أطلق الحاكم الإنجليزي للهند السير «ويليام جونز» كذبة كبرى أمام جمعيّة العلماء في كالكوتا عام 1786 يزعم فيها أن ثمّة قرابة حميمة بين اللغة السنسكريتية واللغات الأوروبية.

وكان مستشارو وزارة المستعمرات قد زوّدوه لتحقيق غايات هذا الزعم بقائمة مجترحة من ألفاظ يراد بها توكيد وجود تشابه على المستوى المعجمي والنحوي بين تلك اللغة الموغلة في القِدم وبين لغات أوروبا.

كان السير وليام جونز، مثل كل مستعمر خبيث (ولنتذكر هنا نابليون ودعوى دخوله الإسلام) يريد بسط ظل دولته على ملايين الهنود بتودّد لا تخفى ذرائعيته، فصدع بفرضية – التي لا دليل عليها – هذه، توخيّاً لاقناع المستعمَرين (بفتح الميم) بأصل مشترك يجمع بينهم وبين المستعمِرين (بكسر الميم) ولو كان ذلك وهماً من الأوهام، أو تلفيقاً تولّى كِبره المستشرقون ولا سيما الصهاينة منهم.

وإذا ما نظرنا في موسوعة المستشرقين للدكتور عبدالرحمن بدوي رحمه الله وجدنا أن الفيلولوجيا (فقه اللغة) هي المَشجب الذي تعلّق عليه مزاعم الاستشراق ودعاواه، ووجدنا أن معظم هذه المزاعم والدعاوى منطلقة من أوهام وظنون وتخمينات لا من واقع لغوي أو حقيقة لسانية أو فهم سليم لثقافات الشعوب.

لقد دأبَ المستشرقون على استباق مواطن رضى المستعمرين، وعلى تلفيق النظريات التي تبرر حضورهم الدموي واستعلاءَهم العرقي الكاذب. وكان للصهاينة منهم (وهم كثيرون)، دور كبير ولا يزال في تشويه حقائق الإسلام، ومع تطور أساليب القوى الغربية في هذه الحرب صار الاستشراق الاستعماري مؤسسياً، تقوم به مراكز بحوث مرفودة بالملايين، وجامعات ذات كليات واقسام مُتخصصة بالمشرق العربي الإسلامي وبكل أرض أشرق عليها نور الإسلام. وأمكن ان تتفشى في النخب (!) المصنوعة على عين هذا الاستشراق في بلادنا سمادير من الفرضيات المسدّدة الى غاياتها، تماماً على النهج الذي خطّه حاكم الهند الإنجليزي ويليام جونز، الذي بدأنا الحديث بالإشارة إلى فِريته الكبرى التي ما لبث ان تلقنها (بحسن نيّة او بخبث طويّة) لاهوتيون ومؤرخون ومتفلسفون، وخاضوا في حديثها كل بما ينزع إليه من هوى، أو بما يُملى عليه، أو بما يوجه إليه من تعليمات.

***

وكما هو البحث في أصل اللغات، فإن نظريات الأدب والفلسفة وعلم النفس، كل أولئك – إلا القليل النادر – معدول عن وجه الحق الذي يتواصى به الشرفاء (الموضوعيون) من أهل النظر، مُسخّر لخدمة الاستعمار الجديد. وباستشراء هذا الفساد وجُثومِهِ على الأذواق والضمائر والعقول، وباستفاضة أوضاره وأضراره، صار لزاماً على «المفكرين الأحرار» في عالم اليوم أن يوطّنوا أنفسهم على جهاد عقلي كبير يدفعون به دعاوى المستشرقين، وكيود المستعمرين وتفاهات المضاهئين، وحسبُكم بذلك جهاداً إن كنتم تعلمون.