عمّان - جعفر العقيلي

قال الروائي والقاص الكويتي طالب الرفاعي إن الكتابة هي «النافذة الكبيرة» المُشرعة أمامه، وإنّ في الكتابة فسحةً تمكّنه من الهروب إلى الحرية والحلم والأمل، وتُقدّم له السلوى والعزاء والأمان في «لحظة إنسانية عاصفة يخيّم عليها القتل والدمار واللاعدالة».

وأضاف الرفاعي في الندوة التي استضافه فيها مختبر السرديات الأردني ضمن برنامج «سيرة سارد» ، إنه لا يجد فرقاً كبيراً في التعامل مع الأجناس الأدبية باستثناء ضرورة الاتكاء على أصول وشروط الكتابة الفنية في الجنس الأدبي الواحد، موضحاً أنه بدأ كتابة القصة القصيرة مع منتصف السبعينات، وأن عالماً من الألوان والأماني والمغامرات والأحلام انفتح أمامه وقتها، وسحره هذا العالم وهو يتجوّل في أعمال تشيخوف ويوسف إدريس وموباسان وزكريا تامر وغيرهم. وبيّن الرفاعي في الندوة التي أقيمت في نادي الأردن وأدارها رئيس مختبر السرديات القاص والمسرحي مفلح العدوان، أن الانتقال إلى عالم الرواية حدث في منتصف الثمانينات، حينما شعر أن هناك ما يريد أن يقوله لكن ثوب القصة القصيرة لا يتسع له، فكان أن صدر عمله الروائي الأول «ظل الشمس» عام 1998، وهو عمل يحمل همّه الشخصي وحبه لبلده، ورغبته في أن يراه قادراً على احتضان الأوجاع والانكسارات الإنسانية. وكشف أنه لم يكن يخطط منذ البداية لأن يكون روائياً، بل كان يسعى لأن يكون كاتباً قصصياً فقط، مدركاً أن كتابة القصة القصيرة «مشقّة ما بعدها مشقة»، وأن فن القصة في نظر القسم الأكبر من النقاد يُعَدّ من أصعب الأجناس الأدبية.

سردية البحر

وأوضح أن الكاتب يتوجب عليه أن ينظر في مادة جديدة يقدمها لقرائه، وهذا ما فعله الرفاعي مع رواية «النجدي» التي صدرت مؤخراً، فـ «النجدي» -كما بقية أعماله- رواية كويتية، بمعنى أن بيئة الكتابة الزمانية والمكانية تدور في الكويت.

كما إن الشخصية الرئيسية في العمل، هي شخصية قبطان (نوخذة) يواجه صعوبات الحياة بعزيمة قوية، متخذاً من البحر صديقاً وهاجساً، مؤمناً بأن الإنسان قادر على مصاحبة الطبيعة وفهم عوالمها حتى لو كانت صامتة وقاسية. ولفت إلى أن الكويت عاشت ردحاً من الزمن تعتمد على البحر مصدراً أساسياً لرزق أبنائها، و «النجدي» هي «رواية بحر»، فالنوخذة المغامرُ «علي النجدي» هو الشخصية الأساسية، لكن البحر يقاسمه البطولة.

وبيّن أن هذه الرواية «سيرة ذاتية حقيقية»، ترصد آخر اثنتي عشرة ساعة في عمر النجدي، لتكون مرآة بوح تستوعب سبعين سنة من عمر الرجل. مؤكداً أن حياة النجدي في وجهها الآخر هي حياة المجتمع الكويتي في انتقاله من البساطة قبل اكتشاف وتصدير النفط إلى مجتمع الحداثة بعد ذلك. وأن رواية «النجدي» تقف في مواجهة عاصفةٍ تفاجئ القبطان، لتكشف عن صراع الإنسان مع البحر في لحظةٍ من لحظات جنون البحر وضراوته. وأقرّ بأن كتابة السيرة الذاتية الصريحة وفق مدرسة التخييل الذاتي مغامرة كبيرة، كونها تستوجب كتابة أجزاء من سيرة حياة الكاتب الحقيقية ببيئته وعلاقاته بأقربائه وأصدقائه، وهذا يعني «السير وسط حقل ألغام»، فإذا كان الكاتب يمتلك حرية الكتابة عن حياته الخاصة وكشف مستورها، فمن المؤكد أنه لا يملك الحق بالكتابة عن حياة الآخرين. إضافة إلى أن كتابة السيرة الذاتية الحقيقية، تستوجب «صدقاً عالياً مع النفس ومع الواقع»، ولهذا الصدق ثمن باهظ وقد يكون قاصماً للظهر، كونه «يعرّي حقائق عن حياة الكاتب وعن الآخرين وعن الواقع».

وأشار إلى أن حياة الكاتب «جزء مُوْحٍ» يشير إلى طبيعة الحياة الاجتماعية في أيّ مجتمع، وبالتالي فإن كتابة السيرة الذاتية الحقيقية هي كتابة عن المجتمع وعن حياة الكاتب في هذا المجتمع. وحول واقع القصة القصيرة العربية وحضورها في المشهد، قال الرفاعي إن القصة فنّ يتصل بحياة الإنسان، وإنها مكوِّن أساسي في مسيرة البشرية منذ إنسان الكهوف، حيث كانت القصة/ الحكاية وسيلة لمساندة الإنسان ومواجهة الواقع، قبل أن تصبح مادة توثيقية دالّة لحياة الشعوب.

وأضاف أن مَن يرصد الإبداع العالمي يرى «عودة واضحة» لفن القصة القصيرة، وأنه متفائل بعودة القصة إلى طاولة القراءة وإلى اهتمام الجوائز العربية بها، خاصة وأن فن القصة «قادر على الانفتاح على أشكال كتابية جديدة تمس حياة الإنسان».

وتوقف عند تجربته في «الملتقى الثقافي» الذي تأسس سنة 2011 في الكويت، والذي يقدم أمسيات ثقافية وفنية يشارك فيها ضيوف من داخل الكويت وخارجها، ويقوم بتكريم شخصية ثقافية مرموقة سنوياً.

واستعرض الرفاعي تجربته في تدريس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية بالكويت منذ عام 2013، وتأسيسه «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» في عام 2015، بالشراكة بين الجامعة والملتقى، والتي جاءت لتحتفي بفن القصة القصيرة العربية وبكاتبها، بعدما تعرّضت له في العقود الأخيرة من تهميش بسبب «اجتياح جنس الرواية وطغيانه على ما سواه».

النص الصري

من جهته، قدم الروائي إلياس فركوح شهادة حول تجربة الرفاعي الإبداعية، حملت عنوان «معاينة شخصيَّة»، قال فيها: «بين الكتابة، والعمل النشط من أجل الكتابة وترسيخها، تحركَ طالب الرفاعي وما يزال». وأضاف: «بين مجموعته القصصيّة الأولى، وروايته المنشورة أخيراً، ثمّة رحلة ممتدة عبر ربع قرن. ربع قرن من النظر إلى أنّ كتابة القصة تعني نقل مناخات الواقع المعيش إلى الورق، الشخصيات وحكاياتهم، بتلوينات خاصّة اعتمدت التجربةً الذاتيَّة لكاتبها ومساءلته لها. وبذلك؛ يتحوَّل الواقع (المنقول) إلى (آخرَ)، هو وليس هو. كلاهما صادق بالتأكيد، غير أنّ أحدهما أكثر التصاقاً بلحمنا وتاريخنا الشخصي، والثاني أشدّ جذباً لأرواحنا ومشاغبةً لخيالنا».

وأشار إلى أن قصص وروايات طالب الرفاعي واقعية، لكنَّ بوصلةَ الكتابة غالباً ما دلّته إلى «المساحة الأخرى» الخاصّة بها، حيث للأدب قوانينه وشروطه الفنيّة. ولأنها كذلك؛ وَجَبَ على الرفاعي، أن يعملَ على تعميق تجربته طوال عشرين عاماً من كتابة القصص والروايات، وفَحْص نصوصها، بدراسته للكتابة الإبداعية، ونيله درجة الماجستير فيها من جامعة كنغستون في لندن.

وأكد أن الرفاعي، إضافة إلى ممارسته للكتابة السردية، نشطَ أيضاً من أجل ترسيخها وتوفير ما يجاورها من ضروب الفن، فأسسَ مجلة «الفنون» الشهرية عام 2001، وظلَّ مديراً لتحريرها حتّى 2008، كاشفاً عن دراية بالفن التشكيلي ومدارسه، ووعيٍ بالجمال وتنويعاته.

خصوصية التجربة

أما الناقد د.فيصل دراج، فتناول في ورقته النقدية عند رواية الرفاعي الأخيرة «النجدي»، ذاهباً إلى أنها رواية لا تنتسب لمدينة، فالمدينة تتمثل بحسبه في نماذج من المدن المغاربية والقاهرة، أما الكويت ودمشق وعمّان فلا ينطبق عليها هذا الوصف كما يرى.

وتوقف دراج عند سمات الشخصية الرئيسية في «النجدي»، وماهية الأحداث وما تعنيه في مسيرة الكاتب. لافتا إلى خصوصية تجربة الرفاعي في مجالَي الرواية والقصة القصيرة، وتطرق إلى شمولية الرواية لشخصية بطل العمل وبطولاته وصولاً إلى غيابه وسط البحر أواخر السبعينات وتحوله إلى رمز وأيقونة في أوساط المجتمع.

ودار نقاش واسع تصدّى إلى مسألة نفي المدينة في رواية «النجدي»، حيث رأى عدد كبير من المشاركين في المناقشات أن مدينة الكويت من المدن البحرية الأساسية في الخليج العربي، وأنها مدينة عربية إسلامية عريقة تعود نواتها الحديثة إلى ما قبل القرن السادس عشر، عدا دورها كمدينة في الحياة العربية الشرقية، مؤكدين أن نفي دور المدينة في الرواية «تقدير نقدي غير دقيق»، نظراً لاختلاف تعريفات النقاد والفلاسفة والمعماريين في ماهية المدينة وشكلها وأسرارها.