د.أماني حاتم بسيسو

هذه الجملة: «هكذا أَحببتُ أن أقرأ» (ص178)، استخدمها د.وليد سيف في سياق حديثه عن مِيزة الإنسان الخاصَّة، التي تُهيء له استقلاله بآرائه ووجهات نظره، ولأن لكلِّ قارئ مَجالاً من النظر خاصاً ومُتفرّداً به، آثرتُ أن يكون عرضي لكتابه «الشاهد المشهود.. سيرة ومراجعات فكرية» (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2016)، «قراءة» له.

وليد سيف: الإنسان الفنّان، يؤثر تحويل سيرته «إلى نَصٍّ أدبي ذي قيمةٍ إنسانيّة وفنّيّة» (ص5)، وفِعْلُ الكتابة أو فَنُّ الكتابة مُفعَمٌ بـ«البحث عن المعاني وخَلْقها»، وما يعنيني هنا أن أتوصَّل إلى تلك المعاني، التي تَجَلَّت لِذهن وليد سيف (البطل الرّئيس)، «المبدع» فيما مَرَّ به من أحداث وتجاربَ وشخصيّات.

«البطَل» يؤمن أنَّ السؤال الأجْدى في تقييم العمل الأدبي، والنَّظر فيه، إنَّما هو السُّؤال بـ «كيف» لا بـ «ماذا» (ص6)، وهو مؤمنٌ بِذاتيّة النَّظرة، فنحن «نرى ما نريد» (ص8)، وإنّنا «لَنقرأ الواقعة في ضوء المعاني التي نُلقيها عليها، فإذا اختلفت المعاني اختلفت القراءات»(ص9).

و«الذّاتُ الواعية هي التي تشيد صورةَ العالم الموضوعي» (ص15)، ولأنّها «تشيد» –على حَدِّ تعبيره- فهي تُنشئ بناءً معماريّاَ، يتفانى مُنشئه في تزيينه، وسبيلُه إلى ذلك «التَّلَقّي»، وأداتُه الأُولى: «التأويل»، فأنا أرى بعيني لا بعين غيري، بل وأملك أن أَتصوَّره كياناً يَعُجُّ بالحياة، فنحن حياته وهو حياتنا، ودونه ننفصم عن جذورنا وأصلنا: «أيُّنا يمنح الآخرَ المعنى؟ أيُّنا يكتب الآخر؟» (ص255)، وبذلك يصحُّ القول: إنَّ الكتابة تكتب كاتبها، فلقد تشيده بقدر ما يشيدها»(ص449).

العنوان

وليد سيف يَشْهَدُ العالَم من حوله، ويَشهد عليه، فلا بأس أن يُسمي العالم: «المشهود»، والكاتب: «الشاهد»، لعلَّه يُؤمئ إلى الآية القرآنية: «وشاهد ومَشهود» (البروج: 3)، الذي يُعمّم باستخدام أسلوب التنكير، فيطرح للمعنى معاني شتّى، وتَنَوّعاتٍ بعدد الشهود، بيد أنَّ الكاتبَ –هنا- يُعَرِّف ويُخَصِّص، كما يَعْمَدُ إلى حذف واو العطف، لقد تماهى الشاهد بالمشهود، فغاب فيه وانصهر، وطبَعه بطابعه الخاصّ، فصارت سِماتُ المشهود نابعةً من الشاهد، وتابعةً له.

المُبْدِع

ماذا أقرأ؟!.. ولِمَن أقرأ؟!

الشاعر، الأديب، الفيلسوف، المُؤرِّخ، عالِم النَّفْس، عالم الاجتماع، السياسي، المُتمرِّد، المُلنزم، القَلِق، المُطمَئن،.. أيُّهم أنت! أم أنتَ هؤلاء، جميعهم معاً!

تَرَدّدتُ طويلاً، واحْتار قلمي!

مفاتيح الشخصية

إثر تَردُّدي، أَمْلى عليَّ خاطري هذه النَّظرة: «ما أملك يَتحكَّم فيما لا أملك ويُوجِّهه»، فأنا أملك وأختار الأخلاقَ التي أُعامل بها غيري، ومَسْلكي بينهم، لكنَّ مواهبي وعواطفي هيَّأها لي رَبّي تعالى، فهي «فطرةٌ» خرجت عن اختياري وإرادتي.

أمّا أبرز الخصال الشخصيّة -عند مُبدعنا- فهي: الذكاء، والإحساس المُرْهف الذي أُوتيه دون أن يسعى إليه، والتَّمَيُّز والبَتُّ والحَسْم في اختيار السبيل، ولأنه «يملك» في هذه، فقد اختار.

ورغم أهمية قراءة مواقف حياته لتبيان أثر هذه الخصال في توجيه مسيرته، أرغب هنا أن أُركِّز على «مفتاح شخصيته» الأكثر وضوحاً، وقد ألهمني مبدعنا -نفسه- هذه اللفتة، وهذا الأسلوب، في قراءته لشخصية د.عبد الكريم الغرايبة، الذي أوحى اسمه بغربته: «وكان له من اسمه نصيب. فكنا نراه غريب الأطوار بعض الشيء... شارد الذهن...لا تدري جِدَّه من هزله» (ص268). أمّا وليد سيف، ففيه من خصال السيف (الحَسْم والحَتْم) في اتّخاذ القرار، والثقة المُصاحبة له: «ألِفَ عمي عنادي فيما أراه حقّاً، وحِدَّةَ مزاجي إذ يُستثار» (ص328)، و «كان لي من الثقة ما يغنيني عن الادّعاء المتكلّف» (ص332).

وعن إبداعِ بطلِنا في كتابة سيرته، فهو يرى أنّ «كلَّ حياةٍ هي رواية دراميّة مُؤثِّرة، إذا تأتّى لها مَنْ يُحْسِن سردها» (ص487)، ومَنْ يُحْسِن مثل هذه الكتابة الفنّيّة عن نفسك غيرَك! بموهبتك الفَذّة،.. ليس لها إلا أنت.

إخالُ مُبدِعَنا -في كتابته هذه- يستعرِضُ تجربته الحياتية، (تجربته الواقعيّة والفنيّة) بوَحيٍ من حِسِّه الفنّي، فهو يصوغها في قالبٍ دراميّ، «لِيرى نفسَه لأول مرّةٍ موضوعاً، بعد أن كانت ذاتاً فقط تنظر خارجها، كالعين ترى بها ولا تراها. فالآن يصبح الرّائيَّ والمرئيَّ، الذاتَ والموضوعَ معاً» (ص487).

قراءات

يقرأ وليد سيف «الثورة»، وترتبط عنده بذكريات الطّفولة، وبالأرض التي درجت فيها مراحلُ الوعي الأوّل، فحملت «دهشةَ» المعرفة و«أوّلَ العهد بها»، ولأنّها «رمز البراءة في الطفولة والطفولةُ لا تهون» –بتعبير الشاعر محمود أبو الوفا- فكيف بفؤاد بطَلِنا المُغرِقِ في «الحنين»، إذ اتّصلَت عروقُه بجذور نباتِ تلك الأرض: «طولكرم إن لم تزرني في اليقظة زارتني قبيل النوم أو أثناءه» (ص21).

إنَّ «الأرض» تتَعدَّى مرحلة «الوعي» إلى «اللاوعي»، فتنتشي ذاكرته، وتسري في دمائه، وترتبط به أشدَّ الارتباط، وبطلُنا مولَعٌ بتَمَثُّل صورِ ذكرياتِ طفولته واستدعائها إلى مخيلته الحالية، مع رفاق صباه، في مشاهد فيلم سينمائي، يتَمَثَّلُه القارئ في خياله أو يكاد، لِدِقَّة تصويره، لعلَّ هذا الخيالَ مرتبطاً بالواقع هو ما قاد مُبدعَنا -إثْر ذلك- لِتَجاوزِ ذكريات «طولكرم» لِتشمل الوطن كلَّه، فأبدع «التّغريبة الفلسطينية».

ويقرأ «الشجاعة»، في إطار كتابة سيرته، فالشجاعةُ ليست أن تبوحَ بما ينبغي كتمانه، بل في أن تتحدّى وتتميّز، وأن تملك أن تكون «ذاتك»، بل وتَصوغَها وفْقَ مبادئك وانتمائك العربيِّ الإسلامي (ص15-16)، «إنما الشجاعة في تفضيل مغارم العقل على مغانم الجهل» (ص15)، وهذا ما أفرز فيما بعد: «صلاح الدين الأيوبي»، و«صقر قريش»، و«عمر بن الخطاب»، و«ربيع قرطبة»، و«ملوك الطوائف».

ويقرأ «الحقيقة»، لو بين «المفارقات»، فللحقيقة أكثر من وجهة نظر، بل وأكثر من موقف، فلتتسع نظرتنا. هذا الجاني من أعتى الخارجين على القانون، ذهب شهيداً –بعد ثلاث عشرة سنة- في عملية فدائية ضدّ عدوّ وطنه! «فهذا لصٌّ سابق سلَبَ مالنا القليل ثم عوّضنا/ بحياته كلّها في سبيل استرداد وطننا السليب! وهذا في المقابل زعيم وطني سابق أنفق عمراً في المقاومة، وأخطأته الشهادة حتى أدركته حلاوة السُّلطة وغواية الثروة، فاستباح حقوق البلاد والعباد!» (ص73).

للحقيقة أكثر من سبيل، وتَضادُّ السُّبُل قد يُؤذِن بحُسْن البيان وجلاء الصورة ومعناها، فالبلاغةُ قد تُضلِّل في إبانتها عن المعنى (ما عُرِفَ بأسلوب: التّورية)، وما نحْسِبه بعيداً ليس كذلك: «فالأرضُ ليست بعيدةً عن السّماء، والنُّزولُ فيها أوّلُ الصّعودِ منها، وكثيراً ما يكون باطنها خيراً من ظاهرها» (ص122)، «يشير إلى درجات الشهداء في الجنّة». وحدودُ مَعْرفتنا لا تُتيحُ لنا أن نحظى بالحقيقة كاملةً، فالحُبُّ «إن شئت أن تردّه إلى الغرائز البدائية لم تجاوز الحقيقة كلها، وإن شئت أن تنسبه إلى العواطف المتسامية، لم تجاوز الحقيقة ايضاً، وإن لم تبلغها جميعاً» (ص81).

ومِمّا يُقَرِّب إلينا فهْمَ انسجامِ الأضداد بل والمفارقات في سيرة مُبدعِنا، تَقّبُّلُه لِلتنوُّع وتَعدُّد الميول والطِّباع، فهو يًعلِّمُنا أنَّ الحقيقة يختلِفُ إدراكُها وتَذوُّقها باختلافِ زاويةِ النَّظر، وأحياناً وقت التّأمُّل.

هذا نلمَسُه فيما يرويه عن علاقته بِعمِّه د.محمود إبراهيم: «كُنّا مثالَ الرَّفيقين المُفارقين. فكان في جوانب كثيرة ما لم أكُنه، وكنتُ في جوانب أخرى ما لم يكُنه، وذلك ما جعلَنا واحداً في نصفين» (ص133)، «كان طائر صباح، يستيقظ من أول الفجر... كنتُ –وما زلْتُ إلى حدٍّ ما- طائر ليل» (ص134).

وقد يمتنع على المُبدعِ ما تَعوَّدَ أن يَرودَه بسهولَة، فإذا هو عصيٌّ، وهو أهونُ ما يكون!: «أهذا الذي أنفق عمره في التحليل والتأويل والتفكيك وقراءة العلامات والمنطوق والمسكوت عنه؟! يا حسرةً على العباد! قد يرون البعيد ويُخطئون رؤيةَ القريب المحتجب بِقَشّة»(ص186).

***

وبعد،

فإنَّ «الشاهد المشهود» هو سيرةُ الفنّان الإنسان، وبذا، فهو يَحْفَل بسِمَاتٍ تُجلّي خصوصيّتَه المُميِّزة له، فرؤيتُه نموذجيّةٌ تَصْبو إلى المثال الأسْمى، والفِكْرِ الأرقى، وتَمْزِجُ ذلك كلَّه بعواطف الإنسان الصَّادقة، فتَسْري إلى إدراكِ سائرِ النَّاس بسهولةٍ وبساطةٍ وتلقائيّة.