حين يغادر العسكري المنزل , عائدا إلى الكتيبة ..لابد من تفقد حاجياته , أولها التأكد من (الفوتيك) وقد تعرض لوجبة غسيل عنيفة مع كوي , ثانيها ..التأكد من أن (الكاكي) قد تم تقصيره بطريقة صحيحة .. ناهيك عن شفرات (التمساح) ...ولا بد من أخذ مجموعة من المشهيات مثل :- مخلل , مربى ..إلخ .

حينما يجهز كل شيء لابد من سؤال أشبه بالنداء يطلقه العسكري وهو :- وين البوريه؟ أي الطاقية العسكرية .. وهنا تبدأ رحلة البحث عن (البوريه)... عادة ما كانت توجه اصابع الإتهام لي , فاخر واحد شوهد يرتديها أنا... ويوجه مع الإتهام تعنيف خطير وطلب بالإعتراف .. وفي النهاية نجدها , فوق الخزانة , أو مخفياً بين الأغطية..

في كل منزل أردني فيه عسكري, لابد من هذا السؤال :- (وين البوريه؟) فهي لعبة الأطفال المفضلة, كل واحد منهم يرتديها ويقف أمام المرآة مطولا... ويحاول أن يميل الشعار بطريقة , تشبه طريقة إرتداء العسكري له..

لو قدر لزمن الثمانينيات أن يعود , وبحثت عن أكثر الأسئلة, ترددا في البيوت الأردنية نهايات الأسبوع ستجد أكثر سؤال ردده رب الأسرة هو:- (وين البوريه) ... لقد أمضينا ردحا من أوقاتنا في البحث عن (البوريه) وللعلم هي الشيء الوحيد التي لا نفقدها .. ولكن الأطفال ..يحبونها, لهذا يخبئونها في غرفهم...

قال أحدهم في معرض رسالة أرسلها:- كنا مشاريع شهداء... حسنا ونحن ماذا ؟ هل كنا في الدولة مشاريع حياة... من حقي أن اتحدث عن عائلة انتسب لها , ليس في إطار التباهي, أو تفضيل النفس على الاخر ..بل في إطار السؤال :- (وين البوريه) وفي إطار العتب الذي نوجهه للزمن ليس إلا ...هل كان خالد هجوج مثلا مشروع حياة .. هل كان حابس المجالي مشروعا في الحياة أم الشهادة؟... وعاطف بطل معركة بوابة مندلبورم ...هل أنصفته الحياة... وهزاع الذي لملمت أشلاء الجسد , وسجي في التراب هل كان مشروع حياة ... وزعل الذي غادر في العام (67) ولم يعد , وللان لم يعرف عنه شيئا ..(وقدر) الذي سمم في دمشق , والسبعون الذي رمتهم تركيا من أسوار القلعة في العام 1910 وكانت المرة الأولى التي يعدم الناس فيها رميا من على الأسوار ...هل هؤلاء كانوا مشاريع حياة أم مشارع موت ...؟

والشيخ جمال الذي ...غادر إلى عمان , ولم يعد فقد اختفى في تفجير الرئاسة واستدلوا على الجثة , من ساعته ...

حين اقلب دفاتر أهلي , أجد الموت .. منذ (1910) وهو يحتفل بهم في كل محطة , لكنهم لم يباهوا أحدا , ولم يطلبوا لقاء موتهم لأجل البلد ... منحة أو تفضيلا أو وظيفة ولم يقولوا للناس نحن مشاريع شهداء ....

عن أي شهادة تتحدث يا صاحبي ؟ ...

على كل حال ويبقى السؤال يضج بقلبي ..:- (وين البوريه) ؟