر في المشهد الثقافي العربي، ولم يطرق البيت العربي كما يجب. حتى بعد التحولات والانزياحات التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي، التي استطاعت أن تُطلعنا على مناخات ودواخل البيت العربي، من خلال الصورة الفوتوغرافية، لكنها لم تفعل من خلال النصوص. ربما لأن «الفضيحة» تسكن اللغة في المخيال العربي العام.

هذا الكتاب لعبد الرزاق بوكبة تجاوَز هذه العقدة، بل إنه راهن عليها في تقديم متن يختلف عن الرواية والقصة، لكنه يرصد بتقنياتهما السياقات التي أدّت به إلى كتابتهما، بعد تجربة شعرية أثارت كثيراً من الانتباه والنقاد، مثلما أشار إليه الباحث محمد عروس في كتابه «الشعر الجزائري المعاصر، عبد الرزاق بوكبة نموذجاً».

كل ما يحدث للكاتب خلال النص، هو درس في حبّ الحياة وطقوسها ومناخاتها ومفاجآتها. وشغف بمخالطة وجوه ونفوس وعقول وأروح عادة ما تصفها النخبة المثقفة بـ»العامّة»، وتتعالى عليها وعلى قاموسها وطريقة سلوكها وتفكيرها، لكننا نكتشف من خلال هذه التجربة لبوكبة أنها مصدر للإلهام الإبداعي ولنقاء الإنساني. وهو اعتراف استلزم شجاعة كبيرة منه لتدوين ما لم يقدر آخرون على البوح به بسبب الخوف أو الخجل. فمجتمعنا التقليدي يربط الصراحة بالوقاحة والعفوية بقلّة الهيبة.

تتقدم الأحداث تباعاً من قرية أولاد جحيش التي عاش فيها الكاتب طفولته، وقدّم لنا مفاصل منها في شكل استرجاعات بالموازاة عن حديثه عن يومياته مع بناته، إلى الجزائر العاصمة التي دخلها في صيف عام 2002، باحثاً عن بقعة ضوء تستوعب نصه ونفسه ورغبته في أن يكون اسماً وازناً في الكتابة والإعلام، فنرافق الشخصيات في نشأتها وتطورها ضمن أزمنة متسارعة ومتقلبة ومتداخلة يمتزج فيها الماضي بالحاضر من خلال تقنية «الفلاش باك» للعودة، من غير أن يحس المتلقي بخلل ما في أحداث القصة.

يستدعي بوكبة شخصياته تلك الواحدة تلو الأخرى، فيها الاسم المثقف المعروف، وفيها الاسم المجهول المسحوق، بطريقة حميمة ويعرضها على القارئ في شكل صفات وانفعالات تقتضيها ظروف المعيشة القاسية حيناً والباعثة للسرور حيناً آخر. وفق مسارين مختلفين يفرضان نسقهما على أحداث السيرة، طفولة الكاتب ومرحلة نضجه في قرية «أولاد جحيش»، ثم حياته مع بناته الثلاث في «العاصمة»، والتي تتقاطع مع المرحلة الأولى في مناسبات عدة. لأن حياة البنات امتداد لحياة الأب الذي هو كاتب السيرة الذاتية.

كما إن الزمان والمكان ليسا ثابتين في النص. فالأمر سيان بالنسبة للأشخاص في حياة الكاتب، فهم يغادروننا بالسرعة نفسها التي أتوا بها بعد أن ألفناهم وتعاطفنا معهم ليحل مكانهم أشخاص آخرون بميزات مختلفة كما الحياة نفسها ولكن دون أن نفقد الخيط الذي يشدنا لإتمام القراءة إلى آخر الكتاب.

يكمن سر قوة هذا النص في ما يحمله من معانٍ إنسانية وتجارب حقيقية في الحياة. فالدراما عنصر أساسي في كل نصوصها، وقد خلقت نوعاً من الانسجام والحميمية بين القارئ والكاتب نفسه.

أن تجرّ قارئاً إلى حياتك الشخصية دون أن يشعر بالملل فهذا أمر صعب. فوحده القاص البارع يستطيع تحويل خصوصيته داخل البيت بكل التفاصيل بين أفراد عائلته و تفاعلهم فيما بينهم، بما يجعل مناخات كتابه غير قابلة للنسيان. وقد ذكّرتني سيرة بوكبة بما كتبه يوماً: «لا أكتب كي أصير نجماً، بل لكي لا أصير حجراً».

• كاتب جزائري