د.جوني منصور *

يُطلّ علينا الكاتب د.سميح مسعود مجدداً في الجزء الثالث من كتابه «حيفا .. برقة» وتحت عنوان فرعي هو «ذاكرة الشتات»، لينقلنا وسط ترحاله وتجواله ولقاءاته إلى أحداث وسير أشخاص ذي صلة مع حيفا من قريب أو من بعيد.

ورحلة الذاكرة في هذا الكتاب ليست محصورة في حيفا، مدينة الكاتب التي وُلد وعاش فيها عقداً من عمره إلى أن حلّت النكبة ومزّقت نسيج علاقته المباشرة مع هذه المدينة، إنما منتشرة في أصقاع المعمورة حيث وصل إليها الفلسطينيون بأعداد متفاوتة بحثاً عن مأوى ومصدر عيش كريم.

ليست مسألة الحفر في الذاكرة ترفاً ونزوة بقدر ما هي درب آلام يسير فيه الكاتب ومن يرافقه بحثاً عن هذا الشخص وعن حادثة جرت معه ومع قريبين له.

خطة العمل ومسيرة هذا الجزء من ثلاثية «حيفا.. برقة» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2017) تؤكد ارتباط أبناء حيفا بمدينتهم المنتشرين في بيروت واليرموك وعمّان ومونتريال وشيكاغو والرباط في المغرب وغيرها من البلاد في العالم، والتي أصرّ الكاتب على الالتقاء بهم ليتحدث معهم بتبادلية الأفكار عن حيفا. وهذا ما يؤكد بقاء المدينة في الذاكرة والوجدان الفلسطيني.

هذه التجربة المميزة التي خاضها سميح مسعود تبين لنا أهمية التواصل الفلسطيني مهما طال الزمان ومهما بعد المكان. فمرور الوقت لا يعني بالضرورة نسيان الانتماء إلى المكان الذي لنا به صلة قوية وعاطفية... ومهما فعل المشروع الصهيوني من محاولات ونشاطات لتعميق نسيان الفلسطيني لماضيه وأرضه ووطنه، فإن هذا الكتاب يندرج تحت مسمى «تثبيت الذاكرة» وتحدي هذا المشروع.

يأخذنا سميح مسعود في رحلة مثيرة عبر تنقلاته في البلاد العربية وبالأخص في عواصمها من خلال مقابلاته لحيفاويين أو لأبناء وأحفاد حيفاويين. ففي بيروت يلتقي مع الصحفية والإعلامية نورا البستاني، حفيدة الوطني البارع والأديب الأريب وديع البستاني صاحب المواقف الوطنية والقومية الحاسمة والحازمة. ويلتقي مع العالم الكبير أنطوان زحلان ذي الباع المعروف بعطائه لمجتمعه وشعبه، ويستمع منه إلى ذكرياته عن حيفا بما تبقى منها رسوخاً في ذاكرته. وكان لقائه المتميز مع عبد اللطيف كنفاني ابن حيّ البرج بحيفا ومؤلف كتاب «15 شارع البرج حيفا» الذي يعدّ من أهم السير الذاتية عن هذه المدينة والذي يوفر لنا صوراً نراها ونلمسها بأيدينا وعيوننا عن الزمن الجميل الذي عاشته حيفا ولم يفقده أبناؤها بالرغم من فقدانهم لمدينتهم.

ثم تأتي سلسلة لقاءاته في المغرب مع سعيد الحسن ابن طيّب الذكر خالد الحسن، والمولود خارج الوطن، لكنّ الوطن مولود في قلبه وباقٍ فيه. والحديث عن عائلة الحسن فيه الكثير من العبر والمفاهيم والمعايير التي تعزز الانتماء ليس للمدينة بحد ذاتها وإنما من خلال المدينة للوطن الأكبر والأوسع. حيث أن مساهمة عائلة الحسن في خدمة أبناء المدينة وفي تطورها يشهد له التاريخ بتفاصيل كثيرة. كما إن أبناء هذه العائلة الكريمة هم لبنة رئيسة في بناء ونمو الحركة الوطنية الفلسطينية عبر الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا.

أما لقاء مسعود مع منى معروف سعد فلا يقل أهمية عن سائر اللقاءات والمقابلات. فهي ابنة المناضل والمكافح والوطني الشهم الذي عاش في حيفا وعمل فيها ثم تابع في لبنان بعد النكبة معززاً حضوره القومي، هو المناضل الذي دفع حياته في سبيل دفاعه عن فلسطين يوم استشهاده في 1978 في صيدا.

في حين أن اللقاء مع محمد عاطف نورالله في بيروت هو حلقة أخرى في مسيرة البحث عن الذاكرة المتبقية عند ابن مؤسس الحركة الكشفية الفلسطينية. فعاطف نورالله اهتم منذ فترة مبكرة بوضع أسس النشاط الكشفي وتنظيمه ليكون موازياً ومتشابهاً مع التنظيم الكشفي الدولي الذي وضع أسسه «بادن باول». وأن يكون هذا التنظيم لخدمة شباب فلسطين في حيفا ويافا وعكا والناصرة وسواها من مدائن فلسطين. وتمتلك العائلة مذكرات عاطف نورالله المثيرة على ما أكدّه لي سميح مسعود. ولا بُدّ أن يأتي اليوم الذي تتم فيه خطوة إصدار هذه المذكرات لتكشف المزيد من المعرفة عن أحوال حيفا في فترة الانتداب، وتسلط الضوء على مركبات ومكونات حياة المدينة في الفترة نفسها.

وأثناء وجوده في كندا، وتحديداً في مونتريال، أصرّ الكاتب على لقاء المؤرخة الحيفاوية مي إبراهيم صيقلي والتي تُدرّس في جامعة «وين» في «آن أربر» بالقرب من شيكاغو، ليستمع منها عن حضور حيفا المدينة في حياتها.. لكن لم تنجح مساعيه.. فلم ييأس، ولِمَ اليأس ونحن في غمرة عصر التكنولوجيا؟ فالتقى معها عبر «سكايب» مستمعاً بتفاصيل دقيقة عن دور ومكانة حيفا في فترة الانتداب، وما أوردته مي صيقلي هو جزء ومكون أساسي من أطروحتها لنيل الدكتوراه في جامعة أكسفورد، والتي صدرت في كتاب يحمل عنوان «حيفا العربية» الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت.

وكانت لقاءات بين الكاتب وأفراد من عائلة سعيد بدوان، وعلى وجه الخصوص مع الكاتب والمؤرخ علي بدوان في مخيم اليرموك. ولأن المخيم يمر بظروف قاسية ومؤلمة، جرت اللقاءات عبر الهاتف. وزوجة سعيد بدوان هي لطفية عابدي، شقيقة الفنان الحيفاوي عبد عابدي وخالة د.الكاتب ماجد خمرة. وهنا اللقاء مليء بالمشاعر والعواطف لأنه جمع بين أفراد العائلة الباقين في حيفا والذين تعرّف إليهم الكاتب قبل سنوات عدة وتوثقت علاقته بهم، وبين أفراد من العائلة نفسها اللاجئين في سوريا. ولكن ما يجمع بين كل هذه التمزقات مدينة واحدة اسمها «حيفا».

لقد كشف سميح مسعود من خلال لقاءاته ورحلاته ومقابلاته أن اللجوء القاسي والمؤلم والقاتل في أحيان ما، ما هو إلاّ مُعزّز لقدرة الفلسطيني على التمسك بذاكرته التي لا يمكن للغزاة سلبها منه.

ووُفِّقَ المؤلف بجمع قصص من اللجوء والشتات في مؤلفه هذا مُعبّراً من خلال فصوله على مواصلة الفلسطيني سعيه للحفاظ على الترابط والتواصل بينه وبين أهله في الوطن، وبينه وبين وطنه.

تحية لسميح مسعود على هذا الكتاب الذي يؤكد عزمنا على مواصلة مشوارنا نحو تعزيز وتعميق الذاكرة حفاظاً على بقاء الوطن فينا وبقائنا في الوطن.

• مؤرخ وباحث فلسطيني