د.عبدالهادي المدادحة*

يحكى أنه في ليلة السابع والعشرين من رمضان المبارك في العام 1438 للهجرة، دخلت دينازاد حجرة نوم شقيقتها شهرزاد واقتربت من السرير الذي رقد فيه الملك شهريار مع زوجته شهرزاد وأبناؤه الثلاثة منذ عقود طويلة، هزّت شقيقتها بعنف فأيقظتها من سباتها العميق وقالت:

- يا للعجب، البغداديُّ من الموصل انسحب وأمرَ بسحب القوات من حلب.

اندهشت شهرزاد لِما سمعتْ من كلام، ظنت أنها ما زالت بين يقظة ومنام، بعد ليلة عسل وغرام، تعانق فيها الجن والأنام، والدنيا تجري على خير ما يرام.

أعادت دينازاد هز شقيقتها لتوقظها من سباتها العميق، فتسألها لعلها تنير لها الطريق، كيف ستكون الأحوال في شهر شوال؟

قالت شهرزاد:

- هل عاد الخليفة إلى بغداد وترك القسطنطينية والفسطاط؟ دمشق هل فيها من يصدّ الفرنجة؟ كيف حال أهلنا في القدس وطنجة؟ هل يدافع الخليفة عن كل الثغور، وهل أسطوله ما زال مسيطراً على كل البحور؟

أجابت دينازاد:

- البغداديُّ يقاتل التحالف الدولي في الموصل، ويقاتل تحالفاً آخر في حلب، وكان يسكن الموصلَ والرقّةَ وعينَ العرب.

أثار كلام دينازاد اندهاشاً أكبر في نفس شهرزاد ولم تعد تفهم ماذا تقول شقيقتها، فأسرعت إلى وعاء فيه بعض الماء وأخذت تردد كلمات مسجوعة غير مفهومة، وأشارت بيدها إلى الماء، فانطلق من الوعاء ماردٌ من دخان أزرق، أنفه معقوف ويضع على رأسه قبعة بيضاء طويلة فيها خطوط حمراء مستطيلة ومرصعة بإحدى وخمسين نجمة جميلة، وبيده صولحان على شكل أفعى من الجان تعلوه نجمة يقال إنها لسليمان، وقال:

- شبّيك لبّيك.. المارد بين يديك سيدتي.

لم ترَ شهرزاد هذا المارد من قبل، يبس لعابها في فمها، لم تستطع أن تنطق بكلمة. أخرج المارد قارورة زجاجية من جيبه، فيها ماء بارد وقال لها:

- اشربي الماء ولا تخافي، نحن أحفاد المارد الذي كنت تعرفينه من قبل، سنقدم لك خدمات أفضل وأسرع مما كان أجدادنا يقدمون لك.

شربت شهرزاد قليلاً من الماء وقالت:

- هل عاد الخليفة إلى بغداد وترك القسطنطينية والفسطاط؟ دمشق هل فيها من يصدّ الفرنجة؟ كيف حال أهلنا في القدس وطنجة؟ هل يدافع الخليفة عن كل الثغور، وهل أسطوله ما زال مسيطراً على كل البحور؟

أجاب المارد:

- لا تقلقي مولاتي، لم تعد هناك ثغور، فالدرب مفتوح لمن أراد العبور، واختلط الروم والفرس بالعرب، والفرنجة والأحباش بالعرب، وتنصّل العرب من العرب، وتحالف العرب مع العرب، وتحارب العرب مع العرب. واصبحت البحور تحمل الأحباش والعرب في حالة من الكرب والهرب إلى بلاد فيها أمان، وفيها سلطان يحكم بالدستور ويجير الغريب والمقهور ، فأهلك، مَن نجا منهم، في أمان، بعد أن قذفتهم الأمواج على الشطآن.

قالت شهرزاد:

- أحضر لي الخليفة الآن، لأرى من هو وما هو؛ أإنسٌ أم جان؟

أحضر المارد كتباً صفراء، كل ما فيها من القول هراء.

وأحضر معها أيضاً قرصاً مدمجاً وجهازَ حاسوب وقال:

- مولاتي، أنصح أن نقرأ النصوص من القرص المدمج تجنباً لأيِّ تلفٍ قد يصيب الكتب.

قالت شهرزاد بغضب:

- أتسخر مني أيها المارد اللعين، أين العرب؟

ضحك المارد الأزرق وأشار بصولجانه إلى قبعته التي تعلو رأسه وقال:

- التحالف سيقوم بواجبه خير قيام، أوصيك -يا مولاتي- بالصمت والالتزام.

كفت شهرزاد عن الكلام المباح، ولاح الصباح، ودخل الناس في صيام وجوع وتعب، الكل ينتظر الغروب، لكن بعجب.

* كاتب أردني