د.ثامر إبراهيم المصاروة

إذا ما أردنا الوقوف على الكتاب الذي بين أيدينا للشاعر العراقي أحمد محمد رمضان، لوجدناه تحت عنوان «طين الأبديّة»، فالعنوان مركب من لفظتين بسيطتين من حيث التركيب، عميقتين من حيث الدّلالة والمعنى، واللفظة الأولى (طين) اسمُ نكرة اقترن بالاسم الآخر (الأبديّة).

فكلمة «طين» توحي للقارئ بمعنى الأصل والعودة إلى البداية ومحاولة تذكير الإنسان بأصله من تراب، إذ تنطوي تلك اللفظة على مدلولات توحي بالأصل والعراقة والحضارة أو ربما بالموت والغربة والوحدة والماضي.

وجاءت كلمة «الأبديّة» لكي تزيل الابهام والغموض الذي ربما يطرأ على كلمة «طين» ليتشكل في ذهن القارئ مدلول واضح ذو نسقٍ فكري، وهو «طين الأبدية»، ليشي بالموت والأصل الذي خُلق منه الإنسان، وكذلك بفكرة الحياة وما تحمل من مدلولات أخرى، بمعنى أن هذا التعبير يحمل ثنائية واضحة بين (الموت والحياة) أو (الموت والخلود) أو (الفناء والاستمراريّة)، فهو يدور في فلك ثنائيات ضديّة تشي كلّ منها بإثبات الذات والبحث عنها.

ومما يؤكد لنا حتميّة الموت والاغتراب الروحي وكذلك الميلاد والانبعاث الذي جاء محملاً في طيات العنوان الرئيس للمجموعة، ذلك الإهداء الذي جاء تابعاً للعنوان وما يحمل من مدلولات مثل الميلاد والانبعاث والذكرى القديمة، وما يشي به من انفصال عن الدنيا ومكبّلاتها الزائفة، فيقول:

«ذكرى...

في السوق القديم...

كنتُ...

أُلاعب الشمس... تحت عباءتكِ...

يا أمي...

أنا الطفل... الذاهب... إلى الله.

أنا.. البذرة.. ها قد اكتملت.. حياتي

يا أبي» (ص6-7).

فالشاعر في إهداء مجموعته التي صدرت عام 2015، يؤكد لنا الحقيقة الحتمية لعنوانها، وهي الموت والانبعاث والميلاد (الطفل، البذرة، الشمس)، تلك الحقيقة التي لازمت ذلك الإهداء الملوّن بالذكرى التي شغلت مساحة كبيرة من ذاكرته، وكذلك الحلم بالميلاد الجديد والتكوين الربّاني لطبيعة الإنسان، والوقوف على تجليّات غيبية فائتة، فنجده يبحث عن الأمل المفقود برمزية «الشمس»، والألم الدفين أو ربما الدفء والحنان برمزية «الأم»، فالقارئ للإهداء يجد نفسه أمام تساؤلات كونيّة عظيمة تتعلق بالموت والانبعاث والتكوين، كلّها ستظهر جلية في نسيج مفردات الشاعر من خلال قصائده.

علاوة على ما سبق، فإن المتتبع لعنوانات قصائد المجموعة يجد أن هناك خيطاً واضحاً يربط بين تلك العنوانات، فالثيمة بينها واضحة خفيّة قوية، وهذا الرابط هو الانبعاث والحياة والموت الذي لا مفرّ منه لكلّ إنسان، إذ لا يستطيع أحد مقاومته أو دفعه، كما تظهر الضديّة الأخرى للموت وهو الحياة وما يعتريها من عثرات، ومن تلك العنوانات (نضرة أزليّة، جثة، ذكرى، ليلة، إلى داوود سلمان الشوبكي، إلى عبد العظيم فنجان، عجوز، ثمالة، حصاد، الأرض والسماء، قتل، الأشرعة، أمي، أبديّة، ظلال، كهف....) وغيرها الكثير والتي تحمل ثنائيات واضحة تعكس انكساراً للذات وهروباً من ألم إلى ألم يحمل معاني تدور في فلك تلك الضديّة.

ولو أردنا الوقوف على القصيدة الأولى في المجموعة (نظرة أزلية) لوجدنا أن الشاعر يوظف فيها أساطير متعددة من مثل (جلجامش، انكيدو، عشتار)، وهي أساطير تتحدث في مضمونها عن المأساة والموت المصيريّ للإنسان، ورحلة الفناء للبحث عن الخلود الغائب الزائف في واقعٍ مليء بالانكسارات.

فـ «جلجامش» ظلم أهله وألحق بهم العذاب والهلاك في مسيرة إثبات الذات والأحقيّة في التسلط والجبروت، وبمقابل تلك الشخصية وما تحمل من مدلولات واسعة في العذاب والهلاك والاندثار تظهر شخصية ضديّة لها وهي (انكيدو)، وهو غريم له إلا أنه فارق الحياة، ومن هنا تبدأ الذروة والغاية من توظيف تلك الأساطير، فجلجامش يبحث عن الخلود والسمو في الحياة إلا أن الموت حقيقة مصيرية لا بدّ منها، فهام على وجهه في الصحارى باحثاً عن وسيلة يحصل منها على الخلود الأبدي، إلا أن الموت قد أحاط به وحقق مراده منه. يقول الشاعر في ذلك:

«انكيدو: جلجامش يا صديقي

هل جرّبت أن تركب غيمة ذهبيّة

غفت على ضفة الفرات؟» (ص9).

وهو يؤكد لنا في قصيدته الأولى عن حقيقة أبديّة بدأ الإعلان عنها من عنوان المجموعة ومن ثّم الإهداء ومن ثم قصيدته تلك، ألا وهي الموت الذي لا مفر منه، والهلاك لمن يبحث عن الخلود والسمو، وجاءت ذلك تحت مجموعة من الثنائيات واضحة الدلالة في ذهن المتلقي، وكأن الشاعر يجرّ أذيال الخيبة في البحث عن الرقي والسمو الذي لا وجود له في ظل تلك الثنائية التي أعلن عنها منذ البداية.

ويشي عنوان قصيدة «حياة» بالتفاؤل والأمل والشعور بزفة الحياة، هذا ما يبدو من خلال العنوان، إلا أن الشاعر يقول فيها:

«أيّها الموتُ...

يا من تتلمس القلوب

والرّمال

ستلدغك دودة الوقت» (ص30).

من خلال الأبيات السابقة نجد أن الشاعر جعل المتلقي في خيبة أمل أو خيبة توقُّع، أو يمكن أن يسمى «خيبة التموقع»، حين بدأ متنه بما يخالف عنوانه، وهذا يؤكد لنا أنه يريد أن يحقق غاية الموت وحقيقته الأبديّة التي تطارد الإنسان حيثما حلّ وارتحل. وقد أراد الشاعر من ذلك أن يعكس انكسار الذات في بحثها الزائف عن الرفعة في تلك الحياة، فالموت لازمة من مفرداته الحيّة وما ينطوي تحتها من ألم وعذاب وغربة إلى ما لا نهاية، فجاءت مفارقاته جليّة في ذهن المتلقي الذي ربما يقع في فخّ تلك الثنائيات اللامتناهية.

وتزداد أحزان الشاعر وأوجاعه الأليمة تعمقاً كلّما توغل المتلقي في مجموعته، فكأن مفرداته تضمحل والطبيعة من حوله تتلاشى، فالصورة السوداوية تزداد تعتيماً لتكسب المقطوعات الشعرية مسحة حزينة يطغى عليها الفراق والعذاب المكتسَب من طبيعة مفقودة من حوله، فنجده يفقد ذاته من خلال صورة جماعيّة لموتى أصابهم الحزن والألم على ذلك الواقع المرير المتناقض بمفرداته ومادته. يقول الشاعر في قصيدة «ريلكه»:

«كسائر الموتى كان يغنّي...

تطفو الرياحُ بين جفني،

تحمل تخومها النجوم...

وعلى قبري تُلملم الحَيرة تزاهيدها،

كما يدندن لصحبه..

ضمَّني الليلُ منتشراً وموحِّداً،

ملتمعاً ومتساقطاً بحضن الوردة» (ص40).

فـ «ريلكه» هو الشاعر النمساوي الذي قتلته وردة، فكأني بالشاعر يُسقط حاله على حالة ريلكه، فالموتى في رأيه هم الأحياء، والأحياء هم الموتى الذين يعتريهم القلق والحزن والعذاب والفرار من مظاهر زائفة وبائدة.

ونلاحظ في الملزمة الأخيرة، أن الشاعر يلجأ إلى أسلوب المفارقات التي تعمل على تبئير الحدث وإبرازه، فيجمع بين اللمعان والسقوط، وكذلك «منتشراً وموحداً»، وغيرها الكثير من المفارقات التي توحي بالاضطراب والحركة اللامنتهاةية التي ربما سببها ذلك الواقع المرير، وتلك الآفة الطبيعية من تصرفات البشر، أو ربما قد تكون مسحة حزينة ذاتية أراد الشاعر من خلالها أن يسقط ما في نفسه وذاته عمن حوله؛ ليشي بنفسه إلى الوحدانيّة والرغبة في الفناء.

ويتشكل النص التشاؤمي أو الذي يمكن تسميته «النص المفقود» عند الشاعر بين صوتين اثنين هما: صوت الشاعر المتشائم وزمنه الرديء المليء بالتناقضات والفوضى العارمة في الحياة، وصوت آخر يسقطه على الواقع المعيش والمستشرف بالحزن والنكبات العديدة، فبين هذين الصوتين تتشكل بؤر حزينة تنبثق فيها روح الشاعر الباحثة عن الطبيعة المفقودة، تلك الطبيعة الحيّة التي لا مساس في تكوينها الربّاني، فيقول في قصيدة «الأشرعة»:

«كما لم تعد الأغنية تغفو على أجفان نهاراتنا...

تعفّنت أرغفة الحِكمة،

وعلى الصحف تبيّنت لنا الأصوات...

تحملنا الظِّلال على الدّموعِ

موقدة شمعة نبوءةٍ تدفُّ الهواءَ

صراطاً تهجّده الموتُ» (ص67).

وتتعمق تجربة الشاعر المريرة بالواقع المتناقض الزائف الباطل والموحي بالانكسار مراتٍ كثيرة وبالأمل مرة واحدة، فنراه يخاطب كلّ إنسانٍ وينعته بالبؤس والعدميّة في حياة تفتقد معاني الأمل، فيقول:

«أيّها الإنسان البائس

على جدلية مِرآتك

نهرٌ...

تتغشّى ضفافه نغمةً» (ص87).

وإن أنعمنا النظر في الملزمة السابقة نجد نغمة موسيقية حزينة على وتر الحياة العبثيّة، من تجربة ذاتيّة يعانيها الشاعر، إذ يحاول أن يكشف كينوناته الحزينة على نسقٍ فكري مغاير لطبيعته أو تلك الطبيعة المفقودة من حوله.

ولا تلبث الأنا المنطويّة تحت ذلك العذاب والانكسار والباحثة عن حياة أخرى أن تنبعث من جديد لتحيا ببصيص نشوة كاد يُرى من بعيد، ربما بعد تجاوُز الشعور بالضياع والاندثار إلى البحث عن أملٍ قادم:

«للزيتون وهو يغفو بسلاله

سأغنّي...

للورقة وهي تُغطي حوّاء،

لعرش بلقيس وهو يحمل الزمن،

سأغنّي...

لخواتيم أيّامنا ونجلاواتها،

للخطيئة في عين الرّبّ،

سأغنّي» (ص90).

ففي نصه السابق يعتمد الشاعر اعتماداً كلياً على الماضي والذكرى الأليمة، محاولاً الكشف عنها من خلال زمن الذاكرة البائدة، إذ في كلِّ سطرٍ يرتدّ للماضي بمأساة جديدة توحي بالتشرذم والضياع فيها، والقصيدة تطول من تلك المتلازمات الفائتة والبائدة التي توحي بالضياع والشعور بالحزن والقلق في البحث عن الذات وطبيعتها.

ولعلّ الملاحَظ أن الشاعر يرتاده صوتان متنافران متناقضان في طبيعتهما، فهناك صوتٌ يشدّه نحو الماضي والذكرى والإبادة في الكلمة والمعنى، فيجذبه نحو الهاويّة والموت والاستغراق في التوتر اللامحدود، وهناك صوتٌ آخر أخفّ وطأة من الأول وهو الأمل والبحث عن الحياة، وبين هذين الصوتين تضيع أنا الشاعر في فقدان ذاته المليئة بالانكسارات والرغبة في الخلود الذي لا وجود له في ذلك الواقع، فنسمع منه غناء يشبه بالحداء والندب على من ارتحل.

وتستمر الأنا في القصيدة في وصف حالتها البائسة التي توحي بالتشرذم والانكسار، لتُسقط ذاتها على واقعٍ مليء بالتشظي؛ ولتصل إلى حالة من العدميّة تفتقد فيها وجودها الأزليّ، فنرى الشاعر في قصيدة «وجهي» يتعرى ويحتقر من ذاته بعدما أصابه تمزقٌ يتلوه تمزقٌ، مما جعله ينتقد نفسه متهكماً عليها، فيقول:

«نضارةٌ يحملها الغروبُ

قطرةُ ماءٍ غريبةٍ

دم يترددُ ضحى نداهُ» (ص93).

تلك النظرة التشاؤمية والمسحة الليلكية البائسة التي يشي بها المعجم الخاص للشاعر تجعلنا أمام ضديّة وعلاقات تقابليّة تزداد توتراً في ثنايا النص الشعريّ، فنحن أمام «الحياة والموت»، و»الأمل والألم»، و»الفرح والحزن»، و»الوجود والغائب» و»الأنا والآخر»، وغيرها من علاقات تجمعها الحدّية في الطرح والقضاء في التناول أراد منها الشاعر أن يجرد ذاته؛ ليبحر في عالم لا تشوبه تلك الفجاعية في الإثبات والبحث عن الطبيعة المفقودة.

فهو يئنّ كأنين الطفل الذي فقدَ أمّه، ويتألم بألم الإنسان الذي فقدَ أرضه، فنجده يعزف على وترٍ مبتور لحناً حزيناً على تلك الحياة وتلك الطبيعة، وكلّ ذلك من مشاهد في ذاكرته المليئة بالبؤس والرغبة في الانتقام، فنجده يصوّر مشهداً دمويّاً لتلك الذاكرة وما فيها من أعباء ذلك الزمن البائس، فيقول:

«على السبورة...

يرسمُ الطفلُ قبرهُ،

متأمّلاً...

التوابيتَ مغطّاةً ببنفسجِ الورقِ

على طباشير أيّامه» (ص110).

تلك الصورة المأساوية التي يرسمها لنا عن طريق ذلك الطفل الفتيّ ما هي إلا تعبير عن واقع مرير، وما ذلك الطفل إلا الشاعر نفسه، فيحاكي ما في ذاته من مرارة ومكابدة الواقع، إذ لا يكتفي بتلك اللوحة (صورة القبر)، وإنما جنح إلى تأملها والانتباه في تفاصيلها، فكأنه أراد أن يطلّ على الواقع بقبرٍ أو مقبرة مليئة بتوابيت البشر، فأراد أن يؤكد حقيقة الزوال والاندثار الذي لا مناط عنه.

ومن أبرز جماليات النص الشعريّ لدى الشاعر ميله الواضح نحو الحداثة والكتابة في القصيدة الومضة أو المقطوعات الشعريّة المختزلة التي ربما لا تتجاوز الأسطر الثلاثة، إذ استطاع باقتدار أن يحلّق في سماء الكلمة تاركاً المتلقي في فضاءات متشعبة ومساحات نديّة بالمعاني والدلالات، ففي مقطوعة بعنوان «قصيدة» يقول:

«عمياناً

خرّبوا نداوة خدّكِ» (ص43).

فالشاعر في ومضته السابقة يختزل الكثير من الدلالات والميل الواضح إلى الرمزية التي تحيل القارئ إلى فيضٍ من المعاني، أو ربما توقعه في فلك الضياع الذي يعيشه الشاعر بمفرداته تلك، فكلمة «عمياناً» توحي للمتلقي إلى عدم الرؤية والفضاء السوداوي والتعتيمي الذي يراه ذلك الإنسان الأعمى، وربما قد ذهب بتلك الكلمة على سبيل المجاز، بمعنى أنهم في الواقع ليسوا عمياناً ولكنهم بأفعالهم قد أصبحوا هكذا، فالشاعر إذن يضع المتلقي في فلك توقعاته التي توقع قارئه في الخيبة والأمل.

ولكن وسط تلك التوقعات التي تحيط بالقارئ يفاجئنا الشاعر بكلمة «خرّبوا»، ولعلّ السؤال الذي يواجه المتلقي أمام تلك المتلازمة هو: كيف أنهم استطاعوا التخريب واللعب والعبث وهم لا يبصرون؟! فكأنه أراد أن يختزل الألم ومرارة الواقع والانكسار الذاتي في تلك الألفاظ القليلة على مساحة واسعة من البياض، ولكن في المقابل كان السواد أكثر إيلاماً وتعمقاً في ذهنيَة الشاعر وقارئه من ذلك البياض.

ونلاحظ تلك التعمية وذلك الغموض في مقطوعة بعنوان «حصاد»، فيقول:

«كما القطرةُ

يتكسّر ينبوع حياتي» (ص49).

تلك التعمية التي يلجأ إليها الشاعر في ومضاته الموجزة جداً تعمّق الإحساس في الفجيعة والذات الضائعة، وتعكس للقارئ مدى الانكسار الذي يعشيه، وكأني بالشاعر ينتخب ألفاظاً مركّزة تساعده على تكثيف التجربة الشعورية لديه؛ لتشي لقارئها بالعالم الحقيقي المناط به.

إذن، يمكن القول إن أغلب قصائد الشاعر جاءت على شكل ومضات أو مقطوعات شعريّة محدودة الأسطر مع قالب حداثي في الشكل والمضمون، فنراه يميل إلى ذلك لتعميق التجربة التي يريد أن يصورها للقارئ ببؤر ملتهبة بالدلالات، فكأن الشكل مجتزأ من ذاته، وكذلك المضمون ما هو إلا لقطات سريعة من حياته في بحثة عن المفقود.

ولعلّ القارئ لقصائد أحمد محمد رمضان يجده يحلّق حول تجربته اليومية أو الحياتية ممتزجة في شعره، فإذا بك تحلّق معه وتعيش تجربته وتكتب معاناته التي يعيش، فتصبح ثالوثاً لهما، يقول:

«على أيامنا الموحلة...

يتساقط الثلج،

عندما...

ينصرم النهارُ،

تكهّن فتنةٌ بنار خلودها» (ص98).

فالقارئ يقف بين دفَّتَي الشاعر بمفرداته وأناته فيصبح مشاركاً له أحزانه وأفراحه، فإذا به يقف ويتذكر تلك الأيام الفائتة وما آلت إليه، فتشعر أنك تعيش معه تلك الليالي وما فيها من قساوة وذكريات مريرة.

إن لعبة الموت واليأس ويقابلها لعبة الحياة والتشبث بالأمل وكذلك الميلاد والانبعاث والبحث عن المفقود تجدها وارفة الظلال في قصائده، فيضعك أمام فلسفةٍ من نوع خاص، فالموت واليأس وكذلك الحياة والبحث عن المفقود يكادان يتحركان عبر نغمة خاصة معزوفة على أوتار الشاعر بمفردات تئن من تلك الفلسفة، فنراه يقول:

«حياتي...

يجرّها يأس طُحلبٍ،

وهي تلملم...

ضحى الهديل» (ص96).

الملاحَظ أن الشاعر يعبِّر عن تجربته الخاصة وفلسفته في الحياة في تلك الأسطر، فما هي إلا منازعة بين اليأس والألم وبين الأمل والتشبث في الحياة، فيستعير لها «الطحلب» اليائس، والجامع بينهما ربما يكون ذلك النسيج الذي يشبه نسيج العنكبوت دلالة على التعثر والتبعثر، وبالمقابل يأتي بعبارة «ضحى الهديل» لتزيل ذلك التبعثر إلى مساحة ضيّقة من الأمل الذي يبحث عنه.

إذن فكرة الموت وما يتجلى في مضمونها وكذلك البحث عن الطبيعة التي يريد، تراود الشاعر في تلك الثنائية التي تطغى على قصائده، ثنائية «الموت والحياة»، أو «الألم والأمل»، أو «التبعثر والجمع»، فنجده يؤسس خطاباً طبيعياً يقوم على المحاورة والمكاشفة مع الآخر المفقود (الطبيعة) في بحثه عن ذاته الضائعة، فيقول في قصيدة له بعنوان «أغنية خريفية»:

«في العتمة،

أنا الشمس الذاهبة مع الأنجم...

هي الأنجم الذاهبةُ مع النّهر،

أنا الغسق المتثائب في الشموع،

هي الشموع المنسيّة في النّهر،

أنا النهار مكلّم الطفل،

هي الطفل الذي ضاع في الرِّياح،

أنا الرياح الصامتة في السواقي،

هي السواقي الحالمة بالبساتين،

هي النار الباردة

أنا القمر الدافئ» (ص118).

ففي المقطع السابق يجعل الشاعر الطبيعةَ ذات حركة ديمومية من خلال نسقيّة الألفاظ التي يقف في ظلالها، فتجد أن هذا الحزن يسكن في دائرة وعيه يقابله مسحة خفيّة بين الأمل تنشده الطبيعة في ذاتها؛ لتصبح جراحات نازفة وعامرة في ذهنه (الذات)، ولكن السؤال الذي يبقى غائراً في ذهن القارئ: مَن هو المخاطَب في تلك الأبيات؟ أهي الطبيعة، أم امرأة من لهب وتكوين ذاكرته، أم إنه يخاطب نفسه التي تتصارع بين شيئين ضدّين؟ كلها تساؤلات وإجابات ربما تعلق في ذهن قارئه، إلى أن يقول:

«نحن الفراغ الواجد،

أنا هي نحن،

ثملون،

ثملون بدم الغيوم،

الغيوم الساجدة للكواكب،

في النّور والعتمة» (ص120).

إذن يمكن القول إن الشاعر قد تماثلت عنده الأشياء، فاختلط الذات بالآخر والموت بالحياة والأمل بالألم والنور بالعتمة مكّونةً خطاباً طبيعياً ساخراً وعارماً من الوجود الزائل، فما هي إلا فلسفة وجودية يطرحها الشاعر من خلال لجوئه إلى مفردات الطبيعة وتغيير مسارات الدلالات لها؛ لتصبح أنثوية في خطابه.

وكعادته الإيغال بالرمزية والميل إلى الغموض وتوظيف التراث بأشكاله المتعددة، يلجأ إلى أسلوب مغاير في الكتابة، حيث نراه يكتب قصيدة (هايكو)، وهو نوعٌ من الشعر الذي يحاول فيه الشاعر أن يستخدم ألفاظاً بسيطة للتعبير عن مشاعر وأحاسيس كثيفة في ذهنه.

تكمن المفارقة واضحةً من حيث أنه يميل إلى مثل تلك الألفاظ البسيطة السهلة على الذهن، فتجدها خُطّت على مساحة كبيرة من البياض بحيّزٍ بسيط من السواد مقابل ذلك البياض، فما هي إلا بسيطة في المعنى والتركيب، لكنها بعيدة كل البعد عن التجريد الذهني، فتجدها تكتسي دلالات لا يريد البوح عنها صراحة، فيترك المتلقي تصارعه تلك الدلالة باحثاً عن هوية مفقودة، فيقول:

«الشجرة في البستان،

يشدّ الفلاح أنفاسه،

بينما...

تفرك التفاحة عينيها» (ص121).

فالملاحظ أنه يصرّح من خلال العنوان (هايكو)، أنه يريد أن يستخدم ألفاظاً سهلة بسيطة قريبة من الطبيعة أو ربما تكون كلها طبيعيّة في النسيج للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه الدفينة، وفيما أرى أن سبب لجوء الشاعر إلى مثل هذا النوع من الكتابات هو تركيزه وبحثه الدؤوب عن طبيعة مفقودة، فكأنه يتأمل روحه من خلالها.

ومما يؤكد ما ذهبنا إليه أن المتتبع لقصائد المجموعة يجد أن هناك علاقة حميمة يقيمها الشاعر بين ذاته الضائعة وبين الطبيعة الغائبة، ولكن أيّ علاقة تجمع بين هذين؟ بين ذاتٍ ضائعةٍ متخبطة لما آلت إليه، وبين شيءٍ آخر يحمل عنواناً للطبيعة وما كانت عليه وما هي عليه الآن.. فكأني بالشاعر يريد أن يقيم علاقة ودٍّ ومصالحةٍ بينهما؛ لعلّه يجدّ ذاته مرة أخرى فيها.

ومن هنا تتضح لدينا الثنائية التي تخفيها الأبيات بثنائية أخرى، فالظاهرة لدينا هي الموت والحياة وما ينطوي تحتها من معانٍ ودلالات، والباطنة في رمزيّته وميله إلى مثل ذلك هي الذات الشاعرة أو الأنا مقارنة مع الآخر وهي الطبيعة وما بينهما من وشائج وقواسم في حدّ التنافر والتآلف، ليعقد أو يبرم معها صلحاً من خلال سيرورة الأحداث والسير نحو الهدوء وكذلك الخفة من حدّة التوتر كلما اقتربت نهاية المقطوعات.

وعليه، يمكن القول إن الشاعر أراد ان يعبِّر عن بحثه عن الطبيعة وما تحمل من مدلولات كثيرة بين الألفة والتوحش أو بين الخيفة والتوجس، من خلال لجوئه إلى شكلٍّ حداثي في الكتابة، حيث إنه استطاع وباقتدار أن يمتلك موهبة الشكل والمضون، فاصطبغت مجموعته برائحة الموت والحياة والانبعاث والميلاد على حدٍّ سواء لتنصهر ذاته في تلك الثنائية وما تنطوي علبه من فلسفة وجودية حاول أن يبثّ منكوناتها من خلالها.

نعم، لقد استطاع الشاعر أحمد محمد رمضان أن يسلك مسلكاً مغايراً للكتابة التقليدية وما هي عليه من موضوعات قديمة؛ ليصل بالقارئ إلى برّ الأمان في بحثه عن ذاته الضائعة من خلال فلسفة وجودية في قالبٍ ليس من السهل سبر غوره.