عمان - ناجح حسن

قدمت الحكواتية سالي شلبي في مقهى جدل الثقافي أول من امس، عرضا من مختارات سيرة الملك الظاهر بيبرس حسب الرواية الشامية بعنوان «منام السلطان»

الحكواتية الشلبي منحت النص الذي عرض بالتعاون مع المعهد الثقافي الفرنسي ومسرح البلد طقسا وحضورا آسرا، لافتة الى فرجة رمضانية في فضاء مكشوف، مثلما تفاعلت مع كثير من وقائع الاحداث، بعيدا عن برودة القراءة الورقية المألوفة في هذا النوع من الفنون الشعبية.

وقدمت برفقة زميلها حكواتي الاشارة الذي شاركها في ترجمة الحكاية الى لغة الصم، رواية أحداث السيرة في مناخ تشويقي انساني مفعم بالكلمات والحركات وما يفيض عنهما من اشارات ودلالات بليغة.

تفاعل الحضور مع الأمسية التي تمحورت حول محطات من قصة زواج ابن الظاهر بيبرس، بانت فيها تلك الجهود الإبداعية الجماعية لواحدة من المرويات التاريخية العالقة في ذاكرة قطاعات واسعة من اهالي البيئة العربية يفيض بالتقنيات السردية والجماليات المشهدية والرؤى الفكرية الخصبة.

وقال اياس حسن من المعهد الفرنسي للشرق الادنى والمشرف على مشروع توثيق هذا السِفر الملحمي لحكايات الظاهر البيبرس، انها سيرة شعبية انتشرت قبل خمسة قرون فائتة في بلاد الشام ومصر.

و تتناول بحسب حسن شخصية القائد الظاهر بيبرس في سردية لدى العامة حسب مرجعيات تاريخية فيها جزء من الخيال الشعبي للرواة الذين عملوا على توثيق اجزاء منها في الذاكرة ظهرت مقاطع منها في تجارب وظواهر على حدي الهواة والاحتراف داخل طقوس ثقافية وفنية تنهل من حكايات السيرة الشعبية، عبر ابداعات كثير من الحكواتية.

واضاف اياس، ان السيرة تبرز صفحات مشرقة من تاريخ المنطقة التعاضد والتكاتف في اتون ازمات تعصف بالكثير من البلدان، كما هو لدى صد هجمات المغول، ثم تفرعت عنها قصص وحكايات جرى روايتها شفاهة، مبينا انه صدر عن السيرة الى هذه اللحظة خمسة عشر جزءا في طموح ان تمتد خلال العامين المقبلين الى ثمانية عشر من حكايات هذه الملحمة التاريخية المشبعة باشواق الناس العاديين وآمالهم الآتية من خيال رحب، فهي قد لعبت دورا أساسيا في بلورة تجارب خاصة وأساليب متميزة في روايتها داخل عروض ادائية شديدة الصلة بالثقافة الشعبية بسردية تمزج بين الاداء الشفهي والشعر الشعبي (الزجل)، تتعدى عتبة إضفاء البعد الجمالي للعرض إلى الكشف عن ابعاد وتجليات طقس الفرجة الشعبية.

من جهة اخرى قدم أستاذ الألسنيات العربية في (دار المعلّمين العليا) بمدينة ليون الفرنسية د. جورج بوهاس محاضرة عن السيرة الشعبية للظاهر بيبرس واعتبرها واحدة من اشهر الحكايات الملحمية في التراث الشعبي الأدبي للمشرق العربي، وأرجع ظهورها إلى العصور الوسطى.

واشار بوهاس في محاضرته ان السيرة تنهض على مادة تراثية وفيرة اشتغل عليها باحثون فرنسيون منذ عقدين من الزمان جرى جمعها من رواة وسرديات ودفاتؤر لجمهرة من حكواتيي دمشق ممن مارسوا القص في مقاهيها.

واوضح المحاضر ان سيرة الظاهر بيبرس بعد أن كانت تروى في الأماكن العامّة حتى عقد الستينات من القرن الماضي، في مقاهي دمشق وحلب وطرابلس وصيدا وبعلبك والقدس وجديتا وغيرها من مدن الشام الكبرى، الا انها اختفت من المدن الكبرى في بلاد الشام تدريجيًّا بموازاة اختفاء مهنة الحكواتي.

ورأى المحاضر الفرنسي بوهاس ان سبب غياب توثيق هذه السيرة عن كثير من ادبيات المكتبة العربية يكمن في عدم اهتمام كثير من الناشرين والرواة والمحققين العرب لهذا السفر التراثي الملحمي باعتباره نصا لا قيمة له، الى ان قام مجموعة من المستشرقين والباحثين العرب في الاشتغال على السيرة وانجزوا الى اليوم فصولا من اجزائها وما زالوا يواصلون مهمتهم في العمل على تحقيق نصوص جديدة والقيام بترجمته الى لغة فرنسية ادبية، رغم صعوبة ذلك كونه مخطوط في لغة محكية تخلط بين الفصحى واللهجات العامية، وعلى رغم تلك الجهود المتتابعة في تحقيق السيرة واجهت القائمين عليها من عرب وفرنسيين وجود ناشر يغامر بنشر هذه السيرة في ازيد من 36 الف صفحة.