فراس حج محمد *

كثيرون هؤلاء الذين يكتبون الشِّعر ويصرون على كتابته، ولكنهم لم يكونوا في أي حال من الأحوال شعراء حقيقيين، ولن يكونوا ما داموا يسيرون على النمط نفسه ويدورون في فلك حلقة ضيفة مغلقة. فقد عرف العالم كتبة شعر لا يُحصى لهم عدد، وبقي الشاعر نادراً ندرة الشِّعر، فمن هو ذلك الشاعر الحقيقي؟

لعل أهم ما يميز الشاعر هو اللغة الخاصة والتعابير المدهشة التي تترك بصمة في اللغة العامة، وتحمل تجربة خاصة غير مكررة، وليست مأسورة بصوت الآخرين ولغتهم. وجدنا ذلك مثلاً في لغة امرئ القيس في العصر الجاهلي، وفي لغة الأخطل وجرير والفرزدق في العصر الأموي، والمتنبي والمعري في العصر العباسي، وفي لغة أحمد مطر ومظفر النواب ودرويش وأدونيس في العصر الحديث، وربما استطاع كثير من الشّعراء فعل ذلك فكان لهم صوتهم الممتاز والمميز، وهذه المرتبة من شاعرية اللغة أول مراتب الشاعر الحقيقي، ويستطيع الشاعر بلوغها بشيء من الاجتهاد والمدارسة والتأمل والقراءات الواعية، وهضم التجارب الشعرية السابقة، والتعمق في المدونات التاريخية والفكرية والفلسفية التي تمنح الشاعر بعداً لغوياً خاصاً له امتداداته المعرفية المفتوحة على آفاق وعوالم رحيبة.

وبعد أن يكون الشاعر قد امتلك أهم ما يؤهله ليكون شاعراً عليه أن يعيش الشِّعر، وليس أن يكتبه، وهذا نادر، قد لا يتحقق مع إمكانية تحقق النقطة الأولى عند كثير من الشّعراء، ورب سائل يسأل كيف يمكن تحقق ذلك؟

لا شك في أن الشاعر حتى يسمى شاعراً ويفوز بهذا اللقب، لا بد من أن يكون ذا مشروع إبداعي شعري يضيف إلى معمار الشِّعر لبنات جديدة، فقد استطاع الشّعراء الصوفيون، وخاصة الحلاج وابن عربي، أن يقدموا إضافات نوعية للمدونة الشعرية العربية والعالمية، ويندمجوا في روح الإبداع الإنساني الذي تجاوز المحلي والذاتي إلى المطلق وأصبحوا مدارس شعرية ولغوية ورؤيوية لمن جاء بعدهم، فقد أتعبوا وأقلقوا كل شاعر يريد أن يكتب شعراً صوفياً، وفي هذا المقام أيضاً نذكر شعراء الغزل العذري، وشعراء الموشحات، وشعراء التربادور وشعراء الأيروس واللذة الحسية أو شعراء النزعة المادية أو الواقعية أو شعراء المسرح العربي أو العالمي وشعراء العامية كصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم، على ما بينهما من اختلاف ضروري لاختلاف الرؤى والمشروع الشعري، وعند هذه المرتبة يتقلص عدد الشعراء أكثر، ليصبح الشاعر علماً على مدرسته الشعرية وأسلوبه وعوالمه الإبداعية التي يبنيها بإخلاص ووفاء بمنجز شعري مدروس غير عشوائي.

النقطتان السالفتا الذكر لا بد من أن تحدثا أثراً في المتلقي، وتجعلانه يفكر في الشِّعر الذي قرأه، وينقله من حال إلى حال، وهذه أصعب مراتب الشاعرية، وقد لا يستطيعها غير قلائل في تاريخ الشِّعر العربي والإنساني كله، فعندما سئل درويش: «كيف تلمست القدرة على أن تكون شاعراً؟»، أجاب: «لست متيقناً حتى الآن بأنني حققت طموحي»، ويستطرد درويش في توضيح ذلك بقوله: «لكي أكون شاعراً بالمعنى الأعمق للكلمة لا يعني مجرد كتابة الشِّعر، بل أن يكون شعري مؤثراً في الواقع لا مجرد أغنيات أو قصائد يقرؤها بعض الطلاب وينتهي مفعولها. ما زلت مقتنعاً بأن للشعر فاعلية لم يحققها بعد».

إذن، وصل درويش إلى حقيقة الشاعر الذي يطمح أن يغير في الواقع، ولعله استطاع ذلك، ولو جمالياً، وساهم في تحسين الذائقة اللغوية لدى القارئ وفي تشكيل وعيه الثقافي بدرجة ما، كما فعل ذلك من قبل نزار قباني في قصائده عن المرأة، أو عمر بن أبي ربيعة في خلخلة النموذج الشعري في وجدان المتلقي العربي، وما أحدثه أبو نواس وأبو تمام، وهذا ربما ما يلاحظه القارئ عندما يدرك أثر قصيدة «الأرض اليباب» للشاعر الإنجليزي (تي إس إليوت)، وما أحدثته نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في خلخلة النموذج الشعري مرة ثالثة بعد الموشحات، وبعد ما أحدثه انقلاب أبي نواس على نمط القصيدة العربية التقليدية، وأخيراً ما حدث من تطور في الكتابة الشعرية من قصائد «الهايكو» العربية، واستقرار قصيدة النثر التي يرجع الفضل في استقرارها عربياً إلى أنسي الحاج، وما أحدثته من جدل امتد حتى السياسة في حينه، وهذا بطبيعة الحال يجعل الشاعر مفكراً جدلياً، يأخذ الآخرين نحو مناطق شائكة يخافون السير في أرضها، فإن أفلح في استدراجهم يكون قد حقق جزءاً من رؤاه ومبتغاه.

هذه النماذج لم يكن تأثيرها جمالياً وحسب، بل امتد لتتم مناقشة أمور غير إبداعية/ شعرية أو ثقافية تعدّت ذلك نحو بؤر معرفية أبعد، ومسّت المعتقدات الدينية والأفكار الكبرى الجمعية، ولذلك يستحق هؤلاء لقب «شعراء» وليس مجرد «كتبة شعر جميل» لا يتجاوز أثره لحظة قراءته، فلا بد من أن يعيش الشِّعر في الوجدان والعقل ليحدث ذلك التأثير المطلوب، وهذا يجب أن يكون مطمح الشاعر، وهو ما يدفعه إلى «التطور وإلى البحث عن أشكال وفعاليات جمالية جديدة» صادمة ومؤثرة.

* شاعر فلسطيني