د.خالد محمد عبد الغني*

(1)

الشاعر سمير درويش، مثقف عضوي مغموس في هموم الوطن، وأحد أبرز أبناء جيل الثمانينات، وصاحب خمس عشرة مجموعة شعرية، وهو بتنوع نتاجه/ مشروعه الشعري وخطابه الثقافي بعامة يعدّ جيلاً وحده، وسط هذه الكثرة من الشعراء على الساحة الثقافية المصرية، فما من أحد من أبناء هذا الجيل لديه هذا النتاج –كمّاً- ولا هذا التنوع –كيفاً- ولا ملامح واضحة لخطاب ثقافي ثابت رغم التغيرات المجتمعية السريعة سياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً والتي وضعت النخبة المصرية في مأزق يصعب تجاوزه.

تضم مجموعة «مرايا نيويورك» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2016) إحدى وثلاثين قصيدة، تعكس نمط الحياة وملامح البشر والشوارع والحكايات كما تستدعي عوالم الشاعر الخاصة التي يحملها معه أينما ذهب وتشكل ملامح ثقافته العامة وجذورها وكيفية تشكلها.

وتعكس دلالة المرايا آلية الانعكاس الذي نأى عن مفهومه القديم الذي شاع مع ما عُرِفَ بالشعر الواقعي. فنحن هنا أمام انعكاسات مغايرة يداخلها الخيال أحياناً والوصف الخارجي الشبيه بالمحايد، أحياناً أخرى، فيتخذ الشاعر من الذات في علاقاتها المتعددة مع الأنثى محوراً أساسياً في غالبية قصائد هذه المجموعة. المرأة إذاً هي الدافع والغاية، وهي التي تفجّر الشعر وتطْلق طاقاته وخيالاته.

إن دخول المرأة وحضورها مصاحب لميلاد القصيدة، ومن هنا يأتي الافتتان بوصفها الحسّي ومطاردتها بوصفها مثيراً أوليّاً للشعر سواء كانت امرأة مدينية أو ريفية:

«تحمل جرَّة الماء على رأسها وتمشي

فارضة سطوة رقتها» (ص16).

إن خيال الشاعر المرتبط بالأنثى في «مرايا نيويورك» يؤكد مفهوم الخيال لدى «جاك لاكان» لوصف الميل المتمرد للحافز وفقاً لهدفه. فالوظائف التي يحكمها الخيال هي أكثر الوظائف عرضة للتنقل من هدف إلى آخر، وخير مثال لتلك الوظائف هي الجنسية البشرية. فـ «لاكان» يرى أن الدائرة الكلية للسلوك الجنسي في عالم الحيوان، تتم السيطرة عليها بوساطة الخيال. فالسلوك الحسي هو أعظم الاحتمالات لحدوث الإزاحة، حتى بالنسبة للحيوان. والطاقة الكامنة من أجل الإزاحة تتمركز في قلب وظيفة الخيال في البشر، وهي في الحقيقة جزء من التعريف الدقيق لـ»الخيال»: في السلوك الجنسي لدى الإنسان يلعب الخيال دوراً أساسيّاً وكذلك تحدث الإزاحة. ويكون هذا السلوك «خيالياً» عندما يكون اتجاهه نحو صورة ما، وقيمته كصورة بالنسبة لفرد آخر تجعل من الممكن إزاحته خارج دائرة إشباع الحاجات الطبيعية.

والشاعر هنا وقد غيّر هدفه وأزاحه فعلياً إلى مجرد صورة الكترونية يرسلها، أو تعليق عليها يضعه عبر الهاتف يقول:

«لعلّني محظوظٌ لأنني أقرأ الصورَ بمهارة

وأقولُ للجميلينَ إنهُمْ جميلون

في عيونِّهِّمْ

ولأنني، لهذا، أختارُ انعزالي بعنايةٍ

حتى إن الشرفتين تتسخُ أرضيتُهُمَا دائماً

دونَ أن ألحظَ هذا بالفعلْ.

لعلنِّي محظوظٌ لأن امرأة ما في العالم

تنتظرُ وردةً إلكترونيةً في بريدهَا

كل صباحٍ

فأقولُ إنني أحبُّها

كما لم يحب أحدٌ أحداً

فتبدُو فرحانةً أكثرَ مما تحتملُ ذاكرتي!» (ص66).

وتظهر في المجموعة صورة أخرى للإزاحة حيث الرغبة المنزاحة إلى أعلى (الصدر) بدلاً من أسفل المنطقة الجنسية، فكأن الشاعر يتفق مع ما يقوله التحليل النفسي الكلاسيكي من أن العمى هو وريث عقدة أوديب، فبدلاً من أن يعاقب أوديب نفسه على الزواج من أمه وإنجاب أبنائه منها بإخصاء نفسه، وجدناه يفقأ عينيه، وفي ذلك دليل على إزاحة العدوان من الإخصاء إلى فقء العين، كتعبير رمزي، وفي «مرايا نيويوك» نلاحظ الإزاحة كما يلي:

«وألوان الفساتين

«...التي تتحرر الصدور من فتحاتها الواسعة» (ص15).

«فساتين سهرة مفتوحة، صدور، ملابس عصرية» (ص28).

«فوق صدرٍ وافٍر يعشق الشعر الذي يتوغل

باحثاً عن جنية عاشقة» (ص32).

(2)

وإذا ما كان الإبداع ظاهرة سلوكية فإنه لا يمكن فهم الشعر إلا بمعرفة العلاقة المعينة بين الشاعر ومجتمعه، ولهذا اعتُبرت العبقرية لدى الشاعر قرينة علاقته بالمجتمع، وهذا هو دور الـ»نحن» في تحقق العبقرية، فحركة الإبداع لا تتم إلا بتحقق الـ»نحن». فالشاعر والمجتمع وحدة دينامية بكل ما لهذا التعبير من معنى. لذلك كانت علاقة الشعر والشاعر وحياة المجتمع موضع اهتمام العلماء والمفكرين منذ أفلاطون وحتى الآن، وما أحرى أن يهتم الشعراء بقضايا المجتمع وأن ينهضوا بمسؤولياتهم وتطوير أدواتهم، وألّا يقتصر اهتمامهم على التمرد على القافية وبحور الشعر وقيود الصنعة.

وفي «مرايا نيويورك» يتجلى بوضوح تماهي الذات الشاعرة مع قضايا المجتمع وأزماته، حيث يعبّر الشاعر بتمرده ومن خلال قاموسه الشعري، في لغة شعرية هامسة حيناً وزاعقة حيناً آخر وسهلة ويسيرة أيضاً، ومن خلال صور غامضة أو لا تخلو من مباشرة في كثير من الأحيان؛ عن هموم الذات الشاعرة في علاقتها بهموم المجتمع المحلي والعالمي أيضاً:

«لعلنِّي محظوظٌ لأنني سأموتُ مبكرا ميتةَ آبائي

حينَ يتجلّطُ الدمُ في عروقي

أو يتفجّرُ خارجاً من شعيرات دماغي

ولأنني، مثلُهُمْ،

لن أصيرَ محايداً

أتابعُ الأحداثَ حولي

كأنهَا لا تخصُّني أنا بالذات» (ص65).

وتستمر الذات الشاعرة في عرض سلبيات مجتمعها في محاولةٍ لدق ناقوس الخطر والتحذير من مغبة الاستمرار في تلك العشوائية البغيضة التي تجعل من ساكنيها أناساً مهمشين ضعيفي الولاء والانتماء:

«المطربونَ العاطفيونَ ليسُوا مسؤولينَ

عن الاختناقات المرورية،

وإشغالات الأرصفة،

واللوحات الإعلانية المضيئة في الليل

على واجهات بيوتٍ عشوائيةٍ،

تَنبتُ شيطانيّاً في المدن

التي تحتلُّهَا أعمدةُ الإنارةِ المطفأةْ!» (ص14).

ويوجه الشاعر سهامه نحو الطبقية ومجتمع الرأسمالية وسلوكاته البغيضة المملوءة بنرجسية غشوم لا ترى الآخر ولا تهتم بما يعانيه في واقعه اليومي المرير:

«الصرخاتُ التي تقطعُ المسافات

بيني وبين الأجساد الممشوقة،

التي تقتحمُني، تلكَ،

ليستْ سوى صورةٍ مصغّرةٍ من صرخاتِ المخمورينَ،

في الحاناتِّ الساحليةِّ،

حين يغنّي مطربٌ عاطفيٌّ، مثلي،

قصيدةً مملوءةً بالغنج. هناك:

لا نتذكرُ العشوائيات، والأعمدةَ المطفأةَ،

وإشغالاتِ الأرصفةِ، والتكدُّسَ المروري» (ص15).

(3)

إن الدلالة المستوحاة من المكان، لا تنبثق -بالضرورة- من المكان برمته، فقد تنبثق من أحد عناصره أو أحد متعلقاته. والفيصل في ذلك هو السياق المكاني في النص وتفاعل عناصر النص داخل السياق. فتحليق الطير في السماء -مثلاً- يمكن تفسيره على أنه رمز للحرية والأنا الأعلى بما تنطوي عليه من مثالية وأهداف نبيلة. كما إن السماء في حد ذاتها يمكن أن تكون رمزاً للاعتلاء والصعود الروحي والقوة والخلود.

وفي «مرايا نيويورك» يُستخدَم لفظ «السماء» كإشارة إلى الرغبة في الحرية التي بلا سقف على المستوى الرأسي:

«الذين يريدون الصعود إلى سدرة المنتهى» (ص21).

وتظهر الشواع كدليل على الانطلاق دون قيود وكأنها حرية مفتوحة الجنبات على المستوى الأفقي:

«ويتسكعون على أرصفة المدن الكبرى» (ص9).

«سأعبر الشارع عند الإشاة الضوئية» (ص37).

«والشواع الخالية من المارة» (ص92).

«تعبر الشوارع دون أن تخاف» (ص94).

والمتابع لسيرة الشاعر سيدرك أن انتشار مفردة «الشارع» في مجموعته دليل على سيطرة الرغبة في الحرية على بنائه المعرفي والوجداني، وكأن كلمة «الشاعر» (سمير درويش)، هي المعادل الموضوعي لكلمة «الشارع» (الحرية)، وكأن شعرية المكان هنا تتحدد في تخلّيه عن الوظيفة المرجعية ودوره في الإيهام بالواقعية في إهاب شفيف من الإطلاقية.

(4)

لأن اللون يوحي بالصدق في الحكم وفي محاورة الأشياء وإحيائها واستحياء التجربة الشعرية والعيش فيها، فإن ذكْرَه في النص لا يأتي صدفة أو لوظيفة زخرفية جمالية محضة، بل يأتي لهدف نفسي يثري التجربة والمعنى.

فتوظيف اللون في حد ذاته يمدُّنا بصورة مرئية للمكان أو أحد معتقداته، كما إن تحديد الألوان أو التركيز على لون بعينه أمر له ثقله في الدلالة، استناداً إلى أن هناك ألواناً أساسية وأخرى ثانوية. فإذا ما وصف الروائي مكاناً ما -وليكن البحر مثلاً- مضفياً على مياهه اللونين الأخضر والأزرق، وجدنا أن اللونين يعطيان تفسيراً طبيعيّاً للمكان من حيث أبعاده المسافية، فاللون الأخضر يرتبط على نحو خاص بالمياه القريبة من الشاطئ والمياه الضحلة، أما اللون الأزرق فيرتبط بالمياه البعيدة العميقة.

ومع تسليمنا بأن عملية الوصف باستخدام الألوان لها دلالة رمزية، ولما كانت الألوان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات التفكير والانفعالات، فإننا نجد أن إضفاء اللونين الأخضر والأزرق على مياه البحر يؤكد رمزية المياه في الأصول المرجعية باعتبارها أحد عناصر البداية والحياة والاستمرارية والقوة. ذلك أن اللون الأزرق يعدّ من الألوان الأساسية الأولية التي لا تقبل الانقسام، فهو لا يتولد من لون آخر.

ولأن النظرة إلى الألوان تعكس حالة سيكولوجية متولدة من المعتقدات الاجتماعية، وإذا جاز لنا أن نتصور وصف المكان -كالسرداب مثلاً- بالقتامة والظلمة، يمكن القول إن السواد أو القتامة المستوحيين من الظلمة، قد يرمزان إلى الغموض والمجهول والاكتئاب والقلق، وهي دلالات نستوحيها من ارتباط اللون بكلمة «السرداب» بما تثيره هذه الكلمة في ذهن المتلقي من تصور لضيق السرداب وطوله. وهذا الجمع بين لون السرداب وشكله المتخيل قد يؤدي إلى استنتاج استمرارية آنية هذه الدلالات.

والتوظيف الشعري لدلالات اللون واضحة في مجموعة سمير درويش، ولكننا سنختار بعضها فقط، إذ يرتبط البياض «بيضاء للناظرين» بمرحلة عمرية محددة هي الطفولة والصبا، كما يرتبط اللون الأحمر بالإثارة. وهو ما يبدو أيضاً في قصيدة «الأحمر الشفَّاف»:

«لماذا أحب الأحمر

حين يداهم امرأة

تبدو شفافة ولينة ملساء

وأيقونة حزن

أو ربما أحب المرأة

التي تداهم الأحمر

حين يكون مستكيناً في خزانتها

كي تبدو نمرة أو غزالة» (ص22).

ويقول في قصيدة «الفستان الأزرق» -ولنلاحظ أيضاً دلالة اللون على الصفاء-:

«لستُ متأكداً

أنني الرجل الذي سيختار فساتينك،

ويكتب على ذيولها قصائد ملتهبة

في خواتيم السهرات العائلية» (ص51).

* ناقد مصري