عمان - ناجح حسن

صدح السوري بشار بشار زرقان، منشداً لقطوفٍ من الشعر الصوفي، في إحتفالية موسيقية، نظمتها مديرية الثقافة في أمانة عمان الكبرى أول أمس على مدرج «الاوديون» في وسط العاصمة، بمناسبة إختيار عمان عاصمة للثقافة الإسلامية هذا العام.

بسلاسة تتكيء على ذائقة الإحساس بالكلمة، طاف زرقان بحميمية وصوت دافيء، قوي، صاف، بتلاوين من الشعر الصوفي القديم والحديث، بمرافقة مؤديات ومجموعة من العازفين على آلات وترية وايقاعية، طارحاً عذابات وأمنيات النفس في الوصل والحنين والسكينة المجبولة بلحظات من الوجع والقهر والفقد.

برع زرقان في تقديم امسية موسيقية غنائية مليئة بتجليات الأحاسيس والمشاعر الفطنة الراقية والمفعمة بأسئلة الوجود الإنساني، على نحو يستعيد درر الشرق وأشواقه في جماليات من المقامات الموسيقية وتجلياتها الرحبة.

تفاوت اداء الأغنيات مع اختيارات زرقان الذكية للألحان المتناغمة مع ايقاعات نصوص القصائد، لكن جميعها تفيض بتلك الإشارات والدلالات البليغة، سواء في مناجاة الخالق أو بث شكاوي الفواجع ولوعات الحياة، وما قادته من تأثيرات على مصائر افراد وجماعات، هي في الاصل الحان تتدرّج بشفافية، في تصاعد ثابت اشبه بخيوط من النور، لكنه لا يلبث بخفته ورشاقته الأدائية ان يعصف بصوت نابه للوقوف على مكامن المعنى في كلمات القصيد دواخل المتلقي، ثم يمضي في هدوءه الرقراق الى الوجدان، كانه نغم الزاهد الخجول أمام مواقف الخطاب ينثر فيه كل هذا الثراء والبهاء الجمالي المسيج بتعابير الكلمات وايقاعاتها المشرعة على الحياة وما تنطوي عليه من ألم الجسد وبهجة الروح.

باسلوبيته الآدائية المدهشة، برع زرقان في وهب نصوصه المختارة، مزيدا من الألق والعذوبة، موظّفاً فيها شغفه وهيامه بترانيم وايقاعات تهدهد انكسارات النفس بأداء فردي تارة، وجماعي تارة أخرى، كاشفاً في الوقت ذاته عن تأثيرات في اعماق الذات الإنسانية على هيئة دموع تكاد تتسلل من الحدقات على ثنايا الانشاد الموسيقى والأداء الرصين لتؤشر على جراح وأسى تلك الأرواح. بعمق وأصالة كلمات القصائد البعيدة، في إنحياز إلى مثيلاتها من قصائد معاصرة، يغوص زرقان بأدائه اللافت في مضامين النصوص، ويأخذ في تتبعها بإيقاع صوتي حداثي شديد الإعتناء في إختيار نغماته الفريدة، راغباً في إستيلاد ألحان ونغمات تتوازى مع إيقاع الكلمة والمعنى والدلالة، الآتية من توافق وانصهار بيّن لقامات القصيدة الصوفية العربية الكلاسيكية والحديثة، بدءاً من أشعار رابعة العدوية والحلاج، مرورً بإبن الفارض وابن عربي والسهرودي، وصولاً الى قصائد محمود درويش وطاهر رياض وجريس سماوي وأحمد الشّهاوي، المشهود لها بوفرة ونباهة اشتغالها الحر على الرموز والتعابير والجماليات التي تنبش بدواخل الفرد الإنساني ومغزى وجوده في الحياة.

يشار إلى ان بشار زرقان من مواليد العام ١٩٦٩ في حي شعبي بدمشق يشتهر بثراء بيئته من مفردات الموروث الإيقاعي الصوفي، وهو صاحب تجارب إبداعية متنوعة في حقل التلحين والأداء التمثيلي المسرحي وفي الغناء الملتزم، الآتي من اهتمام وشغف شخصي بنصوص الأدب المشرع على ثقافة جديدة تنهض على تلاوين من الشعر والحكايات والطقوس الشعبية وما تمتلكه من خصائص وظواهر الفرجة الشعبية للدلالة على الواقع ومحاكاته.

قدّم زرقان صاحب مجموعة الالبومات المغناة، العديد من الإشتغالات الموسيقية والغنائية والإيقاعية، التي تتميز بالجدية والأصالة، والمغايرة عما هو سائد ودارج في فضاءات الموسيقى العربية.

كان للفنان زرقان الذي يقيم حالياً بين لبنان وفرنسا جملة من المشاركات في المهرجانات العربية والعالمية في مهرجان جرش ودارة خالد شومان للفنون في الأردن، وملتقى اصيلة بالمغرب، ومهرجان المدينة في تونس، ومهرجان ابوظبي للثقافة، ومهرجان ربيع الثقافة بالبحرين ومسرح المدينة بلبنان، بالاضافة الى احتفالية في معهد العالم العربي بباريس وسواها في اميركا والسويد وسويسرا وبريطانيا والمانيا.