د.فاطمة نصير *

«إنني أخشى ثلاث صحف أكثر مما أخشى ثلاثة جيوش»، هكذا كان يقول نابليون بونابرت، الذي كثيراً ما وُصف بالدهاء، وقاد جيوشاً استعمارية في بلدان عربية، وجيوشاً تحريرية في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لما كانت فرنسا في مواجهة ألمانيا.

أقر نابليون بذلك إيماناً منه بالدور الفعّال الذي تلعبه الصحف في زعزعة الرأي العام وخلق جو متوتر، هذا إن كان للخبر نصيب من اليقين، لكن ماذا لو كان الخبر إشاعة تصدرت الصفحة الأولى لصحيفة ذات صيت؟!

فالإشاعة سواء أكانت مكتوبة أم منطوقة/ شفوية، تظل خبراً غير مؤكد، وذلك لغياب مصدرها والتفافها بالغموض.

الإشاعة تدور حول شخصٍ ما أو فكرة معينة أو حدث لا وجود له، يتولد من غياب مصادر موثوقة ومعلومات كافية لبث خبر أو صياغته في أيّ وسيلة من وسائل الإعلام (صحف، مجلات، محطات فضائية، راديو، مواقع إنترنت...)، بالإضافة إلى جهات أخرى مثل: المنشورات التي توزَّع عن طريق الطائرات، والعملاء من من داخل البلد المستهدَف أو من خارجه، أو من قِبل أنظمة معارضة، والمنظمات والأحزاب والتكتلات والجمعيات المؤيدة لنظام معين، والجواسيس الذين مهمتهم حبك الإشاعات ونشرها.

لو عدنا إلى معنى الإشاعة في بطون القواميس والمعاجم اللغوية، لتوصلنا إلى مفهوم يرمي إلى أن الإشاعة مصدر إخباري، وهي أقدم وسيلة إعلام لدى الشعوب، فهي الصوت الذي يلخص أجواء اجتماعية وأحداثاً يومية، وينشرها بسرعة فائقة، مع عدم التثبت من صحة الخبر.

عرف بعض علماء الاجتماع والإعلام الإشاعة بقولهه: «الإشاعة هي عبارة عن نبأ أو حدث، قادر على الانتشار والانتقال من شخص لآخر، وقادر على زعزعة الرأي العام أو تجميده دون التثبت منه».

وقد ارتبطت الإشاعة في أوساط الفرنسيين قديماً بالسمعة والشهرة والمكانة وما تعلق بها، وذلك إيماناً منهم بأن الإشاعة قادرة على قلب الموازين وتغيير القناعات، ومن ثمة تشويه الأشخاص والجماعات والهيئات.

في عصرنا الحالي خرجت الإشاعة من مفهومها الضيق إلى مساحات أوسع، فصار لها حضور إعلامي، واكتسبت بعداً جماهيرياً مع الوسائل السابق ذكرها (التلفزيون، الراديو، الإنترنت...)، مما يتيح لها الانتشار أكثر عن طريق تكرار بثها ونشرها.

وقد تزامنت الإشاعة مع بدء الخليقة وظهور الإنسان، فمنذ أن خلق الله تعالى آدم وحواء قرر عدوهما الأبدي (إبليس) غوايتهما، وكانت وسيلة غوايته هي نشر إشاعة مؤداها أنهما إن أكلا من تلك الشجرة المنهيّ عنها فإنها سيخْلدان لأنها كما قال لهما زيفاً «شجرة الخلد، والآكل منها له ملك لا يبلى».

تتولد الإشاعة من ثلاثة عناصر: سرد خبر لا أساس له من الصحة، حبك حدث وسط حدث كبير ومهم وله جانب من الصحة، والمبالغة والتهويل في خبر يشمل جانباً من الصحة، وبهذا تكون فيه إضافات لا أساس لها.

تتسم الشائعات بمجموعة من الخصائص من بينها: أنها تأتي موجزة ومقتضبة ليسهل نقلها وروايتها. كما يكون فيها عامل التشويق وأسلوب الغرابة والغموض، مما يؤدي إلى تولد الشكوك وأخذ الحيطة والحذر. ومن خصائصها أيضاً: الانتشار والرواج السريع، وغياب المصدر، وعدم اهتمامها بتثبت الخبر أو جمع أدلة وبراهين تجعل منه أقرب إلى الصدق واليقين.

وتستخدم الإشاعة الأسلوب اللفظي ،كما تستخدم أحدث وسائل الإعلام من أجل ضمان الانتشار الواسع. وهي تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية وتقاليد المجتمعات والأفراد وعقائدهم الدينية، فعلى أساسها يتم حبك الإشاعة، فهي تكون خبراً صالحاً للتداول إن كان فيه شيء يتعارض مع قيمهم مثلاً.

وتهتم الإشاعة اهتماماً كبيراَ بالمتلقي سواء أكان فرداً أم جماعة، فهي تعمل من أجل التأثير فيه، وهي وسيلة من وسائل بث الرعب والقلق، ووسيلة للنيل من العظماء والشرفاء وتشويه صورتهم وتقزيمهم في مجتمعاتهم، بل عند أقرب الناس إليهم، وتعمل على تفريق الجماعات وبث الشك بين أبنائها وزرع الفتن بين الشعوب والأمم.

وتعدّ الإشاعة حرباً نفسية وأسلوبَ تفتيت وتحطيم، وسلاحاً فتاكاً يؤمن به الكثير من الناس الذين لا يتحققون من صدق الخبر ويغلب على تفكيرهم طابع السذاجة، بحيث يصدّقون كل ما يقرؤون وكل ما يستمعون وكل ما يشاهدون، فلا أساس للملاحظة والتحليل لديهم.

وبما أن الذي يحبك الإشاعة في صحيفة أو موقع الكتروني أو تلفاز أو أيّ مصدر إخباري، يتمنى لها النجاح وذياع الصيت، فهو يعمل على نشرها تحت عنوان مغرٍ وتقديمها بشكل أكثر إغراء وإغواء، ويسعى لوضعها في الغلاف تصحبها صورة معبّرة أحياناً، هذا سواء أكان الخبر منشوراً في صحيفة أو مجلة أو كان في موقع إلكتروني أو مدونة... فيضعها في واجهة الصفحة معتبراً ذلك حدثاً مهماً يجذب القارئ المتجول في أرجاء الشبكة الالكترونية، وإن أذاع الخبر في تلفاز أو راديو فالأكيد أنه سيكون للصورة والصوت أثر واضح في تسللها إلى أذن المتلقي وعينه. ورغم غياب المصدر يمارس صاحب الإشاعة نبرة صوتية ويبث صوراً من شأنها تعزيز كلامه والارتقاء به من اللاممكن إلى الممكن.

ولمكافحة الشائعات، لا بد للمتلقي أن يكون فطناً، فمثلما يبحث عن الخبر عليه أن يتساءل عن مصدره، فكثير من وسائل الإعلام التي لا تقيم وزناً لشرف المهنة تلجأ بين حين وآخر لنشر إشاعة معينة ما تلبث أن تنتشر سريعاً وتلوكها الألسن نقلاً عنها باعتبارها مصدراً! والغاية من ذلك هي اكتساب الجهة التي نشرت الخبر شهرة وسط الكم الهائل من وسائل الإعلام بأصنافه كافة، وفي الوقت الذي تكون فيه هذه الجهة تبحث عن الشهرة فإنها تحطم ذاتها بنفسها، فمثلما يوجد في المجتمع أشخاص سطحيون لا يهتمون بالتحقيق في صحة الخبر وعدمه، هناك أشخاص لا يصدّقون كل ما يقال أو كل ما يُقرأ أو كل ما يشاهَد، بل حتى المتلقي السطحي عندما تكثر الشائعات التي تنشرها جهة معينة يتسرب إليه الشك، وهكذا تهتز صورة الجهات التي تبث الشائعات وتوسَم باللامصداقية، ومعلوم أن المصداقية هي من أهم أدبيات العاملين في الحقل الإعلامي بشكل عام.

* ناقدة وأكاديمية جزائرية