عمان- أحمد النسور

على الجانب الأردني من الحدود مع سوريا، لم ير جيل كامل من الأطفال السوريين وطنهم منذ اندلاع الحرب هناك التي لا تزال مستمرة ودخلت عامها السابع وأدت إلى نزوح «5» ملايين تحتضن المملكة منهم نحو 1.4 مليون.

وتُدير منظمة أطباء بلا حدود في محافظة إربد مستشفى لرعاية الأمومة والطفولة حيث ولد فيه 10 آلاف طفل سوري خلال سنوات الازمة السورية الماضية.

وأجبرت الحرب في سوريا أكثر من 5 ملايين شخص على اللجوء الى الخارج يستضيف الأردن منهم (1,4) مليون منهم (670) ألفا مسجلين لاجئين، يقيم قرابة 80 ألفاً منهم في مخيم الزعتري، و53,700 يعيشون في مخيم الأزرق، وهما أكبر مخيمين في المملكة، بينما حاول الآخرون التأقلم في المجتمعات الحضرية أو اضطروا للنزوح إلى بيئات ريفية وغير رسمية في الاردن وغالبيتهم يتركزون في محافظات الشمال.

ويحاول السوريون في المجتمعات المستضيفة في إربد الحصول على بعض الاستقرار وكثير من هؤلاء استقروا في إربد والمناطق المجاورة لها منذ 5 سنوات أو أكثر وبعضهم جاء حتى قبل أن تتصاعد وتيرة الحرب.

في السنوات الماضية وُلد كثير من السوريين بعيداً عن وطنهم، نحو 10 آلاف في مستشفى الأمومة والطفولة المدعوم من «أطباء بلا حدود» في مدينة إربد وحدها الذي يبعد 35 كيلو متراً عن الحدود السورية.

وأصبحت «أطباء بلا حدود» عنصراً فاعلاً في الصحة الإنجابية في شمال الأردن. يقول إروان غريّون رئيس بعثة المنظمة في الأردن: «لقد وضعنا ذلك في موقع مميز مكننا من أن نشهد الآمال التي تنعقد على كل حياة تُنجب حديثاً، وكذلك في موقع مشاهدة تهديد مُحتمل لأطفال قد لا يرون موطنهم الأصلي يوماً (...) وراء براءة الطفل المولود حديثاً، سيكون هناك بحث حثيث عن الهوية في بلد يمثل فيه اللاجئون السوريون عبئاً ثقيلاً على الأردن «.

ويواجه الاقتصاد الأردني ضغوطا كبيرة، فمن البطالة، والنظام الصحي المجهد، والضغط على موارد المياه، والتعليم، إضافة إلى التهديدات الإرهابية، ولا يزال يتحمل عبء شريحة أضيفت إلى سوق العمل الأردني.

وحتى هذه اللحظة، صادقت الحكومة الأردنية على أكثر من 50 ألف تصريح عمل للاجئين السوريين، لكن الحالة ما تزال بالغة الصعوبة بسبب الظروف المرعبة على الطرف الآخر من الحدود.

وترحب «أطباء بلا حدود» كل يوم بعشرات العائلات التي تأتي لتتلقى رعاية ما قبل وبعد الولادة، ولإجراء عمليات الولادة، بالإضافة إلى الحصول على الدعم النفسي والعقلي. إن العائلات التي تأتي إلى مستشفى الولادة لا تستطيع أن تدفع أجرة العيادات الخاصة، التي تكلف بالمتوسط من 25- 40 دينار للزيارة الواحدة، وهم بالغالب لا يعملون، ومدينون، ويعتمدون على العون الإنساني المحدود.

وتقول بسمة (20) عاماً، وهي أم حديثة العهد، عن الصعوبات التي مرّت بها منذ الحمل وحتى الولادة، «وصلت من سوريا وحملت عندما كنت في الزعتري، لم تكن البيئة في الزعتري مناسبة لحملي، لذا اتجهنا أنا وزوجي إلى حدود إربد».

كما تحدثت عن الصعوبات التي واجهتهما في بحثهما عن وظيفة، بالإضافة إلى القيام بالفحوصات، والحصول على الأدوية والاستشارات. وذات مرة سمعت عن «أطباء بلا حدود» من جارتها، وهي لاجئة سورية أيضاً، فأتت إلى وحدة الولادة وأنجبت طفلاً بعد عدة شهور.

تقول بسمة: «أشعر بالسعادة لأن طفلي ولد رغم كل الصعوبات، ونحن الآن عائلة تحت رعاية أطباء وممرضين في منتهى النزاهة».

أما عائشة، فتقول «أتيت من سوريا إلى الأردن عندما بدأت الحرب، كنا نصرف كل مدخراتنا على الأطباء كي نذهب إلى عمان عندما كنت أحاول أن أنجب طفلاً وأستكشف الخيارات المتاحة لدينا، لكن الأمر كله بدا لنا ميؤوساً منه».

وتصف عائشة المصاعب «الكثيرة» التي واجهتها منذ أن جاءت من سوريا وحتى اجتازت بسلام الحمل الذي كان صعباً وكان يمكن أن تحدث أسوأ الاحتمالات لو لم تصل إلى الرعاية الصحية خلال فترة حملها في الأردن.

وتقول رئيسة الممرضين ميسون الحجازات «على مدى سنوات، شهدت مئات الأوضاع الصعبة؛ كانت هناك مريضة لن أنساها يوماً، كانت حاملاً عندما أتت، وفقدت ساقيها بعدما مشت عبر وابل من القنابل في سوريا، آلمنا رؤيتها، لكننا حافظنا على رباطة جأشنا وتعاملنا معها وكأنها مجرد مريضة طبيعية أتت هنا لتلقّي رعاية ما قبل الولادة، وقد صعّبت حالتها عملية الإنجاب ولم يستطع طفلها النجاة».

وتضيف ميسون «قد لا تكون كل الحالات التي أتت إلى مستشفى الولادة بذات القدر من المأساوية لكنها كلها تكشف عن الواقع الأليم للاجئين السوريين والمصاعب التي يواجهونها لبناء هوية لهم بعيداً عن موطنهم، ومواجهتهم للأسئلة التي يسألونها لأنفسهم كل يوم: هل سنبقى في الأردن؟ هل سنتمكن من الرجوع إلى وطننا؟ وما الذي سنجده هناك؟ وكيف سيكون شكل مستقبل أبنائنا؟ هل سيبقون لاجئين طوال حياتهم ؟».

فيما تشير عائشة رغم سعادتها بالعيش بالأردن إلا أنها لا تخفي قلقها حيال ولديها التوأم. وقالت بحزن «لقد ولدا وأنا غير متأكدة من نجاتهما، والشيء الوحيد الذي ليس لدي شك فيه هو أن طريقهما سيكون طويلاً وصعباً (...) ربما لن يستطيعوا رؤية سوريا لسنوات، أو ربما للأبد، وربما سنناضل أكثر في بلدان أخرى، لكنهما ولدا هنا، ربما سيذهبان إلى المدرسة مع الطلاب الذين لا يدرسون في نفس مواعيد الطلاب الأردنيين كي يتجنبوا المواجهات المباشرة».