حسام الرشيد *

المقعد خالٍ

على مسنَدَيْهِ يدا الشاعر

كانتا

تهجعان كغصنَي صفصاف

ولا تورقان

سوى العَرَق الملحي

ورائحة الفوبيا

من نهوضٍ قسري

والقصيدة تحبس أنفاسها

بالمخاض الأخير

لترنو

إلى لحظة الميلاد

هنا

كان يجلسُ قدّيسا

يتأمل خارطة الأشياء

يخطّ قوافيه

قنديلاً بين نجمين

علّقه

كالنبوءة تتلو مزامير أشجانها

والدمع مداد!

***

الطاولة مهمَلة

ذرات الغبار على سطحها

غابةٌ من رماد

دبابيس سقطت من رزمة أوراق

صرصار

على ظهره مقلوب

قلم جاف

حَبّتا إسبرين

إذا ما الصداع برأس الشاعر

دقّ الأوتاد!

***

في الزاوية اليمنى

من طاولة الشاعر

إسطوانة موسيقا

لـ باخ

كتابٌ اصفرَّت أوراقه

مكتوب على كعبِه العاري:

ديوان أمل دنقل..

بروازٌ نحاسيّ بين أضلاعه

صورة بالأبيض والأسود

للشاعر

وهو يمارس طقسَ كتابته..

الوجهُ كئيبٌ كنجم

يسربله غيمٌ من رصاص

عيونُه مثقَلة بالأسى

حين يحرق

وردَ الفؤاد

***

في الزاوية اليسرى

من طاولة الشاعر

سيجارٌ محترقُ الأحشاء

غليونٌ خشبيّ

فاحت رائحةُ التبغ من جوفه

ورقةٌ بيضاء

لها ملمسٌ ناعم جدا

مثل زهرة لبّاد

فنجانٌ بيضويّ الشكل

على بطنه

رسمٌ متقن لزهور ناحلة

لونها حالك

كغرابيب

حبلى بالسواد

***

الشاعر مات

وغرفته ما تزال تحنّ

لعبق سجائره

لحفيف خُطاه إذا الليل جنّ

لورقته البيضاء يداعبها بأنامله

للقهوة

يرشفها باتّئاد

لشيطان الشعر يتلو عليه

أناجيله

ثم يمضي بعيدا

كظلٍّ شحيح

لبهجتِه وهو يقطف أعلى الكلام

ويحلم بالريح

تحمله

فوق الراحتين غماما

وتمطره

في مواسمها شحرورا

على النهر غنّى

وقد فرّ

من قبضةِ الصياد

***

الشاعر مات

وغرفته ما تزال

ترتلّ أحزانها

إلياذةَ دمع وسفْرَ حداد

كـ بنيلوب مدّت خيوط الرجاء

لموجٍ سعى

بين عينيها ولم يأتِها

ببشارة عوليس

حين تاه بصحراء اليمّ

قرونا

فألقى عصا الترحال

وما عاد

***

غرفة الشاعر

تمضي إلى حتفها

في رحيق الختام

طوت

قمحَ أحلامها

والحطام حطام

رمت

حبقَ الأغنيات القديمة

حين أتى

فوق أحصنة الليل..

أبالسة أوغاد

رموا حيوات أبيهم

لتجار لخردوات

وما يبقى

باعوه « كراكيب»

في سوق المزاد!

* كاتب أردني