هداية الرزوق

يلوّن الشّاعر د.زكريا داود الحالة الشّعوريّة المنبثقة في ثنايا الأبيات الشّعريّة التي يصوغها بفيضٍ من الحكايات، التي لا تلبث أن تنقلنا لسياقات اجتماعيّة نابضة بالكثيرِ مِن العنفوان الذي يُفصح عن براعة الشّاعر في إحكامِ قبضَتهِ على زمامِ المغزى الشّعريّ الذي يرمي إليهِ.

وَلَعلّ هذا العنفوان ينحو باتجاه سرديّ مُصاغٍ باحترافيّةٍ عاليةٍ تشي بتقاطع هذا اللّون الشّعريّ الحكائيّ مع أدبِ المذكّراتِ الشّخصيّةِ، التي تَعمل على توثيقِ تجاربِ الكاتبِ ضِمنَ شريطٍ مُزدانٍ بالحَدَثِ والفعلِ والكثيرِ من الوقائعِ، وَهنا تَظهر ثنائيّة الحكاية الشّعريّة والمذكرات الأدبيّة في نتاج الشّاعر زكريا داود الذي يعمل عَلى قَولَبة الصّورة الشّعريّة في سياقٍ سرديّ حافلٍ بالفعلِ وَالشّخصيّةِ وَالزّمانِ وَالمكانِ.

يُطالعنا الشّاعر الذي رحل في 21 آذار 2010، في بداية قصيدته الغزليّة «كَمْ طَويتُ اللّيل» (الأعمال الشّعريّة الكاملة، دار يافا، عمّان، 2011، ص143-144) بتقنيّة استفهاميّة تَختِزُلُ مَشهداً حكائيّاً يَرتَسِمُ في ذهن المُتلقي لِيُفصِحُ عن أبعاد الحبكة الدّراميّة التي تتكوّن إزاء تَخيّل القارئ للصّورة المُستقرّة في رَحمِ هذا البيت، ثمّ لا تلبث اللّوحة الفنيّة أن تُعلنَ عَنْ تَسجيلِ مَحطّة مرحليّة في حياةِ الشّاعرِ تَموجُ لِتتفاعَلَ وتُثبتَ أنّ هذهِ اللّقطةَ الشّعريّة تكادُ تَقترِنُ مع المذكّراتِ الشّخصيّة الخاصّة بحياةِ كاتِبِها.

حَيثُ يَستهلّ الشّاعرُ قَصيدته باستفهامٍ يَمتزِجُ بالكثيرِ من اللّومِ المُغلّفِ بلّذة العتابِ:

«كَمْ طَويتُ اللّيلَ أشكو نَواكِ

يا فَتاتي، آمِلاً بَلقاكِ».

ثُمّ يَعودُ الشّاعر ليُسَجلَ حَدَثاً جديداً:

«مرهق الأعصابِ من فَرط سهدي

ناحلاً مضنى أسير هواكِ

تائهاً في ذكرياتي أناجي

طيفكِ المحبوب، أين أراكِ

أَينَ أسطيعُ اللّقاء فأحظى

لحظةً بالقربِ منكِ ملاكي».

إنّ المتأمّل للمَشهديّة الحكائيّة المُبرمة في الأبياتِ السّابقة ينتقل إلى حالة لاشعوريّة تُشكّل تَساؤلاً غريباً يَضطربُ ويعلو في ذاتيّة المتلقي، لا بلْ يدفعهُ لمتابعةِ القصيدة الشّعريّة لاستكشاف ماهيّة هذهِ الحبيبة الموسومة بالملاكِ، والمتسببة بحالة من الإرباكِ والضّياع في وجدانِ الشّاعرِ الذي لجأ للمناجاةِ، ولاستحضارِ طَيفِ المحبوبة في مَشهَدٍ يستحيلُ معه اللّقاء، ولعلّ استحضار الشّاعر للمناجاة يُحيل إلى النّبرة الرّوحانيّة التي تشيع في الجوّ العامّ لنتاجِهِ الشّعريّ ما يَعكسُ الرّقة في استلهامِ الصّورة الشّعريّة.

ولعلّ للقارئ الفَطنِ نَصيباً في تتبّع الحكايات الشّعريّة المتواليةِ في أبياتِ القصيدة، حين يقول الشّاعر:

«يا فَتاتي كَمْ أَصختُ بسمعي

لِغناءِ الطّيرِ بَعد نواكِ

فَأهاجتْ رِقّةُ الصّوتِ فيه

وَبَديعُ اللّحنِ، ذكرى غناكِ».

فالمَتَأمّلُ في الأبياتِ السّابقة يتلمّسُ رزانة الشّاعر في إزاحة حالة الضّياع التي ألمّت بهِ من خلال افتعالِ مَشهدٍ تُعادُ فيهِ حالةُ التّوازنِ والثّباتِ في الصّورةِ الشّعريّةِ الحكائيّةِ، والتي لا يُمكننا القولُ إلاّ أنها تَضجّ بالحبّ وتكتسي بالرّقة، فَصَوتُ المحبوبةِ وألحانُ أنغامها تترّنمُ بِقوّةٍ في ذاتِ الشّاعرِ الذي عَملَ على استنطاقِ الطّيرِ واستعارتِه لُيثبتَ لنا في هذه الحكايةَ أنّ ذاك الملاك يُزاحمُ الطّيور في أنغامها! فَيعيدنا الشّاعر بعفوية مُطلقة إلى قُدسيّة الحبّ الذي لم تُفصح لنا نهايُة القصيدةِ عَنْ مَثواه ومآله!

ثُمّ يُقفلُ الشّاعر المَشَهد الدّراميّ بقوله:

«كَمْ نَظرتُ الْبَدرَ ليلاً ليبدو

حُسنهُ اللألاء دون بهاكِ

فاعترتني في سُهادي همومٌ

مَنْ يَردُّ الهمَ عنّي سواكِ؟».

فتشيع بذلك أفكارٌ مترامية في ذهن المتلقي، تُحدث استحضاراً سريعاً لخصائص الألفاظ ومعانيها، بل تَتسبب هذه الصّورة الشّعرية في خلق المزيد من التّساؤلات في ذاتيّة المتلقي وذهنه حول ما إذا كانت هذه الأنثى الافتراضيّة موجودة في الإطار المكانيّ الواقعيّ.

إنّ انتظام وتيرة الحدث في متوالية المشاهد الحكائيّة المتبعثرة في أبيات القصيدة، ينطوي على الكثير من الإتقان المشهديّ الذي يتمتّع الشّاعر بنسجه، إذ يغدو المتن الحكائيّ الشّعريّ أشبه بوثيقة اجتماعيّة تحمل في طيّاتها الكثير من التّداعيّات التّصويريّة المصاغة بأبسط المفردات، والتي تُقدّم لنا ومضةً فكريّة حداثيّة حول كيفيّة امتزاج الشّعر بالحسّ الحكائيّ المقترن بالتّوثيق الاجتماعيّ الذي قد يكون مفتاحاً لثنائيّات أدبيّة متوالدة بعضها من بعض.