عمان - الرأي - يُفضي أحد مبادئ المستديرة الساحرة بأن عمر اللاعب ليس مهماً إذا كان أداؤه جيداً، أي أن المستوى داخل المستطيل الأخضر هو كلمة الفصل وليس تاريخ الميلاد وسنوات الخبرة. لكن نقل ذلك من الجانب النظري إلى العملي على أرض الواقع أصبح نادراً في رياضة تشهد تقليصاً دائماً للهامش بين النجاح والفشل.

نموذج واقعي

تُعتبر البرتغال نموذجاً لدولة أنجبت أمثلة ساطعة أثبتت أن عمر اللاعب ليس عنصراً حاسماً لجهة تحديد النجومية. فقد خاض كريستيانو رونالدو مباراته الدولية الأولى وهو في الثامنة عشر من العمر، بينما يُنظر إلى ريناتو سانشيز باعتباره نموذجاً جديداً لكوكبة من النجوم البرتغاليين الذين يقلّ عمرهم عن 20 سنة. إلا أن هناك اسماً سبق هذين اللاعبين بعقود عدة وكانت له بصمة باهرة في عالم اللعبة الجميلة منذ مطلع مسيرته الكروية، إنه أنطونيو سيموس.

شارك لاعب جناح نادي بنفيكا السابق في مباراته الدولية الكاملة الأولى أمام البرازيل بعد أشهر قليلة من عيد ميلاده الثامن عشر، وعقب أيام قليلة من الفوز بكأس أوروبا 1962 مع نادي النسور. حتى أنه يُشهد له بأنه أصغر فائز بمنافسات كأس أوروبا (أو دوري أبطال أوروبا).

وبفضل هذه المسيرة الكروية المشرفة منذ بدايتها، كان سيموس قد صقل مهاراته بحلول موعد كأس العالم إنجلترا 1966. وأصبح ابن الاثنين والعشرين ربيعاً أصغر لاعب في الكتيبة البرتغالية التي كانت تخوض العرس الكروي العالمي للمرة الأولى في تاريخها.

وفي مقابلة مع موقع الاتحاد الدولي لكرة القدم استحضر سيموس ذكريات أولى المباريات في البطولة والتي جمعت السيليساو الأوروبي مع المجر في ملعب أولد ترافورد: «كانت تلك المباراة وذلك اليوم وذلك الملعب مميزاً بالنسبة لكافة اللاعبين البرتغاليين. عندما يتجه المرء إلى إنجلترا وملاعب أسطورية مثل أولد ترافورد، يشعر أنه شخص في غاية الأهمية».

ومع انطلاق كأس العالم، أصبح لاعب الجناح هذا خبيراً في التعامل مع الضغط الكروي كونه خاض نسختين إضافيتين من نهائي الكأس الأوروبي عقب الفوز باللقب سنة 1962. إلا أن كأس العالم كان بمثابة بطولة مختلفة كلياً، يقول عنها: «تمثيل البلاد هو مسؤولية هائلة. كافة المباريات كانت منقولة عبر التلفاز، وكان ذلك من العوامل التي أخذها اللاعبون بعين الاعتبار. وفي الوقت نفسه كانت حقيقة أن يمثل المرء ملايين الأشخاص هو بمثابة امتياز وأمر استثنائي. كل شخص كان يودّ أن يحقق ذلك، ولكن لم تسنح أمامه الفرصة؟»

الافتتاحية

أتى الفوز بثلاثة أهداف مقابل هدف على المجر في المباراة الافتتاحية ليكون إنجازاً كبيراً بالنظر إلى أن الخصم كان فريقاً متمرساً في تاريخ كأس العالم. وشكّلت تلك النتيجة مؤشراً على القدرات الاستثنائية لهذا الوافد الجديد. تلا ذلك الفوز بثلاثية نظيفة على بلغاريا. وكانت الموقعة الأخيرة في منافسات المجموعة الثالثة مع المنتخب البرازيلي صاحب اللقب في النسختين السابقتين.

وقال سيموس عن فريق الخصم المتحدث بالبرتغالية: «تواجد لديهم لاعبون استثنائيون آنذاك. كان ذلك اليوم استثنائياً جداً ليس فقط لكوننا فزنا. كان ذلك هو اليوم وتلك هي اللحظات التي شهدت تغيّر الأمور قليلاً. بوسعي القول عندما أعود بالذاكرة، ودون أي شعور بالغطرسة أو الغرور وبقناعة تامة، إننا تغلبنا عليهم بشكل جيد جداً. فاز في ذلك اليوم الفريق الأفضل».

ويُشهد لسيموس أنه هزّ الشباك في ذلك الفوز على راقصي السامبا بنتيجة 3-1 وهو ما قضى على آمالهم بحصد لقب تاريخي ثالث. وعقب ذلك كانت المواجهة في الدور ربع النهائي مع منتخب كوريا الشمالية الذي كان بدوره قد أقصى المنتخب الإيطالي الذي سبق وتربع على العرش العالمي رغم أن هذا كان الظهور الأول للكوريين في البطولة. وعلى عكس كافة التوقعات، انتهى الشوط الأول بتأخر ممثلي أوروبا بثلاثة أهداف دون رد.

ويتذكر سيموس تلك الموقعة قائلاً: «من السهل اليوم القول ’لم أشعر بالقلق أبداً وأنني كنتُ على ثقة من فوزنا‘. لكن ذلك مجرّد هراء. كنا قلقين جداً آنذاك. ثلاثة لصفر؟ كان ذلك فادحاً. لقد فاجؤونا بمستواهم. ولم نكن مستعدين ذهنياً ـ وارتكبنا ذلك الخطأ. إلا أننا تعاملنا مع ذلك. شعرنا بالغضب والإحباط. تحادثنا على أرض الملعب وبين الشوطين. توجّه إلينا (المدرب) أوتو جلويا ببعض الكلمات السيئة، وهو ما شكّل لدينا حافزاً لتقديم أقصى ما لدينا بحيث أدركنا أننا لن نعود للديار نتيجة خسارة هذه المباراة».

الرقم 13

تدخّل أوزيبيو، ونجح الأسطورة في تسجيل هدفين قبل انتهاء الشوط الأول، وأضاف عليهما اثنين آخرين في الحصّة الثانية لتكون تلك من أبرز المآثر الكروية الفردية في تاريخ كأس العالم، وبذلك أوصل فريقه إلى مباراة نصف النهائي أمام إنجلترا المستضيفة. في موقعة المربع الذهبي، دفع المنتخب البرتغالي ثمن الإجهاد في مباراة كوريا الشمالية بحسب ما يقوله سيموس، وسقط في النهاية المارد البرتغالي بنتيجة 2-1. وفي مباراة تحديد صاحب المركز الثالث، تغلب البرتغاليون على الاتحاد السوفيتي ونالوا الميدالية البرونزية ونال أوزيبيو جائزة الحذاء الذهبي برصيد تسعة أهداف من ست مباريات. ويعود فضل كبير في هذا التألق البرتغالي إلى صاحب القميص 13 هذا والذي يوجد لارتدائه رقم 13 قصة يتلوها علينا صديقه سيموس.

وتذكر سيموس قائلاً: «أجرينا قبل البطولة قرعة لتحديد رقم قميص كل لاعب. 11 كان رقمي دائماً. حصل أوزيبيو على الرقم 11 في القرعة وأنا على الرقم 13 وهو رقم بطبيعة الحال غير جالب للحظ أبداً. عندها قلتً لأوزيبيو ’إن لعبت بالقميص رقم 13 في كأس العالم ستكون أفضل هدّاف في البطولة، وسيطرد الجميع عن هذا الرقم فكرة الحظ السيئ. بوسعك أن تحرر الرقم 13 بالنسبة للبلد برمته إلى الأبد».

وبعد أن تردد أول الأمر، قبل أوزيبيو بمبادلة الأرقام، وتحوّلت نبوءة سيموس بخصوص «النمر الأسود» إلى حقيقة. ولا يزال سيموس، زميله منذ بداية المشوار في عالم المستديرة الساحرة، يتذكّر الراحل أوزيبيو بولع شديد: «كان أحد ملوك اللعبة. عندما تشاهد أوزيبيو وهو يلعب تلحظ أنه قادر على التحوّل للاعب عظيم في أي وقت. مقاربته للعبة وفهمه لها وعلاقته معها لطالما كانت عظيمة. لعبنا سوية طيلة 14 سنة في 700 مباراة تقريباً».

انعكست هذه الصلة القوية، التي بدأت في صفوف نادي بنفيكا، على كافة عناصر الفريق وتجلت في أولى المشاركات في البطولات العالمية. وبينما كان هناك سبعة لاعبين في المنتخب من نادي بنفيكا، تواجد ثمانية من الخصم اللدود نادي سبورتنج سي بي. ورغم ذلك كان المنتخب متراصّ الصفوف.

صداقة

عن أفراد نادي سبورتنج في تشكيلة منتخب 1966، قال سيموس: «نشأت أواصر صداقة بين عائلاتنا. كنتُ أخرج مع أوزيبيو وهيلاريو وخوسيه كارلوس، وهذان الأخيران هما من لاعبي سبورتنج! كنا نخرج مع زوجاتهم وأطفالهم. ولكني أعتقد أن مثل هذا يكاد يكون مستحيلاً اليوم. مردّ ذلك لكون الجماهير والأشخاص الذين يديرون النوادي لا يفكرون بنفس الطريقة، بل يركّزون على أن الخصم هو بمثابة عدوّ. وهذه مشكلة، ولا أتفق مع ذلك. وفي الحقيقة فإن تلك الأجواء (السائدة في صفوف المنتخب المشارك في كأس العالم 1966) وتلك الثقافة ساهمت بنسبة 25 في المئة على الأقل من نجاحنا. فالفوز غير ممكن إن لم نكن صفّاً واحداً».

والآن، ومع تجاوزه السبعين من العمر، تراجع أسطورة بنفيكا عن الانخراط المباشر في كرة القدم، ولكنه لا يزال يتحدث من موقع صاحب الخبرة العريضة بعوالم المستديرة الساحرة كونه لعب ودرّب في الولايات المتحدة الأمريكية والبرتغال وكذلك إيران، حيث ساعد منتخبها على بلوغ كأس العالم 2014 بمساعدة مواطنه كارلوس كيروش.

وختم سيموس حديثه قائلاً: «أودّ أن أتقاسم مسيرتي وخبرتي وحياتي مع الجميع، وبالأخص مع الشباب. أريد أن أقول لهم إن كرة القدم هي لعبة جميلة، وإنها نوع من الشغف بمعزل عن المال».

عندما يتحدث شخص بهذه الحنكة الكروية والخبرة العريضة، يتوجب على الجميع الإصغاء. قليلون هم القادرون على توجيه نصائح مفيدة للجيل الصاعد أفضل من الأسطورة البرتغالية، أنتونيو سيموس.