عمان - سائدة السيد

لم يثنهم فقد أبصارهم عن ايجاد طريقة نحو فضاءات من التميز والابداع، متغلبين على إعاقتهم ومتخطين حواجز كثيرة، يعبرون عما بداخلهم بالرسم، ويحاولون ان يبثوا احاسيس وخيالات لا يعرفها احد، ورغبات وآمال ومخاوف كثيرة.

في جولة بمرسم الأكاديمية الملكية للمكفوفين، لا تتوقف دهشة الزائر عند براعة اطفال لديهم مشاكل في البصر، بعضهم كفيف بشكل كلي، او جزئي، واخرون يعانون من مرض ضغط على العين «الغلوكوما»، في خوض تجربة الفن التشكيلي ورسم لوحاتهم، واكتشاف الألوان ومتعة مزجها، معتمدين على حاسة الشم والقدرة على التخيل.

طارق ابو سالم ( 13 عاما )، احد الطلاب المكفوفين في الأكاديمية الملكية، يلون لوحاته عن طريق حاسة الشم، ولكل لون دلالته لديه، إذ يستخدم ألوانا خاصة للرسم، فالأخضر، بالنسبة له، يشير لرائحة النعناع، ويستخدمه عموما لرسم الأعشاب، والأصفر لليمون، ويرسم به الشمس، والأحمر للبندورة، ويرسم به الورود، والبني للقرفة، ويرسم به سيقان الأشجار ووجوه الناس.

طارق، الذي يتمنى ان يصيح رساما مشهورا في المستقبل يقول: « فقدت بصري في الثالثة من عمري، وولدت وانا اعاني من وجود ماء على عيني، وبعد عدة عمليات فقدت بصري، تعايشت مع وضعي وبدأت انقل ما في خيالي إلى لوحاتي، الرسم أعطاني فرصة جديدة للحياة، بالرغم من الصعاب التي أواجهها «.

أسيل رمان ( 12 عاما )، المصابة بمرض ضغط العين الذي يحجب الرؤية بشكل جزئي (الغلوكوما)، روت لـ « الرأي « قصة ابداع مختلفة قائلة: « ارسم منذ 5 سنوات وطورت موهبتي بالتدريب، استخدم الألوان العادية وألوان الشم، وانجز لوحتي بسرعة فائقة، وأحب بشكل خاص ان ارسم لوحات « الأميرة فخر النساء « وأتقنها بشكل كبير، شاركت بعدة معارض في المدرسة وخارجها، مثل معرض قارئ اللون، وعبق اللون، وما وراء البصر، وظلال».

اسيل المتمسكة ببقايا بصرها تقول بكل طموح: « سوف اصبح فنانة كبيرة في المستقبل، واساعد الناس واخدمهم وانشر افكارهم من خلال الرسم، وابحث عن ألوان الفرح والأمل، وأحلم بإقامة معرضي الفني الأول قبل أن افقد بصري كاملا».

ويعتبر الفنان التشكيلي سهيل بقاعين ( صاحب مشروع تعليم الأطفال المكفوفين كليا او جزئيا ) ان لدى ضعاف البصر حسا مرهفا وإبداعات وقدرات فكرية يمكن الاستفادة منها إن أحسنوا توجيهها، حيث اعدت لهم ورشات تدريبية على الرسم وفن التلوين بالاعتماد على حاسة الشم ، وبالتعاون مع الأكاديمية، وعرضت لوحاتهم في معارض لإبراز موهبتهم وتنمية قدراتهم بالرسم، سعينا لدمجهم مع المجتمع.

وفي المشهد التشكيلي العالمي سجل عدد من الفنانين المكفوفين حالات ابداعية اسثنائية في مجال الرسم كان من ابرزهم الفنان التركي أشرف أرمغان والفنان الاميركي جون برامبيلت.

مبدعو مرسم الأكاديمية الملكية للمكفوفين لديهم امال تتخطى حدود الوطن وفي هذا السياق تقول دانية البسومي ( 11 عاما ) والتي تعاني من قصر وضعف شديد بالعين: « ادركت بأن لدي موهبة الرسم منذ 6 سنوات، فتعلمت أسماء الألوان ومزجها ، ارسم لفنانين مشهورين مثل فان كوخ ومونيه، واشتركت بعدة معارض، واطمح بأن اصبح فنانة متميزة واجول بمعارضي أنحاء العالم».

والرسم عند الطالب عمر قوقزة ( 16 عاما ) ليس لهوا طفوليا، بل البحث عن ذاته وتطويرها فيما يرسم، فيقول « لم اتوقع يوما ان اكون قادرا على رسم ما اريد، وان اعرف الالوان دون ان اراها، او انني سأعتمد على نفسي دون الحاجة الى الاخرين، واقابل فنانين واتعرف عليهم، واشارك بمعارض فنية».

ويضيف عمر « الرسم طور شخصيتي، وزاد ثقتي بنفسي، ومع اننا فقدنا بصرنا الا ان باستطاعتنا الابداع، ونرسم ببصيرتنا ما يعجز عنه المبصرون».

ويؤكد مدير الأكاديمية الملكية للمكفوفين عبد المنعم الدويري على اهمية التعامل مع المكفوفين بدمجهم مع المجتمع بشكل كامل، فلهم حقوق وواجبات، مؤكدا ان دعم مواهب هؤلاء الطلبة مستمر، وان الموهبة الحقيقية ستظهر إن حظيت بالإهتمام والرعاية.