عمان-الرأي

افتتح برعاية سفيرة الأردن في واشنطن دينا قعوار معرض فنياً لأعمال هاني الحوراني، تحت عنوان «من فوق السور: إنطباعات من البلدة القديمة للقدس»، في جاليري «سيرا آرت» بالعاصمة الأميركية واشنطن.

المعرض يتزامن مع الذكرى الخمسين لاحتلال إسرائيل للقدس العربية والضفة الغربية في حرب حزيران 1967.

يحتوي معرض «من فوق السور» على عشرة أعمال تتراوح أحجامها ما بين المتوسطة والكبيرة، منفذة بألوان الأكرليك على القماش، وهي تختط تقنية هجينة، تمزج ما بين الفوتوغراف والرسم، على ما تميز به هاني حوراني من أسلوب يجمع ما بين جماليات التصوير الفوتوغرافي والرسم اليدوي. كما يتضمن المعرض نسخاً من أعماله السابقة، والمطبوعة على ورق خاص، مرقمة وموقعة.

كان المعرض «من فوق السور» أقيم في جاليري القدس، الذي تأسس منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، وأقام أكثر من 75 معرضاً للفنانين الفلسطينيين والعرب، ولفنانين أميركيين من أصول عربية.

وكان مارك جنكيز، المحرر الفني لصحيفة واشنطن بوست، كتب مقالاً عن معرض «من فوق السور» في الصفحة المخصصة لمراجعة المعارض والفعاليات الثقافية الهامة في العاصمة الأميركية، ومنه: «في منتصف الأشياء» تحيل الى الحكاية التي تبدأ من نقطة متوسطة، وهي جملة يمكن أيضاً أن تنطبق على الصورة التي تحتل مدخل معرض «من فوق السور: إنطباعات من البلدة القديمة للقدس» لهاني حوراني، والذي يعرض في جاليري القدس».

«إن الفنان الأردني يضع المشاهد وسط المدينة القديمة التي تحتوي بيوتاً قديمة تبدو كعلب من تنك وأسقف من القرميد الأحمر أحالها الزمن الى اللون البني، وقباب بيضاء، مع توشيحات من اللون الأخضر. ومع أنه يميل الى الاهتمام أكثر بالتفاصيل العمرانية للمدينة القديمة، أكثر مما يهتم بتفاصيلها الطبيعية، إلا أنه نجح في إقامة توازن ذكي ما بين الواقعية والانطباعية في أعماله».

«إن هاني حوراني الذي عرف أكثر كمصور فوتوغرافي منذ عام 1996 حين أقام أول معارضه الشخصية في التصوير الضوئي، عُرف أيضاً بلجوئه الى المواد المختلفة في تنفيذ لوحاته، وقد نفذ معرضه عن القدس بالاعتماد على صوره الفوتوغرافية التي التقطها عام 1996. إن بعض هذه الأعمال تنظر الى المدينة من منظور علوي، كما لو أن المشاهد يحدق الى الأسفل من خلف السور الذي يحيط بالمدينة، فيما نجد أعمالاً أخرى تتطلع الى القدس القديمة من خلال الأنتينات وأطباق الستلايت وحبال الغسيل على أسطح المنازل وبعض المآذن والأبراج. واحدة من هذه الأعمال تركز على بناء رئيسي، انه المسجد الأقصى. لكن، حتى هذه اللوحة لا تتأثر بالأجواء العمرانية الصاخبة حول المسجد الأقصى. وعلى الرغم من أن القدس القديمة هي كلية من صنع الأنسان، فإنها تبدو في لوحات حوراني كما لو أنها كيان عضوي».

في شهادة شخصية حول علاقته بمدينة القدس ومقاربته لها فنياً، كتب هاني حوراني عن معرضه هذا:»قبل عشرين عاماً كنت أزور القدس لأول مرة بعد احتلالها في حرب 1967. كانت لي زيارت سابقة بالطبع، وآخرها كانت قبل الحرب بسنة واحدة، في صيف 1966. وكنت بضيافة صديق الدراسة في الجامعة الأردنية، سامي الخطيب، الذي كان يقيم مع والدته في البيرة. حينها اعتدنا، سامي وأنا وصديق آخر قضاء بضعة أسابيع في الإجازة الصيفية في الضفة الغربية، حيث كنا نتنقل ما بين البيرة ورام الله والقدس والمدن الفلسطينية الأخرى.

ورغم أني زرت القدس القديمة مراراً في تسعينات القرن الماضي، إلا أن زيارتي الأولى لها بعد الاحتلال الاسرائيلي في عام 1996 كانت أكثر إثارة للعواطف. بناتي الثلاث كن برفقتي وكنا مدججين بكاميرات التصوير التي تنتمي الى العالم ما قبل الرقمي، والأهم ان جولتنا في المدينة كانت من فوق سور المدينة القديمة، إبتداء من باب العمود مروراً بأبواب القدس الأخرى، عابرين طريقاً ضيقاً وطويلاً تحيط بالمدينة القديمة. كما لو كانت قوساً أو سواراً لا يلتقي طرفاه، لكنه يحيط بما يكفي بأحياء القدس القديمة، وهكذا كنا نمر من فوق المنازل الحجرية والمباني التاريخية المقببة والمدارس الحكومية بملاعبها المتواضعة، وبين الحين والآخر تنفتح أسفلنا فجوات تكشف عن أزقة ضيقة وأسواق ودكاكين صغيرة، تغص بالباعة والمتبضعين والسائحين.

من فوق السور، كنا نطل على بعض تفاصيل حياة المقدسيين اليومية، مئات اللواقط المنصوبة فوق أسطح المنازل للتواصل مع العالم الأوسع وسماع الأخبار ومشاهدة المسلسلات الدرامية. وفوق أسطح المنازل تمتد حبال الغسيل حاملة عشرات قطع الثياب البيضاء والملونة، التي لا تكاد تجف حتى تحل محلها ثياباً أخرى لأفراد الأسر الممتدة تحت أسطح تلك المنازل القديمة.

ومن خلف عشرات، بل مئات الكوابل و»الدشات» وحبال الغسيل، تطل بين الحين والآخر قباب مساجد بعيدة وأبراج كنائس وأقواس نوافذ وبوابات، وبين هذه وتلك تخترق المشهد بضع شجرات زيتون أو بعض أشجار السرو التي ينتظم بعضها وراء بعض، كما لو أنها طابور حراسة.

ويختم هاني حوراني شهادته بقوله:»إن اللوحات المرافقة لهذا النص هنا ما هي إلا أصداء لرحلة حول القدس القديمة، إلتُقطت خلالها عشرات الصور الفوتوغرافية، الملونة وبالأبيض والأسود. لا تسعى هذه الأعمال إلى تمجيد المدينة المقدسة، فالقدس ليست بحاجة لي من أجل تأكيد قدسيتها. بل ربما كان المقصود من هذه الأعمال أن نرى القدس القديمة كما هي، بعيداً عن نزعة التقديس، مدينة صنعتها الحياة وشكلتها التطورات التاريخية والسياسية، لكنها بقيت مدينة أبنائها وسكانها الفلسطينيين، الذين يحاولون أن يواصلوا العيش يوماً بيوم في مبانيهم التي تركها لهم أجدادهم، وفي الوقت نفسه يتواصلون مع العالم. هكذا رأيت مدينة القدس من فوق السور.. قبل عشرين عاماً».