يوجد لدينا في الاردن ما يزيد على 23 ألف طبيب مسجل في نقابة الاطباء عدا الأف اخرين من العاملين والدارسين خارج المملكة. هؤلاء الاطباء درسوا في كليات الطب الاردنية والاوروبية والأميركية وغيرها، وتعلموا اهمية اخذ السيرة المرضية والفحص السريري للمريض.

يراقب الطبيب المريض لحظة لقائه من حيث ملابسه وهندامه ونظافة جسده وكيف يروي قصته المرضية وكيف يحرك يديه وما هي تعابير وجهه وحركات عينيه. يجب ان يقوم الطبيب بالاهتمام بالمريض وان يستمع له بتركيز واحترام فلا يرد على هاتفه ولا يدخل في نقاش مع احد اخر.

يفضل ان يخاطب الطبيب المريض باسمه الاول او «ابو فلان» ويسأله عن عمره وتحصيله العلمي وافراد عائلته واعمارهم، وهل يدخن ام لا، مشعرا اياه باهتمامه بتفاصيل حياته. يجب كذلك سؤال المريض عن حساسية الادوية وعن تناول ادوية معينة مثل مميعات الدم وغيرها.

في حالة الاناث يقوم الطبيب بسؤال المريضة، اذا كانت متزوجة، عن اولادها وكيف كانت فترة الحمل وطريقة الولادة ويسأل كذلك عن الدورة الشهرية وانتظامها. اما اذا كان المريض طفلاً فاننا نسأل عن الحالة الصحية عند الولادة من ازرقاق او اصفرار وعن مدى تطور الطفل ونموه ومتى مشى ومتى نطق والمطاعيم التي تناولها.

يتعرف الطبيب بعد ذلك على شكوى المريض التي كانت السبب في حضوره للعيادة فيقوم بتحليلها: فاذا كانت الشكوى من صداع على سبيل المثال فيجب السؤال عن كيف بدأ ومتى بدأ وماهي الامور التي تحسنه والامور التي تجعله اسوأ.

اما في السيرة المرضية العامة فنسأل عن الامراض السابقة التي عانى منها المريض طيلة حياته مثل ارتفاع ضغط الدم، السكري، قرحة المعدة وغيرها بحيث ندخل في تفاصيل الادوية التي يتناولها المريض، والعمليات الجراحية التى اجريت له ومدة التخدير ومضاعفاته ان وجدت.

اما الفحص السريري فيبدأ بأخذ القراءات الحيوية للمريض من نبض وحرارة وضغط الدم ثم ينتقل الطبيب بعدها لفحص كل جزء من جسم المريض بنفس الطريقة: النظر، اللمس، التنقير (التطبيل) والسمع باستخدام السماعة الطبية: النظر لمشاهدة الجلد وهل هناك من ازرقاق او اصفرار او تجمع دموي أو تورم، اللمس لمعرفة منطقة الالم وتحسس الاعضاء الداخلية مثل الكبد والطحال، والنقر على الصدر والبطن للتعرف على وجود سوائل او غازات او غيرها ثم استخدام السماعة الطبية على القلب والصدر والشرايين المختلفة. بعد سماع القصة المرضية واجراء الفحص السريري يجب ان يكون الطبيب قادراً على حصر التشخيص في 90% من الحالات اما بالنسبة للفحوصات المخبرية والصور الشعاعية فهي ليست للتشخيص وانما لتأكيد التشخيص الذي وصل اليه الطبيب من خلال اخذ السيرة المرضية واجراء الفحص السريري، والا لكان الطبيب مثل الجندي الذي يطلق الرصاص من مدفعه الرشاش في الهواء عله يصيب نحلة تحوم فوق المريض.

اما اذا جاء المريض وفي جعبته صور شعاعية او نتائج مخبرية فيجب دراستها وتمحيصها بدقة. بعد كل ما سبق يبدأ النقاش مع المريض في كيفية حل مشكلته الصحية فاذا كان العلاج دوائياً فلا يجب ان تعطى الوصفة للمريض الا بعد الشرح المسهب عن الادوية المكتوبة وجرعاتها ومضاعفاتها وتداخلاتها مع الادوية الاخرى. أما إذا كان الحل جراحياً فيجب ان يشرح الطبيب للمريض طبيعة العملية وفترة بقائه في المستشفى وفترة النقاهة وغيرها.

يستغرق اخذ السيرة المرضية والفحص السريري عادة فترة تتراوح ما بين 30-45 دقيقة. نجد في الاردن ان الاطباء المتدربين في القطاع العام والخاص، يشكون من طول ساعات العمل سواء في معاينة المرضى في العيادات، او اجراء العمليات الجراحية او متابعة المرضى في الطوابق واقسام الاشعة والعناية المركزة وغيرها حيث يقضون مناوباتهم الليلية.

قل لي بربك كيف يستطيع الطبيب، اي طبيب، ان يقوم بمعاينة 150-200 مريض في عيادة تستغرق بضع ساعات وما هو مستوى الطب الممارس هنا عندما نعطي الطبيب أقل من دقيقة واحدة لاخذ السيرة المرضية وفحص المريض ومشاهدة صوره الشعاعية ومعاينة نتائجه المخبرية والتحدث اليه عن كيفية علاجه الدوائي او الجراحي اوغيره.

اليس هذا مدخلاً للتشخيص الخاطئ والعلاج الخاطئ وبعد كل هذا نتساءل عن الاعتداءات المتكررة على الكوادر الطبية. جميعنا نعرف الاسباب: كثرة عدد الزوار، ضعف الوعي الصحي عند بعضهم، اقسام المستشفيات المفتوحة للزيارة في اي وقت، قلة عدد الحراس في المفرزات الامنية في المستشفيات وغيرها.

انا لا ادافع عن الاهالي المعتدين فهذا تصرف غير حضاري مهما كانت الاسباب ولكن في نفس الوقت علينا ان نناقش هذا الموضوع دون تحيز او تمييز دون مغالاة أو تهويل.

الحل في نظري وهنا اضم صوتي الى صوت الدكتور علي العبوس النقيب الحالي لنقابة الاطباء والدكتور زهير ابو فارس نقيب الاطباء الاسبق والدكتور نضال يونس الأمين العام للمجلس الطبي الأردني، الحل يكمن في ازالة بطالة الاطباء وتوفير الاطباء ذوي الخبرة والمعرفة في الاقسام الحساسة مثل الطوارئ والعناية المركزة وتوفير التعليم والتدريب الطبي المستمر.

من المعروف انه يوجد لدينا في الاردن حوالي 900 طبيب عاطل عن العمل (مرشحين للزيادة عند تخريج الأفواج القادمة من كليات الطب للعام 2017) بالاضافة الى 800 طبيب يعملون دون اجر يمثلون البطالة المقنعة.

الحل يا سادة ليس في زيارات السيد الوزير للمستشفيات وليس في تعيين محام للقصاص من المعتدي وليس في زيادة عدد حراس المفرزات الامنية بل هو في خلق وتوفير وتأهيل الطبيب الواعي الخبير الذي لا يجب أن يعمل تحت وطأة المعاناة والارهاق الجسدي والفكري والمالي.

Email: ibrahimsbeihaz@gmail.com