عمان - جوان الكردي

تتعرض للضرب والتعذيب من زوجها وببعض الأوقات يقلب «طنجرة الطعام على رأسها» وأحيانا يشجّ رأسها ويسيل الدم منه.

تقول غدير إن هذا حال جارتهم «أم ميلاد»، التي «لم تقض يوماً سعيداً واحداً مع زوجها، وهي تروي أنها عانت كثيراً من سوء المعاملة والضرب والإهانة والصراخ لدرجة ترويع الجيران بصوت صراخه عليها وبكاء الأطفال خوفاً منه.

في يوم، والحديث لغدير، اضطرت ووالدتها إلى دخول بيت الجارة المسكينة لشدة الجلبة والعويل، فوجدتا طبخة الملوخية تملأها من رأسها وتغطي ملابسها، مختلطة بدمائها، نقلتها والجارات الى المستشفى لتضميد جرحها وتقطيب رأسها.

ضغطت الجارات عليها بشدة لتقدم شكوى ضد زوجها، لكنها كانت ترفض بشدة خوفا منه، وهي لا تستطيع اللجوء الى أهلها الذين يقطنون في أحد المخيمات، لأنهم سيطلقونها منهم فتنحرم من أطفالها الثلاثة، كما أنها لا تحمل شهادة ولا تستطيع أن تجد عملا يكفيها مؤونة الحياة.

لا أطيقه ولا استطيع تطليقه

«لاأحمل شهادة ولست موظفة ولدي ثلاثة أولاد، تحملت طوال هذه السنوات الكثير فقط لأنه

ليس لدي مكان آخر آوي إليه، لا أطيقه، لكنني بنفس الوقت لا أستطيع تطليقه».

«أم محمد» تزوجت منذ خمسة عشر عاماً بشخص فيه من العيوب ما فيه، حاولت أن تبحث عن صفات حسنة فيه عبثا، «اضطررت للزواج منه هرباً من أهلي، لكن وجدت شخصا يتصف بالبخل والعصبية والإهانة والسلبية لا يتحمل المسؤولية».

وتشرح بالقول: «إن طلبنا شيئا أو أردنا أن نخرج يتهمنا بأننا نصرف المال بدون تفكير ومسرفين، وهكذا مرت الأيام والسنون.. وأجمل أيام حياتي ضاعت ولن تعود».

أم محمد، وأم ميلاد ليستا وحدهما اللتين تعانيان من هذه الإشكالية المؤرقة، والتي تهدد بزلزلة كيانات أسر كثيرة، المرأة فيها هي «الحلقة الأضعف» لأكثر من سبب، أبرزها أنها غير مستقلة بكيانها الاقتصادي والمالي وتبقى عالة على الآخرين، لأسباب كثيرة.

أين أذهب؟

أما «أم ريان» فتتساءل «ماذا أفعل حينما أنفصل عنه؟ إلى أين أذهب؟ وكيف أنفق على نفسي وأولادي فأنا لا معيل لي وغير موظفة وليس لدي مكان أقيم به».

أم ريان، المتزوجة منذ عشر سنوات ولها أربعة أولاد، احتوت حياتها «أسوأ أنواع التعامل من شخص أناني يجود على نفسه ويبخل بحقي وبحق أولاده، أساسيات المنزل موجودة ويصرف على لبسه وأناقته مهما كان الثمن لكن عندي وعند أولاده يتذمر، غير الإهمال بحقي وبحق أولاده حتى أثاث البيت لم يغيره منذ أن تزوجنا وأصبح معظمه على الأرض».

وتتابع: «حتى يبخل علي بالمصروف ويتشاجر مع أولاده عندما يطلبون منه مصروفا حتى بتُّ أكرهه ولا أطيق معاشرته».

حياتي مأساة

الأربعينية «أم يزن» ليست بأفضل حال تقول: هذه السنة الثانية والعشرون لي مع زوجي، وعندي ثلاثة أولاد، اثنان بالجامعة حياتي مأساة لزوج يتحكم بي وبأولاده يحب المظاهر أمام أهله والناس، أما أنا وأولاده نشحد منه اللقمة والمصروف، ويصرف على صديقاته والكحول، وبالبيت يحسب كل قرش الى أين يذهب، ناهيك عن الشتائم والعصبية.

وعندما تناقشه يجيبها «اذا لم يعجبك غادري البيت» وهو يعلم أنه لا معيل ولا بيت يأويني وأني بلا عمل أو شهادة».

التزام التقوى

ويرى أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور عدنان العساف أن المحافظة على الأسرة واستمرار العلاقة الزوجية، ومنع الفرقة وما يؤدي إليها من أسباب، «أمر بالغ الأهمية، ويجب ان يقوم الزواج على أساس سليم عادل».

فالزواجَ من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان؛ فجعل منه نسباً ونسلاً، وصهراً ومودة بين الناس، قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا»[الفرقان: 54. وهو نعمة كبيرة للزوجين أن أخلصا فيه، ففيه استقرار النفس، والطمأنينة والشعور بالأمن، وفيه تبادل والتواد والتراحم والتعاضد على الحياة وتكاليفها، قال عز القائل: «وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» [الروم: 21.

وهو يأسف لتزايد الشقاق والنزاع الأسري هذه الأيام، وكثرة حالات الطلاق، وما يترتب على ذلك من تشريد الأولاد، وتيتمهم رغم وجود والديهم، وإيقاعهم في معاناة نفسية، وذعر، وتشتت ذهني ونفسي.

ويبين العساف أن من الأسباب الرئيسة المؤدية إلى تزايد هذه الظاهرة «قلة التسامح بين الزوجين، وضعف تبني مبدأ التضحية وقيمه النبيلة عند العديد منهم، والميل إلى المناكفة، والمحاسبة، وسوء الظن، وحفظ الذكريات السيئة، والمقارنة بالآخر، وسوء المعاملة، ومجانبة العدل فيها، وذلك فضلاً عن التزام خلق التسامح، وحسن الظن، والتحاب، والمغفرة بين الزوجين.

وينصح العساف بالمحافظة على الأسرة، وبث روح الإيثار، والتسامح والتضحية في المجتمع، والتزام تقوى الله تعالى والعدل مع شريك الحياة، والأولاد، وإعطاء الحقوق بالمعروف، وحسن أداء الواجبات ما ظهر منها وما بطن.

ويبين أن الزواج ناموس الحياة، وهو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته، وهو القائل: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، وفيه حصول الولد، واستقرار المجتمع، وارتقاء الأخلاق، وعزة الأمة، وفيه وحده حسن رعاية الأطفال والضعفاء، وتنشئتهم على الفضيلة والخلق القويم، وأما العزوف عنه، فإنه يورث انتشار الرذائل وسيء الأخلاق، وأمراض النفس، وما يؤدي إلى تقطيع أواصل المودة والرحمة، والشعور بالمعاناة والشقاء المستمر، والوحدة، وسوء الحال في الشيخوخة.

وينبه العساف إلى أصول معاملة الزوجات وحفظ حقوقهن «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام أمته في خطبة الوداع بذلك، فقال: «استوصوا بالنساء خيراً».

تمكين المرأة اقتصاديا

ويلفت الدكتور جهاد السعايدة استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية إن إساءة معاملة الزوج لزوجته وعدم قدرتها على اتخاذ اي إجراءات قانونية او اجتماعية لحماية نفسها لعدم وجود معيل.. تعتبر شكل من شكل العنف الموجه للمرأة داخل الأسرة.

ويشير الى أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة الوضع الاقتصادي.. غالباً ما تقوم المرأة في مثل هذه الحالة بالصبر على هذه الإساءة والعنف من الزوج لأن الوضع داخل الأسرة مهما كان صعباً أفضل من الخروج من الأسرة لعدم وجود مكان أو معيل تذهب إليه...إضافة إلى أن المرأة غير العاملة وغير المتعلمة تعاني هذه المشكلة أكثر من العاملة؛ لأنها مقيدة بعدم القدرة الاقتصادية على العمل التي تمكنها من طلب الطلاق وتفضيل تحمل الإساءة والعنف.

ويلاحظ السعايدة أن الوضع الاجتماعي أيضاً أحد الأسباب، ويتمثل بثقافة المجتمع ونظرته السلبية للمرأة المطلقة، ويزداد الأمر في السلبية في حال عدم وجود معيل أو عمل للمرأة، فتضطر إلى الإقامة في المنزل لوحدها، خصوصا في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة... فتبدو المرأة محاصرة بنظرة المجتمع السلبية والقيل والقال على أي تصرف.. وكذلك بعدم قدرتها على توفير مستلزماتها وايجار المنزل.

ويلفت إلى أن المرأة المتزوجة بشكل عام تعاني من هذه المشكلة والمرأة غير العاملة بشكل خاص، فهي تفضل البقاء مع الزوج وتحمل الإساءة لأنه أخف ضررا من ترك الزوج والدخول في المعاناة الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الزوج.

ويكشف السعايدة عن حلول للتخفيف من حدة الآثار على المرأة التي تعاني من هذه الظروف هو تمكين المرأة اقتصاديا أما من خلال التعليم والتدريب على مهارات حرفية او إيجاد فرصة عمل اذا كانت المرأة متعلمة وحاصلة على مؤهل علمي يمكنها من العمل.. من أجل إتاحة الفرصة أمامها لاتخاذ قرار بالاستمرار مع الزوج او تركه..

ويفصّل بالقول أنّ تمكين المرأة اقتصاديا سيقلل من حدة العنف الموجه إليها من الزوج بما أنها تشارك في الإنفاق على الأسرة.

وللتخفيف من حدة المشكلة ينبغي، برأي السعايدة، توعية المجتمع بحقوق المرأة، ومنها حق ترك الزوج والطلاق لحماية نفسها حتى في ظل عدم وجود معيل واستقلالها بحياتها لوحدها بحيث تصير ثقافة المجتمع «عنصرا مساعدا على الحماية، لا في اللوم والانتقاد تبعاً لثقافة المجتمع التي ترفض إقامة المرأة المطلقة بمفردها.»

أي الشرَّين أخف؟

المستشار الأسري والتربوي خليل الزيود يرى بأنه عندما يهين الرجل زوجته وهو يعلم أنها لا تستطيع الطلاق وليس لها مأوى ولأنه لا ينظر إلى المرأة بوصفها إنسانا لديها حقوق وواجبات وإنما لكي يتمتع بها ويفرِّغ عليها عُقَد طفولته، ويشعر أن جزءا من تفريغ الكبت والتوتر لديه يكون باضطهادها أو لكي يشعر برجولته من خلال قهر الأقل منه أو لأنه لا يقدر أن يواجه المجتمع، فهو ينقل إليها ضعفه وخوفه بطشا وتجبرا.

ويبين أنه من الممكن أن يصرف الزوج على نفسه ويبخل على زوجته وأولاده لأنه يرى في بعض الأحيان أن هؤلاء الأبناء جاءوا إليه بغير رغبة منه بل إن زواجه لم يكن بوعي حتى يختار بشكل صحيح فيحاول أن ينتقم منهم بالمصروف او بان يتملص من مسؤوليته حيالهم.

ويحذر الزيود من الآثار السلبية التي تتعرض لها الزوجة، إذ «قد تصبح المرأة ضعيفة نفسياً فلا تستطيع أن تهتم بذاتها ولا بأبنائها ولن تستطيع أن تحقق ذاتها، وبالتالي ستكون عبارة عن قطعة أثاث في البيت ينقلها الزوج للمكان الذي يراه مناسباً في عينيه بدون مشورتها ولا رأيها».

وقد يصل سلبياته، والحديث للزيود، إلى الأولاد، فعندما تكون شخصية الأم «غالبة عليهم في بعض الأحيان فينتقل الأبناء إلى الشعور بالنكوص والخجل غير المبرر أو الخوف».

وهذا ينتج شخصية «مهزوزة» أو يمكن أن تكون شخصية الأبناء قوية وكاسرة «فينتقل اضطهادهم إلى زملائهم في المدرسة أو إلى زوجاتهم في المستقبل أو إلى أخواتهم في البيت تأسّياً بأبيهم الذي يظن أن هذا هو مفهوم الرجولة».

ويكشف الزيود انه في اللحظة التي يمد فيها الرجل يده على زوجته أو يهينها بأي طريقة «يجب عليها أن تطلب الطلاق أو تخلعه إن لم تقدر على إصلاحه أو تعديل سلوكه نحوها ما أمكن.

ويوضح أنه عندما تقبل المرأة البقاء مع هذا النوع من الرجال لظنها أن هذا هو الوضع الطبيعي لها أن تعيش فيه أو لأنها تظن أن نار زوجها أفضل من جنة أهلها او لأنها تخاف من نظرة المجتمع أن يقال مطلقة أو لأنها تشعر أن الأبناء لهم حق ولو على حساب عمرها وحياتها، فإنها تخطىء بحق نفسها وتظلمها وتقلل من إنسانيتها، وقد تظلم أبناءها.

ويذهب إلى أن العلاقة العاطفية معه، في هذه الحال، ستكون «غير ناضجة أو لا تكون في سياقها الصحيح واللقاء الجنسي لن يكون إلا في حالات نادرة كأداة للتفريغ إن وجدت وليس لقاءً حميماً».

ويرى أنه بما أن كثيرا من الزوجات ليس لديهم وظيفة وبعضهن غير حاصلات على شهادة وليس لديهن مكان يذهبن إليه، هنا، والحديث للزيود، تحتاج الزوجة أن «تقدّر ظرفها وتوازن: أي الشرّين أخف ضرراً عليها وهذا السؤال يقف لكل حالة بخصوصيتها».

عدد كبير من النساء يتجنبن المحاكم لطلب الطلاق ويواجههن اختياران أحلاهما مر: إما البقاء عند أزواجهم ويعشن تحت علاقة ضرر وضرار بدنيا أو نفسيا ومحاولة طلب الطلاق في يوم من الايام وتمر السنون، أو أن تطلب الطلاق الذي سيؤدي إلى عواقب وخيمة أمرها التشرد.