منذر رشـــراش

لم يسبق أن أخبرت أطفالي عن عملي ولم يحدث مرة أن فكّرت بإخبارهم خوفاً من أن ينتابهم أي شعور بالخجل من هذا العمل. عندما سألني ابني الصغير مرة عن طبيعة عملي أجبت بتردّد: «أنا عامل»، ولكن أي عامل؟ هذا ما أخفيته (وهو لم يسأل عنه ويُلح في السؤال ). سكتَ ولم أتخيّل أن هذا قد يتسبّب لي بأيّ إحراج أو مشكلِ مع الأيام.. واصلت عملي غير آبه بشيء إلّا أن أعجز عن تأمين القوت اليومي لأولادي.

قبل أن أصل المنزل بعد الانتهاء من ورديتي كنت أستحمّ (غالباً في إحدى دورات المياه العامة). كان هذا خوفاً أن يعرف الأولاد طبيعة العمل الذي أمارسه.

إذا رغبتُ لأولادي -وخصوصاً البنات- أن يذهبوا الى المدرسة لأجل العلم، فأنا أريدهم أيضاً أن يقفوا أمام الناس وهم في كامل كرامتهم، لم أكن أريد أن ينظر الناس إليهم بازدراء كما يفعلون معي (كيف سيتحملون الشعور بالمهانة أو الذّل؟! سأقتل نفسي لو حدث هذا في يومِ من الأيام). الناس يقومون دائماً بإهانتي (وأنا أتحمّل ذلك).

***

استثمرت كلّ مبلغِ مقابل عملي في تعليم أولادي (خصوصاً البنات). لم يحصل مرة أن اشتريت قميصاً جديداً، وبدلاً من ذلك أُفضّل شراء الكتب لهم. احترام الناس لهم هو المكسب الحقيقي بالنسبة لي. أنا كنت عامل نظافة. وفي الحقيقة أفتخر بهذا الأمر ( مع أن ذلك قضية أخرى، أنا أفهم هذا الأمر)، لكن هذا لا يعني أي شيء الآن. الآن ابنتي الأولى قُبلت في الجامعة، وهذا يوم عظيم بالنسبة لي، غير أنّـي جدّ حزين.

لا أستطيع أن أوفّر لها رسوم التسجيل.

انتابني الحزن ولم يكن باستطاعتي العمل في ذلك اليوم. كنت تراني جالساً بجانب القمامة محاولاً مداراة الألم وإخفاء دموعي! يا رباه! هل يشعر بي أحد في هذا اليوم؟ كل زملائي في العمل ينظرون إليّ، ولكنّي داريت الأمر ولم أتمكّن من الحديث معهم. لقد فشلت، تحطّمت، ولم يكن عندي أدنى فكرة عن كيفية مواجهة ابنتي عندما تسألني عن رسوم التسجيل بمجرّد عودتي إلى البيت.

أنا وُلدت فقيراً، ولا يمكن أن يحدث شيء جيد لشخص فقير مثلي، وهذا كان إيماني.

***

بعد نهاية ذلك اليوم جاء عمّال النظافة لي وجلسوا بجانبي، نظروا إليّ وعلى وجوههم ابتسامة من نوعِ مختلف.

قالوا بود كبير: هل تعدّنا إخواناً لك؟ وقبل أن أجيب وضعوا في يدي أجورهم التي حصلوا عليها في ذلك اليوم. وعندما رفضت -أو حاولت ذلك- أصرّوا وهم يقولون: اليوم نجوع، لكن ابنتنا يجب أن تذهب إلى الجامعة.

لم أتمكّن من الرد عليهم.

***

ذلك اليوم لم أستحمّ قبل الذهاب إلى المنزل!

ذلك اليوم عدت إلى المنزل كعامل نظافة! ابنتي ستنهي دراستها قريباً، ابني البكر منعني -هو وأخته الثانية- من مزاولة عملي!

إحدى بناتي تعمل في دوام جزئي، والأربعة هم من يدفعون رسومهم الدراسية، لكن يأخذونني دائماً حيث مكان عملي السابق ويبدأون بإطعام جميع العمال ومعهم أنا.

الكل كان يضحك ويتساءل: لماذا عليك تقديم الطعام لنا دائماً؟

لا يجيب عليهم ابني أو أخوه أو بناتي. يكتفون بالابتسامة والتربيت فوق أكتف العمال الفرحين، غير أنّي –وحدي- أستشعر كل الفرح والرضا بهؤلاء الأولاد.

هل حقاً أنا فقير وأنا لديّ هؤلاء الأبنـاء؟