د. فاطمة نصير



أهم ما قدّمه التّسارع اليومي المُذهل في مسارات النّتاج الأدبي العالمي والعربي المعاصر، هو إلغاء تأشيرة الدخول والانتقال من نوع أدبي إلى آخر داخل النّص الواحد، هذا ليس تحرراً من التزامات الضوابط الأجناسية بقدر ما هو تحدٍّ كبير للرّفع من قيمة الفكرة التي تأبى الانصياع المُطلق للنوع والشّكل من جهة، وتنفلت من إملاءات النظريات التي كُتبت في زمن ما لأنماط كتابية محدّدة وفي ظروف معيّنة من جهة ثانية.

للإشارة، فإنّ ما يحدث من تداخل هو إيذان بدخول مرحلة جديدة تنهض على تفتيت نظرية الأجناس الأدبية (Theory of literary genres) التي لاقت رواجاً كبيراً وتوسّعاً عالمياً منذ بدء مناداة الأوربيين بها في القرن التاسع عشر على رأسهم الفرنسي فيرديناند برونتيار (Ferdinand Brunetière) الذي دبّج كتاباً بعنوان «تطور الأجناس في تاريخ الأدب» قدّم فيه إسقاطات مستوحاة من النظرية الداروينية (تطور الأجناس البشرية).

تفتيتُ فكرة الأجناس الأدبية قامت على أنقاضه فكرة جديدة فرضَها التمازج والتضايف الذي حدث فعلياً داخل الكثير من النصوص، تلك الفكرة تشكّلت منها نظرية كبرى في الدرس النقدي الحديث، ألا وهي نظرية تداخل الأجناس الأدبية أو ما عُرف في البداية بـ»نظرية العلاقة بين الفنون» التي يعدّ الألماني ليسينج (lessing) رائدها، وهي نظرية تنهض في الأساس على تناول الفنون المتعدّدة باعتبار كلّ فن له أدواته ووسائله المختلفة، التي من شأنها أن تحدث إضافة للفن الآخر. وقد جاء بعد ذلك باحثون ونقّاد كثيرون أثْروا النظرية، من بينهم الإيطالي كروشيه (croci). وهذا التأثير والتأثّر والإثراء الذي حدث للفكرة والنظرية، جعل منها مبحثاً مهماً في الدراسات الأدبية والنقدية عالمياً، لتكون بذلك مرحلة جديدة تتيح لمياه الأجناس الأدبية والفنون أن تتمازج بوعي لا يلغي أهمية التجنيس بشكل كلي.

جاءت مجموعة «رباعيات الفردوس» الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» (2017) للكاتب الأردني مخلد بركات، في شكل «متواليات»، وهو مصطلح مستضاف من حقل العلوم الدقيقة، وتحديداً الهندسة، وهنا إحالة خفية بأنّ الخلق الأدبي والفني ، يستثمر كل المعارف والعلوم لإخراج العمل في هيئة نهائية يرجو لها كاتبها الاكتمال، عن طريق القراءات التي تعيد إنتاج النّص وفق رؤى متشابهة وأخرى متباينة وأخرى متفرّدة.

من منجم الأسطورة الذي لا ينضب، اغترف مخلد بركات وصاغ نصوصه ثم سكبها في قالب رباعيات، هذا القالب الذي ظلّ ردحاً من الزّمن حكراً على الشّعر؛ أربع رباعيات، داخل كل رباعية أربعة نصوص مشدودة بوثاق المعنى الرابط بينها بشدّة.

الرباعيات عناوينها كالآتي: «رباعية الفناء»، «رباعية الخديعة»، «رباعية اليقظة»، و»رباعية الميلاد»، وتحيل كلّ هذه العناوين المركّبة إلى استلهام قصّة الخلق، ومن ثمّة استحضار ثنائية (الموت/ الحياة)، هذه الثنائية التي تمسك بأهداب الوجود ككل، وليست ماسكة ببنية هذه النصوص أو غيرها فحسب.

يستند الكاتب في نصوصه إلى الأسطورة، دون أن يكرّرها كما جاءت في شكلها الأول، فهو يأخذ الأسطورة ليعيد صياغتها وفقاً للرؤية والفكرة المراد كتابتها، وقد تمّ الإشارة في صدارة المجموعة أنّ «هذه المتوالية القصصية مجموعة من الأساطير الكنعانية والإغريقية والبابلية، مثل أيل، تموز، السيبل، أنكيدو، جلجامش، أوتنابشتيم (نوح بابلي)، سيزيف وصخرته، بريمثيوس سارق نار الآلهة وغيرها، وهي تعرّف بنفسها وتعطي مدلولها من خلال السياق الذي وردت فيه».

حضور الأسطورة بقوّة حدّ نحت النصوص منها، هو استحضار للتاريخ بشكل أو بآخر، ومن ناحية أخرى فإنّ هذه الكثافة المعرفية في نصوص الرباعية لم تلغِ الصفة الفنية ولا تُغيّب الأدبية عن النصوص التي حرص الكاتب أن يصدّرها باقتباسات لكبار أدباء العرب، محاولاً من خلال ذاك الاقتباس أن يضع خطاً رفيعاً واصلاً بين الاقتباس الذي من المؤكد تمّ اختياره بدقّة وقصدية وبين نصوص الرباعية بالمجمل.

فرباعية الفناء تضمّ أربعة نصوص (ملح، قارب، بقجة، بقجة ملح في قارب)، وفي واجهتها مقولة لمحمد الماغوط: «أيّها السّجانون أريد كفناً واسعاً لأحلامي».

ورباعية الخديعة تشمل أربعة نصوص (قميص، صندوق، غار، قميص داخل صندوق في غار)، وتمّ تصديرها بمقولة ليوسف السباعي: «ليس الذنب ذنبي.. إنّه ذنب الذي سكب النّفاق والغش والخديعة في النهّر».

ورباعية اليقظة تضم أربعة نصوس (عنكبوت، صخرة، نار، عنكبوت فوق صخرة يراقب نار)، وتتصدرها مقولة لجبران خليل جبران: «ما تجمعه الأحلام تفرّقه اليقظة».

ورباعية الميلاد تضم أربعة نصوص (ناقة، رماد، خروج، خروج ناقة من رماد)، ويتصدرها اقتباس من نص لمحمود درويش: «وأكلنا شجر البلّوط..كي نشهد ميلاد صباحك أيّها النّسر الذي يرسف في الأغلال دون سبب».

كلّ الاقتباسات التي وردت تابعة لعناوين الرباعيات، هي عتباتٌ من شأنها المساهمة في تشكيل بنية النص من جهة، ومن جهة أخرى لها غايات ووظائف كثيرة. وتجدر الإشارة إلى أنّ العتبات باب مهم من أبواب الدراسات النقدية المعاصرة، لذا صار الكاتب المعاصر يولي أهمية بالغة للعنوان الكبير والعناوين الفرعية والاقتباسات التي تأتي في مداخل الفصول وغير ذلك، لكن الملاحظ أنّ الكاتب اكتفى بالاقتباس من نصوص لأدباء عرب فقط، مع أنّ النصوص جاءت منفتحة على ثقافات وحضارات أخرى كما هو ملاحَظ في تعدّد مشارب الأساطير الشرقية والغربية المستضافة في الرباعيات.

تقوم المجموعة على وضع عناوين النصوص داخل كل رباعية بشكل فردي، فيما العنوان الرابع من كل مجموعة يأتي مركباً، وتركيبته مكوّنة من جمع العناوين الثلاثة الأولى للنصوص الواردة في الرباعية نفسها، وهذه التركيبة قصدية ولا شك، وما يُثبت قصديتها تكررها أربع مرات، العنوان الرابع في كل رباعية والمنحوت أساساً من عناوين مجمل العناوين الثلاثة السابقة هو عنوان يؤكّد التماسك النّصي والسياقي لكلّ رباعية، إذ لا يمكن قراءة نصّ من الرباعية بمنأى عن بنية الرباعية بالكامل، وكلّ محاولة لقراءة نص واحد فقط من إحدى الرباعيات منتزَع من مجمل النصوص التي اندرجت في الرباعية نفسها، هو إجهاض للمعنى قبل اكتماله في الذهن، وبتر/ كسر لكتلة النّص الذي لا يستقيم بناؤه إلا على أربعة جدران/ نصوص، وهي الصياغة التي بُنيت عليها مجموعة «رباعيات الفردوس».

هذا الثراء المعرفي لم يلغِ الانتماء الفني الأدبي للنصوص، كما إنّ انتماء النصوص للقصة لم يمنع من أن تفيد كثيراً من الفنون المجاورة لا سيما السينما من خلال التلاعب بالصور والاهتمام بالتشكيل البصري والكولاج.. وغير ذلك ممّا تمّ الاستناد إليه أو استعارته من عوالم النّحت والرّسم والمسرح، دون إهمال النفس الملحمي باعتباره سيّد الأنماط الكتابية في الأدب على تباينها أو تشابهها.

هذا الالتقاء والتقاطع بين المعرفي والفني والأدبي، ساهم في رفع النّص من مستوى التلقي العادي، إلى مستوى التلقي الذي يفرض تعدّد التأويلات في كلّ مرة، فهي نصوص متعددة النوافذ والأبواب، ولا تلزم قرّاءها بالدخول في شكل حشود من باب واحد فحسب.

يمكن اعتبار مجموعة «رباعيات الفردوس» لمخلد بركات، خطوة تجريبية في مجال الكتابة الإبداعية الأدبية، فلا خضوع مطلق للنظريات، ولا انفلات كلّي من قيود الكتابة التي تجعل من النّص أدبياً، ثمّ إنّ هذا الاهتمام الملحوظ بالاشتغال على المستويين الفني والمعرفي بشكل متوازٍ يُعتبر انتصاراً لضرورة إثراء السرديات العربية المعاصرة، وإخراجها من بوتقة الحكي القائم على تقاليد وأعراف مثّلت فترة من الزّمن (خصوصاً المرحلة الشفاهية وبعدها الكتابة الكلاسيكية )، لكنّها لا يمكن أن تظلّ نموذجاً دائماً في الكتابة السردية، وعليه فإنّ هذه النصوص خفّفت من حدّة الاهتمام بالحدث، ولم تكترث بالشخصية ورسمها ونحتها واقتفاء أثرها من النشوء إلى الارتقاء فالتطوّر، وغير ذلك من المحدّدات التي جعلت من المجموعة تجريبية بامتياز.

• ناقدة وأكاديمية جزائرية