فيما تنتظر بعض الأطراف المنخرطة في الازمة السورية, مآلات المواجهة الدائرة الآن في الرقة، وخصوصاً بعد أن ذهب الأميركيون بعيداً في محاولتهم تغيير قواعد اللعبة, عبر شن المزيد من الهجمات على الجيش السوري والقوات الرديفة, تارة بضرب ارتال هذه القوات وقصفها بالطائرات, ومؤخراً إسقاط طائرة السوخوي السورية المقاتلة، بذريعة انها اغارت على قوات سوريا الديمقراطية التي تخوض معركة الرقة. وفيما لم يعد مؤكداً ما اذا كانت مفاوضات جنيف في نسختها السابعة ستلتئم في الموعد الذي حدّده المبعوث الدولي دي ميستورا في العاشر من الشهر المقبل..

نقول: في خِضم ذلك كله، يبدو الشرخ في صفوف المعارضات السورية التي «ركَنَها» الممولون والرعاة جانباً، قد اتسع وليس بمقدور احد في معسكريها السياسي والعسكري, الإدّعاء بان «الثوار» في وضع ميداني (أو سياسي) يسمح بمواصلة استخدام «ورقتهم» التي باتت محروقة في نظر كثير من العواصم والقوى الاقليمية والدولية، في أروقة قصر المؤتمرات في جنيف ولا حتى في استانا, بعد ان فقدت الفصائل المسلحة التي انخرطت في جولات استانا الاربع (قبل ان يُعطِّل الاتراك الجولة الخامسة) قدرتها على التأثير في مجريات الميدان السوري، إثر امر العمليات الذي صدر لهؤلاء بضرورة الانخراط والالتزام بتعليمات السيد الأميركي (في الجنوب السوري والبادية) واخرى للسيد التركي عبر غزوة درع الفرات، لحراسة الجيب الذي سيطر عليه الغزاة الاتراك في الشمال السوري, رغم الأنباء المتواترة عن بدء عمليات انشقاق جماعية في صفوف عملاء الاتراك من المُسلَّحين الذين عادوا الى المناطق المحررة, واعلنوا خلال تسليم اسلحتهم للجيش السوري انهم «لن يكونوا عبيداً للأتراك».

ما علينا..

جديد المعارضات السورية, تمثّل في رسائل الانسحاب من الهيئة العليا للمفاوضات التي ارسلها أعضاء بارزون في الهيئة، حملت تنديداً بالتجاذبات السياسية داخلها والغموض الذي يكتنف حراك الهيئة, واتّباع سياسة المحاصصة لا الكفاءات، و»الأمراض» التي يعاني منها هذا «الجسم» مثل التفرّد في التوجّهات الاساسية, والتخبّط والبعد عن الاحترافية في صنع القرارات، التي تراوح كثير منها ما بين الإفراط والتفريط بمقاربات مبسطة لا تتناسب مع تعقيدات المشهد، وغيرها من العبارات اللاذعة التي وردت في رسالتي ابرز المنسحبين وهما معاذ الخطيب الرئيس السابق للإئتلاف، ورئيس اللجنة القانونية في الهيئة محمد حسام حافظ، بعثا بهما الى أمين سر الهيئة العليا للمفاوضات صفوان عكاش، ناهيك عن الشريط/الفضيحة الذي بثته أطراف مُعارِضة بصوت محمد علوش رئيس الوفد المفاوض في استانا, يطلب فيه مبلغ مليون دولار شهرياً، كي تنضم قواته (جيش الاسلام) الى ائتلاف عسكري مع تنظيمات مسلحة أخرى.

وصل «الثوار» الى مأزقهم, بعد ان ادارت الظهر لهم, العواصم التي استخدمتهم دون طائل، وبعد ان فشلوا في اثبات اهليتهم لقيادة «ثورة» تم تصميمها في الغرف السوداء لإسقاط الدولة السورية واشاعة الفوضى المذهبية والطائفية والعِرقية والجهوية في بلاد الشام, وخصوصاً في تأمين إسرائيل وإراحتها وتأييد احتلالها للجولان السوري والشروع في تصفية القضية الفلسطينية.. حتى بات هؤلاء – ثوار الفنادق – في عجز تام عن مواصلة مشوارهم «النضالي», الذي يبدو انه وصل الى نهايته دون احتفال وداعي ولا حتى بتوزيع «دروع» نحاسية, عن مهرجان الكذب والارتزاق الذي قال لهم الاسياد والرعاة ان يسيروا فيه، ولم يكن حظهم ليختلف عن المصير الذي آل إليه ابرز هؤلاء مثل سيد الإليزيه السابق الذي ادار البازار المسمى اصدقاء سوريا، فرانسو هولاند، ولا كاميرون أو أوباما وخصوصاً مبعوثه المهرِّج روبرت فورد، الذي خرج يوم امس على الناس ليقول في ما يشبه الاعتراف امام كاهن الكنيسة: ان الولايات المتحدة اعطت السوريين «أملاً زائفاً» لأن مسؤولين أميركيين قدّموا وعوداً للمتظاهرين والمحتجّين, لم ينفذوها، مشيراً – في حديث الى صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم امس – الى ان سيرغي لافروف,»خدع» نظيره الاميركي جون كيري في صفقة الكيماوي 2013 وكان يعامله كـ»طفل», لِيخلُص الى القول, كاشِفاً عمق المؤامرة الأميركية على سوريا: كنت اعتقد ان حرب الاستنزاف ستكون قاسية على النظام, وسيُفاوِض على صفقة وحل تفاوضي لتشكيل حكومة ائتلافية مع معارضين ومستقلين. مضيفاً «..اكبر خطأ سياسي ارتكبته، اني لم اتوقع ان تُرسِل إيران وحزب الله آلاف المقاتلين لأجل الأسد».

لا حاجة الى مزيد من ترهات المُهرّج المستشرق الأميركي روبرت فورد، إذ ان المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات منذر ماخوس كتب «نعي» المعارضة بتصريحاته «الصادمة» لكثير من ثوار الفنادق عندما قال لرويترز: انه .. لا مقاتلي المعارضة (ولا حكومة الرئيس بشار الأسد) سيكون لهم اي نفوذ في صياغة حل سياسي, يُنهي الحرب الدائرة منذ ست سنوات في سوريا, لأن الحل السياسي اصبح رهينة المصالح الدولية. ليس ثمة اكثر تأكيداً على «موت» معارضة ثوار الفنادق, سوى هذا الاعتراف الذي ولأسباب معنوية زجّ حكومة دمشق في تصريحه, لكن الحقائق السياسية والاقليمية والدولية تقول عكس ذلك. في شأن دور الحكومة الشرعية في دمشق، امّا ان الثوار قد انتهى دورهم – او في طريقه الى ذلك – فهذه حقيقة ثابتة تعكسها موازين القوى وحال الجمود الكاملة (وفق تصريح ماخوس نفسه) التي أوصل مفاوضو الهيئة انفسهم اليها, بعد ان «حقنهم» الرعاة بمزيد من العناد ووضع الشروط التعجيزية, فإذا بهم الآن خارج المشهد ولم يتبق سوى تحديد موعد دفن مشروع التخريبي الذي انهك سوريا وشعبها.

ولعل (ماخوس) نطق بالحقيقة عندما أقرّ بأننا أصبحنا «...رهائن للمصالح الإقليمية.. والدولية».

- ...هل تخلّيتم عن تبجحاتكم, بأن «لا دور» للأسد في سوريا حتى في المرحلة الإنتقالية؟ وهل لم يَعُد لبيان جنيف «الأول» مكان على جدول اعمالكم ..الفارغ؟

kharroub@jpf.com.jo