عمّان-الرأي-ازدهرت في الأدب العربي في العصور الوسطى، متأثرة بذات النوع من الشعر القادم من بلاد فارس، واشتهر به شعراء كثر، لكن أكثر من اشتهر به هو عمر الخيام، الذي أثارت رباعياته اهتماما كبيرا من قبل الشعراء والمترجمين، فترجمت العديد من رباعياته إلى العربية، وغنت مقاطع منها كوكب الشرق أم كلثوم، مما زادها شهرة.

اشتهرت الرباعيات عند العرب في الشعر الصوفي، فالبعض يرى أنها لا تنادي إلى التمتع بالحياة والدعوة إلى الرضا أكثر من الدعوة إلى التهكم واليأس.

وعلى أثرهم سار الشاعر الدكتور بسام أبو غزالة الذي كتب عددا كبيرا من هذه الرباعيات، أودعها ديوانه الصادر عن الآن ناشرون وموزعون في مئة وثمان وثلاثين صفحة، قسمها إلى قسمين: الأول في التأمل والثاني إلى الوطن اليتيم. ومن الواضح أن الشاعر لم يجد أفضل من قالب الرباعيات لبثّ تأملاته الفلسفية والوجودية، وكذلك أفكاره السياسية، فهذا القالب يتيح له تقديم تأملاته بعبارة شعرية مكثفة، موسيقاها سلسة، يتذوقها الناس من مختلف المشارب.

تأملات الدكتور أبو غزالة، هي تأملات فلسفية وجودية، تظهر فيها الملامح الصوفية كثيرا. فهو يتأمل في الحياة الفانية:

لم يعد بيني وبين الصفر بابْ

يا خليليَّ على الدرب الطويلْ

فاحملا عني تباريح الحسابْ

واتركا لي خلوةً بين الطلول.

تلك الحياة الفانية هي قيد وأسـر، والحرية فيها وهم، لذلك هو يرجو العبور إلى زمان آخر:

ضاق بي أسري وأفناني انعتاقي

أعبر الأرض ولا أعدو مكاني

أين لي صهوةُ مهرٍ كالبراق

يخلبُ العينَ ويجتاز زماني؟

وهو يرى في الموت جلاء للأحزان:

هذه الذكرى وذاك الحُلُم

كلما هاجت رياحي انهمرا

آه لو يشفي غليلي العدمُ

فيريني كنهَه المُستترا.

والحب عنده لا يبقى على حاله:

لوعتني هذه الأعينُ دهرا

ثم جفَّ الدَّوحُ أعوادَ هشيم

تتسامى، تتلاشى كالسديم؟

ويقول أيضاً:

لذة العشق تباريحُ الجوى

وانعصار القلب في ليل السهادِ

فاعذريني إن خبتْ نارُ الهوى

نزل القطرُ فأطفا بي اتقادي.

لكن الحياة ليست كلها حزنا، فأحيانا ينطلق الشاعر مرحا كالحصان:

كحصان الفجر أعدو مَرَحا

أنثر الأحلامَ وردا في الطريقْ

أيها الساقي تنزّل قدحا

يخطف الأبصارَ حتى لا أفيقْ.

وعندما يضجر فهو يلوذ بالشعر:

يصطفي الشعر سويعاتي الأثيرةْ

فلأُذع سرَّي على وقع المطرْ

إنَّ في السُّحب لأنواءً كثيرة

أورثتنيها موارةُ الضجرْ.

رباعيات مفتوحة على التأويل مثلها مثل الشعر الصوفي،

قلتَ لي قولا فأعياني النظرْ

وسهرتُ الليل أستجلي الحقيقةْ

فإذا أصبحَ صبحٌ وانفطرْ

لم أجدْ تبرا ولم أُدركْ بريقهْ.

أما في القسم الذي أسماه إلى الوطن اليتيم فتحضر الثيمة السياسية، فها هو يرثي الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي، الذي لم يحتمل رؤية الدبابات الإسرائيلية تغزو بيروت عام 1982، فقام بإطلاق الرصاص على نفسه، كفارس يأبى المذلة والهوان في الأسر، يقول الشاعر:

قــدْ قرأنا «للخليل» الفاتحـة

وانتهينا اليومَ منْ «لفق البكارةْ»

وكســرنا كلَّ سـنٍّ جارحةْ

فاقبلينا يا مواخيرَ الحضـارة

ويستحضر زرقاء اليمامة ليشير إلى غثاثة العدو وآفة المقاومة بالكلام.

في عَجاج النقع أنفذتِ البصـرْ

ويكِ يا زرقاءُ غثٌّ ما احتشـدْ

زخرفٌ هذا اللسـانُ المسـتعرْ

فتغنَّيْ: آفة القــول الزبــدْ

ويتكلم عن تقاعس الإنسان العربي عن المقاومة:

أسـمَعُ الرَّعْدَ فأملا الأذنَ طينا

وأصبُّ الراحَ للغيــدِ وأحسو

منذ ماتتْ فــورة البركان فينا

لا تلوميني، فما عـدتُ أحـسُّ

ويتحدث عن القطيعة بين الشعوب وقياداتها التي تكبح جموها:

لسـتَ منا كيفما شـئتَ وشـئنا

لكَ ربٌّ ولنـا آخـرُ غيـــرَه

تُحكمُ القيــدَ إذا نحـنُ جمَحْنا

ومدارُ الفُلكِ، هل توقفُ سـيرَه؟

وعن تلفيق التاريخ يقول:

خذْ من الحاكمِ قرطاســاً وحبرا

واكتبِ التاريخَ بالحـرفِ المنمَّقْ

إنَّ تحتَ الحرفِ، لو أنبيكَ، جمرا

يأكلُ الـزخرفَ والثوبَ المُلفَّقْ

وها هو يذوب حنيا للوطن الذي أبعد عنه عنوة:

أيّها الحزنُ امتطيني واحتويني

كلّما اسـتسـلمَ لليــلِ النهارْ

هاجت الذكرى فؤادي وعيوني

وأزمانَ الوصلِ في تلك الديارْ

وبسام شفيق أبو غزالة كان نشر بعض قصائده في بعض الصحف العربية الأدبية وغيرها.

عُني مبكرا بالترجمة من اللغة الإنكليزية إلى العربية ومن العربية إلى الإنكليزية، وصدرت له أكثر من عشرة كتب مترجمة، بعضها في السياسة وبعضها في التاريخ وبعضها الآخر من التراث العربي القديم إلى اللغة الإنكليزية، منها «التاريخ الشعبي للثورة الفنزويلية»، و»اعترافات قاتل اقتصادي» وغيرها.

كتب قصصا قصيرة لم تنشر في كتاب، وله رواية بعنوان «العشق المر» تحت الطبع.