للصحابة مواقف مع الحقّ، لا ينكرها أهلُ الحقّ، فمن خلال الأحداث التي يمرون بها، وهم العاملون وأكثرهم العالمون، نجدهم عند حدود اللهِ، وقافين، ولشريعته عاملين، ولا عجب من ذلك، فهم الدعاة للخير التاركين لكلّ شرّ، وما نتج منهم من جبال من الحسنات، لا يضره قليل خلاف أو اختلاف، وذلك قول أهل الإنصاف.

ومع تذكيرهم بآية أو بحديث شريف، فتراهم يرجعون عن قول أنفسهم، ويستغفرون إذ أفتوا ونصّ الوحي بينهم موجود.

فهذ عمر على منبر يوم الجمعة، وبين الناس يحدثهم، فقرر منع النساء من أخذ المهور العاليات، فتذكره امرأةٌ بآية من القرآن، عمر يحفظها: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا).

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه، وه إمام في قراءة القرآن وإقرائه، فيظن أن المعوذتين ليستا من سور القرآن الكريم، فيترك يقينه ليقين الناس، ويوافق مجموع الأمة الذي لا يجتمع على ضلالة.

وعبدالله بن عمر يقف عند كثير مما رواه أبو هريرة، ولم يعلمه ابنٌ عمر، وكثير من الصحابة كانوا يتوقفون عن الفتيا إن لم يكن لهم بها علمٌ ويحيلون الفتوى على أمهات المؤمنين، أو ممن يتوقعون أنه شهد حكمًا في ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم.

والمشاهد كثيرة منهم في حياتهم رضوان الله عليهم، في الوقوف عند حدود الله، والابتعاد عن الشبهات، وللفائدة، سنتناول بعضًا من الأمور التي يسرت لهم الوقوف لأوامر الوحيين. ومعرفتها من الـمُعين لنا جميعًا، على هذا الأمر الجليل:

أولًا: الزهد في الدنيا: فمعظم خلافات البشر على الدرهم والدينار، وعلى متاع من الأرض قليل. وذلك بين عامة الناس. ولكن الصحابة كانوا زاهدين فيها ولو كانوا أغنياء منها.

ثانيًا: التجرد لله تعالى: وهذا منبعه الإخلاص في القول والعمل. وبالإخلاص لا يمكن للشيطان أن يزيّن الحرامَ في عينِ المخلصين المخلصين. وأما من خالط قلبُه الهوى وحظوظ النفس، فتنغلق عليه المنافذ، فيزيغ ويهلك بأكل الحرام.

ثالثًا: العلم: فالعلم مانعٌ لكلّ من طلب الحق عن الخوض بالباطل، ومن غير العلم لن يطلب الرجل الحقّ.

رابعًا: المجتمع الفاضل: فقد كانوا بمجموعهم حريصين على أداء الحقوق إلى أصحابها، ولا يتخلف عنهم أحد، والأمانة اشتهرت في زمن الصحابة، فعادت عليهم بالبركة والمنعة والعزة والنماء.

( فليعد به على من لا زاد له )

في السفر يتعلّم الرجالُ أخلاقَ الرجال.وكثيرة هي مواقف الصحابة رضي اللهُ عنهم في الأسفار، مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم، فبينما هم معه في طريق سفر، أتى رَجُلٌ يحمل متاعه وراكبًا على راحلة (ناقة) هزيلة، لا تكاد تستقر به، وهنا الدرس الأخلاقيّ العظيم، أنّ رسول الله لم يُحوِج الرجل أن يطلب ويطرق بابَ المسألة، وفي ذلك حفظ لكرامة الإنسان، فقال: (من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زاد ، فليعد به على من لا زاد له). الرجل جاء وهو بحاجة إلى مركوب يحمله، فحضهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، على إعطائه مركوبًا إن كان عند أحدهم فضل (زيادة عن حاجته). فهو لم يأمر أحدًا أن يتنازل عن شيء لأحد، ثمّ قرن طلب الزاد مع المركوب، حتى لا يقال للرجل أنه أخذ مركوبًا بعد مسألة، كما أنه قد يحتاج إلى الطعام – هو أو غيره-، فكان الحثّ على الخير زيادة في الخير، والأسلوب النبويّ الراقي، لا يوازيه أسلوبٌ في طلب الخير للناس. ويزداد الأجر في وقت حاجة الناس لفضلِ ما نملكه.

لأنك الله

الحلقة الرابعة والعشرون

الهادي

لا خوفٌ ولا قلقُ -ولا غروب .. ولا ليل .. ولا شفقُ - لأنك الله .. قلبي كلّه أملٌ - لأنك الله.. روحي ملؤها الألقُ

الهادي

ومن أعظم هداياته إعادة خلقه إليه، ودلالة التائهين عليه، وفتح أبواب التوبة لمن أذبل أرواحهم خريف الحوبة.

- يخرج في ظلام الليل، ليعصي ملك الملوك، كل جوارحه مندفعة للوصول إلى وحل المعصية، ولكن الله في تلك اللحظة الحاسمة يأمر الهداية أن تصل إلى قلبه قبل أن يصل هو إلى المستنقع، فإذا بكل ما بناه من أحلام سوداء ينهار فجأة، وتيار فظيع يرجف به، كل شيء يتطاير من حوله، هناك شعور بكر وطيء للتو شاحته، يلتفت إلى جهة أخرى، ليست جهة المستنقع إنها جهة تطل من بين منحنياتها منارة المسجد، فيبدأ عهدًا مضيئًا مع الهادي سبحانه.

- وإذا أراد هدايتك أسمعك صوتًا يقول لك: اتق الله، فيستيقظ فؤادك!

فهذا أحد الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار في القصة النبوية الشهيرة، يحَضِّر من وقت بعيد للفجور بابنة عمه، وتسوقها الأقدار إليه في حاجة فيبتزها، وقبل لحظات من بدئه لمراده البشع، إذ بها تقول: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فينهض فزعًا، لم تدع «اتق الله» في قلبه شهوة إلا وسحقتها!

- يعيدك إليه، إلى طريق الأنوار، يجعلك من رواد المسجد بعد أن كنت تنظر إليه من بعيد ولا تنالك هداياته من قريب، يعلّم يديك كيف تمسكان بالمصحف بعد سنين طويلة من الهجر والصدود، يرطب لسانك بذكره بعد أن كنت تترنم بأغانٍ تافهة!

تخرج من بيتك قاصدًا مسجدًا وفجأة تغير الطريق إلى مسجد آخر، بعد الصلاة تسمع كلمة يلقيها أحد الدعاة تغير شيئًا كان مستقرًا في قرارة نفسك! يغير طريقتك أو حتى طريقك.

- والعبد صاحب الروح المرهفة يستنبط هدايات الله سبحانه، ويعلم أن الكون مربوب له سبحانه، وأن الله سبحانه قد يهديه بأي شيء في كونه، وقد يضله والعياذ بالله بأي شيء في كونه!

ولن يضل سبحانه إلا من أغلق قلبه عن الهدى ودين الحق.

- إذن: ضياع هذه الحياة إن لم تأتك الهداية من عنده.. أتذكر مثال صحراء التيه آنفة الذكر، إن ضياعنا عن طريقه سبحانه، عن المسجد، عن الله أكبر، عن اللهم أنت السلام ومنك السلام، أعظم فظاعة من تيه الصحراء، وستكون بذلك في غربة أقسى من غربة الطائر الذي فقد سربه في فصل الشتاء، فقررت الثلوج أن تبتلع أحلامه المحلقة!

اللهم ارزقنا هداية من عندك تنتشلنا من صحراء التيه، وتوصلنا إليك، وتدخلنا بها جنة عرضها السماوات والأرض.

قصص من الكتاب

يونس عليه السلام

قصص الأنبياء مع أقوامهم فيها دروس عظيمة وفي كلّ قصة ما يميزها عن غيرها، من الفوائد والتوجيهات، ومنها ما يكون منهاجًا يُحتذى، فمع أنّ دين محمد صلى الله عليه وسلّم، كاملٌ في شريعته، إلا أنّ اللهَ تفضّلَ علينا بذكر أولئك الأنبياء مع أقوامهم، ليكون لنا فيهم عبرة، ولأنّ دعوة المرسلين في العقيدة واحدة.

أما قصة النبيّ يونس عليه السلام، فهناك أمران يميزان هذه القصة، أحد الأمرين قليل الوجود والثاني لم يكن لنبيّ غير يونس عليه السلام. وهما: هداية قومه ونجاتهم من العذاب بعدما حلّت بوادره. والثاني: حبس يونس في الحوت ونجاته منه. فقد لبث يونس في قومه سنين يدعوهم، لكنّه عجِلَ عليهم لشدة عنادهم وكثرة عددهم، فقد كان قومه، أهل نينوى في العراق، وعادوه وشقوا عليه فتحكي لنا سور القرآن قصته معه قومه، وتعجله عليهم: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)). (وذا النون). أي: صاحب الحوت. فقد خرج من دعوة قومه غضبانَ لا يصبر على أذاهم، وقد أخذته الحمية لدين اللهِ، حتى أنسته نفسه، فخرج وتركهم، وكان يظنّ أن فعلته هذه ستكون من الأمر الهيّن عند الله. فيسّر الله له الركوب في السفينة وأن يموج البحر بهم، وأقرعوا بينهم يبغون أن يلقي أحدهم نفسه في البحر لينجو الباقون، فكانت القرعة عليه، فالتقمه الحوت، ففطن لأمره وتقصيره، فأفنى وقته بالاستغفار وهو في بطن الحوت.

وإلى هنا هناك درسان: الأول: إنّ نبيّ الله، تجاوز أمرًا يغتفر لباقي الناس، ومع ذلك فقد جازاه الله تعالى بأن التقمه الحوت. الثاني: فضل الاستغفار حيث التزمه نبيّ فنجا.

وفي غياب سيدنا يونس، فلا يحقّ له العودة إليهم، وكذلك يكون قد حقّ عليهم العذاب، لأنه قد قامت عليهم الحجة، وانتهت المحجة، فنزل العذاب، فتفطن الملك، فأمر أهل مملكته بالإيمان بالله تعالى، وأن يلبسوا المسوح من شعر الغنم، وأن يتبعوه مقيَّدين إلى صعيد نينوى، وقيّد نفسه بالسلاسل، وأمرهم أن يحثوا التراب على رؤوسهم، وابتهلوا بالدعاء لله تعالى، فنجاهم الله: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)). سورة يونس.

وبعد حين ينجو يونس من بطنه الحوت، ويلقيه في العراء، ويأتيهم بعد حينٍ لينظر ماذا حلّ بهم، ودون أن يشعر به أحدٌ، استطلع أمرهم من رعاة الغنم على أطراف البلدة، ليعلم أنهم قد آمنوا، فاعتزلهم، لأنه خرج من عندهم مغاضبًا من غير إذن من الله، فمنع الرجوع إليهم. والله أعلم.

(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا -20-). سورة المزمل.

لقد تكفل الله بالرزق لعباده، وفي الإسلام نتعلمَ أنه لا رازق سوى الله، ومع أنّ المالَ والصحةَ وأنواع النّعم كلّها، هي من عند الله، وهي رزقٌ يسوقه الله إلينا، وييسر لنا أمرَ تحصيله، إلا أنه سبحانه وتعالى، يكتب لنا الأجور إذا بذلنا الجهدَ في عبادته وطاعاته.

والآية الكريمة، تعلمنا أنّ الأفعال والأعمال والأقوال، وكلُّ ما نقوم به من: الصدق والصدقة والصلاة والصِّلاتِ، ومما نحتاجه من لوازم الحياة. هو مما نقدمه اليوم ليستقبلنا غدًا، يوم البعث والنشور، في يوم الحساب والجزاء.

فمن قدم الخير فليحمد اللهَ تعالى، لأنه سيجد الخير، ومن قدّم غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسَه. وفي الدنيا يقدّم الغنيّ والقويّ شيئًا مما يملكه للفقير والضعيف، ولكنّ متاع الدنيا فانٍ، والأجر باقٍ، فلذلك قالت الآية الكريمة: (وما تقدّموا لأنفسكم). علمًا أنّ الذي يصلي ويصوم ويحجّ ويقرأ القرآن يكون عبادة لله، وكذلك الغنيّ يقدم المالَ للفقير. إلا أنّ المنتفع الوحيد بالعبادة هو العابد نفسه.

ومع اليقين بما سنجده هند ربّ العالمين، والتحلّي بمحبّة الطاعة للرزاق ذي القوة المتين، يأتينا الزهد لما في الدنيا، ويصبح سعادة الإنسان حينما يقدم الخير للناس، ومع الصدق والإخلاص في تقديم الطاعات، حينها يجب علينا أن نتعلّم الفرائضَ والواجبات في ديننا الحنيف أولًا فهي خير ما نقدمه لأنفسنا. ثمّ نتعلم ونسأل أهل العلم، عن تلك الفرائض والواجبات، ومن بعدها المندوبات، وما ينبغي تركه من الأعمال والأقوام، ليكون قدومنا على باب الجنة غدًا بنور القرآن وهدايته.

فمن قدّم المعروف والخيرات وترك فعل الشرّ واجتنب المنكرات، يجد ذلك أجرًا مضاعفًا للحسنات ورافعا للدرجات، فتقديم الخير اليوم – كإدخال السرور على أطفالنا وأطفال الفقراء في العيدين-، سنجده خيرًا مما نتخيّل.

الطب النبوي

المرض نوعان: مرضُ القلوب، ومرضُ الأبدان. وهما مذكوران فى القرآن فكان من هَدْيِه صلى الله عليه وسلم فعلُ التداوى فى نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه فعن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لِكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، برأ بإذن اللهِ عَزَّ وجَلَّ))و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنزل اللهُ مِنْ داءٍ إلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً)).

فى علاج الأورام والخُرَاجات التى تبرأ بالبَطِّ والبَزْلِ

يُذكر عن علىٍّ أنه قال: دخلتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعودُه بظهره ورمٌ، فقالوا: يا رسول الله؛ بهذه مِدَّةٌ. قال: ((بُطُّوا عنه))، قال علىُّ: فما بَرِحتُ حتى بُطَّتْ، والنبىُّ صلى الله عليه وسلم شاهدٌ.

ويُذكر عن أبى هريرة: أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمر طبيباً أن يَبُطَّ بطن رجل أجْوَى البطن، فقيل: يا رسول الله؛ هل ينفع الطّبُّ؟

قال: ((الذى أنْزَلَ الداء، أنزل الشِّفَاء، فِيمَا شاء)).

الورم: مادة فى حجم العضو لفضل مادة غيرِ طبيعية تنصبُّ إليه، ويُوجد فى أجناس الأمراض كُلِّها، والموادُ التى تكون عنها من الأخلاط الأربعة، والمائية، والريح، وإذا اجتمع الورمُ سُمى خُرَاجاً، وكلُّ ورم حار يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إما تحلل، وإما جمع مِدَّة، وإما استحالةٍ إلى الصَّلابة. فإن كانت القوة قوية، استولت على مادة الورم وحلَّلته، وهى أصلحُ الحالات التى يؤول حالُ الورم إليها، وإن كانت دون ذلك، أنضجت المادة، وأحالتها مِدَّةً بيضاءَ، وفتحت لها مكاناً أسالتها منه. وإن نقصَت عن ذلك أحالت المادة مِدَّةً غير مستحكمة النُّضج، وعجزت عن فتح مكان فى العضو تدفعُها منه، فيُخاف على العضو الفساد بطُول لبثها فيه، فيحتاجُ حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبَطِّ، أو غيره لإخراج تلك المادة الرديئة المفسدة للعضو.

ومن جملة علاج الزِّقى إخراج ذلك بالبَزْل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدم الفاسد، لكنه خطِرٌ كما تقدَّم، وإن ثبت هذا الحديث، فهو دليلٌ على جواز بزله.. والله أعلم.