كتبت - سهير بشناق

خوف وقلق ومعاناة وحرمان من ادنى الحقوق الانسانية «العيش بلا الم وبكرامة «، حقوق تبدو صعبة المنال لكثير من النساء المتزوجات اللواتي تزوجن بعمر مبكر بما يترافق ايضا مع ظروف اسرية صعبة.

وان كان الزواج المبكر حلا لبعض الحالات الاستثنائية كما يروج لذلك، الا ان الاسباب الموجبة لهذه الحالات لا تلغي مرارة الحياة التي يعشنها ومقدار العنف والحرمان الذي يتعرضن اليه المرتبط مع الجهل بالحياة الزوجية وبحقوقهن وقدرتهن على رفض ما يتعرضن اليه من عنف جسدي ونفسي ولفظي، واستغلال وجبروت زوج امام ضعف زوجته الصغيرة التي لا تناسبه فكريا وجسديا وام اطفاله.

حالة «فاطمة» وهو اسم مستعار تعاملت معها احدى دور الرعاية المخصصة لاستقبال النساء المعنفات تعكس حجم العنف والخوف الذي يمكن لامراة ان تتعرض له نتيجة زواج مبكر ومحصلة لزواج غير متكافئ يمارس به الزوج أقسى انواع العنف الجسدي لتنتهي رحلة الزواج بالطلاق بعد معاناة كبيرة.

فاطمة بعد زواجها بعمر مبكر واوضاع حياتها قبل الزواج التي ايضا كانت تعاني منها تعرضت لعنف جسدي قاس على يد زوجها تبعا لاخصائيين بدار الرعاية التي استقبلتها.

بدأت سنوات زواجها الاولى بعنف جسدي شديد تدرج بين الضرب الجسدي المبرح والحبس بالمنزل والحرمان ليمتد الى الحرق بالسجائر ليكون جسدها شاهدا على حجم العنف الذي تعرضت اليه.

لم تكن فاطمة تبعا للاخصائيين الذين تعاملوا معها قادرة على ايقاف عذابها والامها بعد ان انجبت عددا من الاطفال فكل يوم كانت تحياه كان محملا بالعذاب والالم الجسدي والنفسي.... لم يكن يسمح لها بمغادرة منزلها او التواصل مع اي كان لطلب المساعدة ,الا انها تمكنت اخيرا من الهرب واللجوء الى الجهات المعنية وايصالها لاحدى الدور المعنية باستقبال النساء المعنفات وتوفير الحماية والرعاية لهن.

وتبعا لاخصائيين في الدار كانت تعاني من حالة من الخوف والتوتر علاوة على معاناتها الجسدية التي تطلبت اجراءات طبية لمساعدتها ،كيف لا وجسدها مليء بحروق السجائر على يد زوجها؟؟

وبقيت فاطمة بالدار تعاني من الخوف والتوتر بعد اخضاعها لجلسات الارشاد النفسي واعادة تاهيلها، وتواصل مسؤولو الدار مع زوجها الذي ما ان حضر حتى بقيت ساعات خائفة متوترة لا تقوى على مقابلته بالرغم من وجود مسؤولي الدار بجانبها.

والمفارقة الغريبة والمحزنة في ان واحد ان فاطمة عندما قبلت بمقابلة زوجها كانت اول ما أقدمت عليه تقبيل يديه وطلب السماح منه.

مشهد لا يحتمل، الا انه وصف لحالة تجمع بين الانهزام والخوف والانكسار وكأنها تعتذر عن محاولاتها لانقاذ نفسها ووقف ألمها الجسدي والنفسي لتتساوى مع اطفالها وهم يتوسلون لوالدهم بعدم ايذاء والدتهم.

تمكنت الدار من التعامل مع حالة فاطمة التي هي واحدة من مئات الحالات لنساء يتعرضن للعنف الجسدي ويعشن حياة مليئة بالالم والمعاناة وعادت فاطمة لبيت زوجها بعد ان تم التعهد من قبل زوجها بعدم ايذائها باي شكل من الاشكال ومتابعة حالتها من قبل الاخصائيين بالدار.. فعودتها ليست مبررة وليست ضمانا لوقف العنف الذي عاشته لسنوات طويلة ولكن خيارات المرأة المتزوجة بعمر مبكر دون ان تنهي تعليمها ودون ان يكون لها مصدر دخل تعتاش منه ويساعدها على اختيار خيارات اخرى بالحياة ووجعها على اطفالها وخوفها عليهم كانت جميعها اسباب لعودتها التي لم تستمر كثيرا فانتهى الزواج بالطلاق.

ويرى اخصائيون تعاملوا مع حالة فاطمة بان غالبية حالات النساء المعنفات اللواتي يردن للدار يعدن الى بيوتهن بعد ان تتم معالجة اوضاعهن وتأهيلهن من جديد.

واشاروا الى انه يتم استدعاء من تسبب بالعنف وهم في الغالبية الازواج ومحاولات اعادة الروابط الاسرية من جديد بعد جلسات الارشاد والتوعية من قبل الاخصائيين للزوجات وللازواج وتعهدهم بعدم الحاق اي ضرر جسدي بحق زوجاتهن.

واكدوا ان الدار لا تستطيع منع الزوجة ان رغبت بالعودة وهن يعدن بغالبية الحالات بسبب اطفالهن ولعدم امتلاكهن اية خيارات اخرى او اي دعم مالي يمكنهن من الاعتماد على انفسهن بالرغم من ان الدار توفر لهن فرصة تعلم مهن مختلفة تساعدهن بحياتهن في حال رغبتهن بعدم العودة من جديد مشيرين الى ان هناك حالات عديدة رفضن العودة وبدان بالاعتماد على انفسهم وبدء حياة جديدة.

واضافوا ان الاساس في فكرة وقف العنف ان النساء يكسرن حاجز الصمت والخوف وهنا تتغير حياتهن فالمراة التي عاشت سنوات تحت عنف الزوج والايذاء الجسدي والنفسي وتمكنت من اللجوء الى الجهات المعنية لمساعدتها ستتغير يوما بعد يوم وستدرك ان هناك نافذة من الامل لن تكون مغلقة بحياتها بعد اليوم وهو ما ينطبق على حالة « فاطمة « التي عادت الى حياتها الزوجية لكنها لم تستمر ولم تكمل وانتهت حياتها الزوجية ومسيرتها لسنوات طويلة من الالم بالطلاق.

الناطق الاعلامي في وزارة التنمية الاجتماعية فواز الرطروط قال ان دار الوفاق الاسري بفرعيها في عمان واربد انشئت لمساعدة النساء المعنفات وتقديم الرعاية والحماية لهن من كافة الجوانب.

واضاف ان الدار تستقبل حالات النساء اللواتي تعرضن لعنف جسدي او جنسي حيث وصل العدد الكلي في فرعي الدار خلال العام الماضي 650 حالة لامراة معنفة غالبيتهن عنف جسدي مشيرا الى ان الدار تعمل على اعادة تاهيل المراة المعنفة ودعمها ومساعدتها من كافة الجوانب ومحاولات اعادة الروابط الاسرية ووقف العنف الواقع على المراة ليبقى خيار العودة مرتبطا بالمراة خاصة في حال عدم وجود تهديد على حياتها في حال عودتها مؤكدا ان الدار تتابع حالات عديدة عدن لبيوتهن بعد فترة تواجدهن بالدار.

وتبعا لدراسة ميدانية اجريت باحدى الجامعات الحكومية حول العنف ضد النساء فان 89% من طلاب الجامعة اكدوا انهم شهدوا سلوكيات عنف داخل اسرهم بحق امهاتهم بالرغم من رفضهم القطعي للعنف.

وتبقى فاطمة وما تعرضت له من عنف جسدي كبير شاهدا حيا على معاناة نساء كثر تزوجن بعمر مبكر وتعرضن لشتى انواع العنف في وقت كان يمكن لهن ان يعشن حياة افضل بخيارات ايجابية تمنحهن فرصة التعلم والعمل والشعور بقيمتهن وقدرتهن على العطاء بدلا من سجائر تحرق اجسادهن وايد تمتد يوميا لضربهن واهانتهن تحت مسمى الحياة الزوجية التي لم تكن في بداياتها صحيحة بل كانت طريقا للالم والمعاناة ستنتهي يوما ما بذاكرة لن تنسى ما عاشته ونساء لم يعدن يمتلكن القدرة على الاستمرار وبداية حياة مختلفة..