د. أماني حاتم بسيسو

هذا الكتاب (اليد ترى والقلب يرسم)، سيرةٌ فنّيّة للرسّامة تمام الأكحل، التي ضمّت إبداعَها إلى إبداع زوجِها الرسّام الفلسطيني إسماعيل شمّوط، فجَمَعَتْ فنَّي السيرة (الذاتيّة والغَيريّة) معاً، ومَلكَت أن تُحوِّلَ السيرةَ الغيرية سيرةً ذاتيّةً، بعُمْقِ انصهارها في شخصيّة إسماعيل، وتَقارُبِ روحيهما معاً بانسجام وفهمها لِفَنّه، لِتُثبِتَ كم هو جميلٌ أن يُكملَ بعضُنا بعضاً، بين فنان وقارئ، بإدراكِ كلٍّ منهما دَورَه المُوثّر في الإبداع الفني.

دورُ الفنّان

الفنّانُ مَنوطٌ به الاستبصارُ والتّأمّلُ، والبحث عن المعاني وخَلْقِها، وإعلامِ النّاسِ بها، فيُصبحُ الحكمُ بها مُتَواضَعاً عليهِ بينَهم، وبهذا تزولُ المؤاخذةُ عَمّا هو نابعٌ من الذّات في حُكم عامّ يُصَدِّقُ عليه الجميع، فالذَّاتُ الواعيةُ هي التي تُشَيِّدُ صورةَ العالَمِ المَوضوعي كما يرى وليد سيف، وصاحِبُ المَوهِبَة والإبداعِ أقْدَرُ على الارتباطِ بآلامِ الآخرينَ وأوجاعِهم، يَتَألَّم فيتكَلَّم، أو يُكنّي عن آلامِهم بالّلَحْن أو بالّلوحة أو بما يَنْحِتُ ويَصْنَع.

والفنّان مؤهَّلٌ بفطرته وموهبته، لأن يفوق أبناءَ سِنّه ويُجاوزَهم، فالفنّانة تمام كانت طفلةً حين طلبت من أمها أن تأذن لها باستعمال مسحوقٍ ملوّن، كان يُستعمل لصبغ الصوف: «وأخذتُ أغطية زجاج.. الشراب المرطب...، فاقتلعتُ حشوة الفلّين من داخل الأغطية، ووضعتُ في كلٍّ منها لوناً، ثم قصصتُ خصلةُ من شعري ثبّتُّها على قلم الرصاص بخيط، ورسمتُ بهذه (الفرشاة) صورتين على ورقتين، إحداهما عن الحليب والأخرى عن الماء، فكان أوّل أعمالي عن مأساة شعبنا الفلسطيني» (اليد ترى والقلب يرسم، مؤسسة الدراسات الفلسطينية/ بيروت، 2016، ص38). هذه الفنّانةُ مَسكونَةُ بِدَورِ إبداعِها تجاهَ همِّ شعبِها، إنَّها -منذ صباها- مَسكونَةٌ بهَاجِسِ حاجةِ النَّاسِ إليها.

دور القارئ

النَّصُّ الأدبي يُمْلي على القارئ أسلوبَ قراءته، وتمام -في سيرتِها- تَرْسُمُ أحداثَ حياتِها رَسْماً، تُرَكِّزُ على شَرْحِ تقاسيمِ الوَجْه، بل وتفاصيل الجسم في الشخصيّات، أمّا في الأماكِن فهي تشمَلُ المعالم عموماً ثمَّ تُركِّز على إحداها على وجْهٍ مخصوص، وتُضفي إلى ما تَرْسُم روحاً، تمتلئ بالحياة والحركة.

وغايةُ ما يصبو إليه المُبدعُ في فنِّ السّيرة، أن يُعطيَنا صورةً حيّةً لِصاحب السّيرة، لا أنموذجاً جامداً، لذا فدراستي هذه مُهتمّةٌ بجَلاءِ «حياةِ» صور سيرةِ فنّانتِنا كلِّها، وعلى تتبُّعِ نجاحها في إحالةِ أحداثِ حياتِها من سَرْدٍ مباشر أو تصويرٍ فوتوغرافي، إلى أحداث قصَّة، لا تخلو من مشاهدَ مسرحيّةٍ، مُفعمةٍ بعنصر «التَّشويق».

والتَّأَمُّلُ في عناوين السيرة، يُوحي للقارئ أنّ الفنّانةَ ترسم سيرها في الحياة رسماً، وتصوغُها في لوحات فنية تتجلّى فيها حركةُ العاطفةُ وعَصْفُ الحنين: (تمام: صورة الذاكرة الأولى، إسماعيل خيمة تخفق كالقلب، القاهرة تجمعنا، خطوبة غيابية، مشروع زواج بديل، تجديد الشراكة: الخطوبة الثانية، العُرْسُ الصّامت، خبز وملح مع الجيش!، مشكلات القلب...).

وتختم فنانتنا بعنوانين لافتين للنّظر، مُثيرين للاهتمام: «هزمَتْكَ يا موتُ الفنون»، من قصيدة محمود درويش في رثاء الفنّان إسماعيل شمّوط، فإسماعيل كان يعاني من نزيفٍ في القلب، يُعاوِدُه من آنٍ لآن، لكنَّ رسوماتِه التي خلَدَت قضيةَ فلسطين، لم تَمُتْ، بل بقيت تُشيرُ إلى اسمه وإبداعه وانتمائه لِقَضيَّةِ وطنِه.

وتمام الأكحل لا تُسمي العنوانَ الأخير الذي تضمّن وفاةَ إسماعيل: النّهاية، الخاتمة، أو آخر المَطاف،.. بل تُسميه: «مسيرتنا مستمرة»، إنَّها دعوةٌ لأن يكونَ إبداعُهما دافعاً لِمُواصلةِ المَسير، في سبيلِ تحريرِ فلسطين.

وقراءتي تقترب، وتحاولُ الوصولَ إلى روحِ الفنّان، وتحرصُ على فَهْمِ فنِّه وإبداعِه، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، فلا أُلغي شخصيّتَه ولا أُلغي نفسي، فكما ينظر للكون من حوله بعينيه، أنظرُ أنا إلى فنِّه وأقرؤه بعينيّ.

العنوان

«اليد ترى والقلبُ يرسم».. ما دِلالةُ تراسُلِ الحواسِّ هنا؟! الأعضاءُ المادّيّةُ في جَسَدِ الإنسان تتمتّعُ -مع الفنّان الموهوب- بِمَدىً أَوْسَع، لا تحكمه الحدود والضّوابط، فيد الفنّان تملك التعبير عن رأيها في الحياة، وإذذاك فـ «اليد ترى»، والرُّؤيَةُ هنا تُجاوِزُ حاسَّةَ البَصَر إلى فضاء البصيرة، والقلب مَوطِنُ الإحساس والمشاعِرُ، يُؤدّي جُهداً مادّيّاً غير أنّ هذا المجهود (الرَّسْم) فَنٌّ من الفنون، يرقى عن دنيا الحواس، إلى عالم الإحساس.

والسيرةُ ليست مجرّد حوادث تُروى، بل هي إعادةُ تشكيلٍ للحياة، ورَصْدٌ لانفعالات بطل السيرة في مواجهة تجاربه الشعورية كما يرى سيد قطب في كتابه «النقد الأدبي أصوله ومناهجه»، وتَتَبَّعي لِسيرةِ الرّسّامة تمام الأكحل في رسْمِ صورةِ حياتِها، وجلاء انفعالها بها، هدَاني لِإدراجَها تحت عنوانين، هما:

1. حياةُ فَنّي:

الفنُّ يُخلِّدُ صاحِبَه، تأمَّلْتُ كيفَ «رَسَمَت» فنَّانتنا سيرتَها، ما هو «الأهمُّ» الذي استأثرَ بتَرْكيزها، فأجادت رسْمَه وتَداوَلَتْه مِراراٌ، من زوايا مُختلفة، إنَّه عنصر «التَّحَدّي»، ولعلَّ لها من اسمِها نصيباً وافراً، وإن كانت تُشيرُ إلى استعمالِه الدَّارج في اللهجةِ المصريّة، في مقامِ الدُّعابَةِ: «تمام يا افندم»! (ص78)، وكان ما طمحت إليه، فكلُّ شيء قامَ كما ينبغي أن يقوم، وكما صَبَتْ إليه، في غايةِ الإتقان، فهي تطمحُ لِفَنِّها أن يَبْلُغَ القِمَّةَ، لا أن يُقارِبَها حَسْب.

ولم تكُن ترضى إلّا بأن يظهر فنُّها في أحسن وأجود مظهر، لذا لم تُبالِ بالمُصمِّم المشرف على معرض الفنون الشعبية الفلسطينية في موسكو، إذْ قام بتوزيع المشاركات عشوائيّاً، دون ربْطٍ بين الثوب وتوابعه، وعلِمتْ من بعض الشباب الفلسطينيين أنه يهودي صهيوني الميول، وفَشلَ المعرض في أول يومين، فقامت بالتّحايل على المصمم فغادر المكان، تقول: «ثم طلبتُ مسامير ومطرقة وورقاً وسلّماً.كنتُ أتسلّق وأثبّتُ الثوب على الجدار، وأحشوه بالورق فيصبح شكله مجسّماً بتوابعه كلِّها» (ص203)، وبإتقانها العرضَ نجح المعرضُ، وأثبتت جدارتَها.

2. حياةُ نفسي في غيري:

لا أَمْلِكُ أن أستَقِلَّ بنفسي عَمَّن حولي، لأنّني أراهم بعين المَحبّة، وأُحِبُّ أن أُفْرِحَ الكونَ كلَّه: «نهضتُ مع الفجر مُستعدَّةً لإسعادِ كلِّ مَنْ على وَجْهِ الأرض» (ص46).

وقد صاغ والد (تمام) -في مسيرتها الفنية- قيماً وتنبؤاتٍ وأحلاماً كبيرة، أحرزتها: «نزلتُ من الطائرة في ثوبي الفلسطيني فتذكرتُ لحظتها قول والدي: لو أرادت تمام أن تتعلّم الفنَّ في الصّين لأرسلتها. وها أنا في الصين يا والدي» (ص181).

وكم أثَّرَ فيها مَرْأى أبيها ذاتَ يومٍ، وقد ضاقت به ظروف الهجرة، وتضاءل الأمل يبكي، تقول في صفَته: «بعد ساعةٍ تقريباً اقتربتُ من غرفة الضيوف حيث اعتاد والدي أداء الصلاة، فسمعتُ صوت شهيق بكاء مكتوم. كان يبكي بمفرده، وهذه أول مرّة أرى فيها والدي يبكي ألماً. ما أصعب أن يبكي الرجال! كان منظراً لن أنساه مدى الحياة» (ص136).

لم تُقدِّم ذِكْرَ اسمِها، بل كانت تقول دائماً: «إسماعيل وأنا»، وكنتُ أعلم قبلَ البدء في قراءة كتابها، أنّ إسماعيل شمّوط توفي، لكنّها زرعَتْه حياً قي قلوب القرّاء، ووصفُها له أشبه بالموقف المسرحي يُعرض أمامَنا، كأنّه ما زال يحيا بيننا، نرى ملامح وجهه، ونسمع صوتَه، ولم يكن نعْيُها له خليقاً بأن يمحو ذكرى حياته معنا، خلال هذا الكتاب.

وتمام تَمْلكُ الانسجام مع النَّاس، وفَرْضِ وجودِها بِحُبِّهم، لا بالغربَةِ عنهم: «لم أعُد أخجل من وضعنا، بل صِرْتُ أتندّر على وضعي أمامَ أعزِّ صديقاتي من عائلات ثريّة... اللواتي كُنّ يقدّمن لي ملابسهن الفاخرة بحجة أنها لم تعد على قياسهن، فأقبَلُها من دون مشكلة وأضحك قائلة: أَقْبَلُ هذه الثيابَ شاكرةً، لكنني أَعِدُكنّ أنني سأكبر، وسأكونُ فنّانةً مشهورةً، وسأدعوكنَّ إلى مَعارضي، وستَكُنّ فخوراتٍ بي وبصداقتي، وسأكتبُ مُذكراتي أذكُركُنّ فيها... وستُحدِّثنَ أولادَكُنَّ وأحفادَكن عني باعتزاز: هذه الفنّانة كانت زميلتَنا» (ثص47).

وتمام مغُرَمةٌ بالتأريخ لكلِّ حادثة، باليوم والشهر والسَّنة، إنّها -وهي تكتب سيرتها- تهتمُّ بدرجةٍ كبرى بذكريات الوطن السّليب، والأحداث التي مثّلَت في حياتِها أثراً لا يُمحى، فزوجها إسماعيل: «كانت لحظاته الأخيرة في الساعة السابعة و49 دقيقة من مساء الاثنين في الثالث من تموز/ يوليو 2006» (ص241).

الفنّانُ لا تفقِدُه الحياة، إنَّه يغْدو رمزاً، حين يرقى عالم المثال، فيحاولَ أن يقبسَ لنا من أنوارِه، نوراً نستعين به كلّما أظلم الطريق، فتعودٌ لنا الحياة.. أنضرَ وأحلى، كيف مَلَكَت الفنّانة أن تتحدّى الموت؟! بالإلحاح على الحياة، ولأنّني لا أبقى، فإبداعي باقٍ، يُخَلِّدُ ذكري.