أحمد الشيخاوي *

يطالعنا المبدع فادي الموّاج بباكورة أعماله الروائية «أنثى افتراضية» (دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2016) والتي برع إلى حدّ كبير في ترتيب مشاهدها بعناية، على نحو يقود إلى عوالم من الأسرار المدغدغة للصميم الإنساني، ومتاهات متشابكة ومعقدّة، تسجّل قِراناً طوباوياً ما بين الشعريّ والسردي، لاثمةً سياقها التاريخي المسوّق لراهن مثخن باضطراباته ودمويته وتناسل أقنعته.

الصدمة المولّدة عن أولى عتبات الاحتكاك بهذا المنجز المائز، تتخطى حدود مجرّد كونها فعلا إبداعيا لأجل البوح أو الثرثرة وإفراغ الحمولة الذاتية، لتأسر الذائقة والوعي على حدّ سواء، عبر سياحة افتراضية تجود بحلول وتقترح معالجات وتستنطق أوبئة عدّة هي من إفرازات ما نسمّيه «حضارة»، بعدّ التطرّف على شقّيه (الفكري والديني)، أبرزها وأبلغها استحواذا ضمن هواجسنا الآنية.

وتكتسي هذه السياحة طابع الجدّة وإثراء الساحة، من ثيمة اقتناص تفاصيل واقع الغربة الروحية، ثم إعادة إنتاجها بما يتلاءم وإملاءات الذات المحتقنة الممتعضة من الأدوار الفرجوية المحايدة والسالبة، في طور نقاهتها وعوْدها إلى ركح أخذ المبادرة ومباشرة صنع القرار في تجاوزه لمآرب الفردانية الضيقة، لمعانقة طموحات شعوب بأكملها.

لذا نجد هذه الكتلة بما هي معادلة لمتوالية نصوص في نص واحد، تتفشى تصاعديا نحو نهايات مفتوحة تماما، يؤجّل شوقنا إلى معرفتها والوقوف عند ملامحها، حجم التشويق المواكب الذي تمارسه مطاردات الخيط الضّمني الناظم لفصولها المتواترة وفق اطّراد نصّي طاعن بمفاجآت شخوصه الوهمية، وأحداثه المستشكلة، وأسلوبيته الطاعنة بالتجاور أو التوازي التخيلي- السّيري، داخل جغرافية تغريب المألوف، باعتماد خطاب قِناعيّ في احتفائه بالأنوثة المهدورة، وخلخلته لرمزية الصوت الذكوري المتواري خلف فحولة زائفة، كما انتهاج معمار بلاغي يتيح له النزوع صوب أفق سردي مختلف وعاقّ للاعتيادي والمنمّط.

وهكذا نجد صوت السارد في إسرافه بشأن استثمار الأفعال الماضية، على أنها دوالّ واشية بالنفَس السّردي النافذ في الزمن، يختبئ ويحتمي بنرجسية مقبولة، حتى وقد صرف الخطاب إلى الشخصية الأكثر حضورا وبعدا دراميا في الرواية.

الرواية من القطع المتوسّط، وتقع في ما يقارب ثلاثمائة صفحة، ورغم تقلّص حيزها فقد قالت كلّ شيء تقريبا، وهي تُقاس بزمن رؤاها الفلسفية ومتونها المبطّنة باستدعاء الرموز والمقدس وأشعار الرواد.

«استطاع الدكتور أن يدوّر في ذاكرته ما مرّ به من حالات مرضية طوال الفترة الماضية؛ رصد بنظارات العرّاف حالات التوق المجتمعي للحب والدّفء، رصد ظمأ نساء المجتمع لرجولة رجالهن، وكشف عن سذاجة العقول وبساطة الآمال. استطاع أن يشكل مادة صالحة لبناء هيكل بحثه عندما ترك أوراقه وأمسك رواية (اعترافات كاتم صوت)، وبدأ يقاسم شخوص مؤنس الرزاز حياتهم فيها، ويشاركهم اجتياز مسافاتهم.

بدأت فكرة تجديد غيابه عن أمل تجد مساحات حضورها في تفكيره؛ يشعر أنه يعود به وبها إلى المربّع الأول في وقت يحتاج فيه لأن يضع حداً لرابطة لا جدوى منها؛ لكن الفكرة كانت كما لو كانت تتعرض لكاتم صوت.

أعياه التفكير قبل أن يستسلم لرسائل أسيرة البستان التي جدّدت مناوراتها في صندوق رسائله».

البديع في نهج نظير هذا المنجز المتموقع في حزام التماسّ مع السهل الممتنع من جهة، والضبابيّ المتطلّب للجهد التأويلي واستبطان كنوز البياضات من جهة ثانية، كونه ينأى عن إصدار الأحكام ويتقمّص قاعدة الوصف والتمثيلات. يروم تخوم الخيانات الرمزية مثلما تفرضها كونية افتراضية، تغازل الأدب العالمي، تقترب من طقوس «الزوج الأبدي» لدوستويفسكي، دونما التضحية ببصمتها وخصوصيتها المتناغمة وأسس الهوية العربية.

شخوص تنحدر من بيئة واحدة، تترك المنبَتَ مهاجرةً إلى المدينة/ عمّان، يجمعها الفضاء الجامعي، ومن بعد تُفرّقها دروب الحياة وحتمية الكسب واختلاف الطّموحات، فيما يبقى الحبُّ الشعورَ الإنساني الأسمى المتحرّر من سلطة ثقوب الذاكرة، يرخي بنوباته أنى وكيفما شاء، لتتشاطر نشوة كؤوسه وجوه خلع عنها زمنُ التّعصرن، الملائكيةَ والطفولة والبراءة، ليصيّرها مجرد أقنعة تراوغ وتكذب وتتزمّل بشيطنة مغتالة لفسائل النبل والجمال، ومذيّلة بنتائج كارثية قاصرة عن تعطيل دورة الحياة.

لكن سرعان ما ينفض الزمن غباره، بعد صولة الذاكرة، ليعلن كم أن هذا العالم على اتساعه وتراميه، يمكث مجرّد قرية صغيرة، بحيث يلتقي الأحبة من جديد، بعد فوات الأوان على بعضهم، ومع سعادة ناقصة لبعضهم الآخر.

تتناصف الدور البطولي، مثلما تؤثثه فصول هذه الرواية الشيّقة، كلّ من الأنثى «ميسون» بحساب فيسبوكي مزيف، باسم سناء، وأم «سبأ»، أمل، هي الأخرى تحت قناع «أسيرة البستان».

ستغدو الأنثى الأولى عقب وفاة والدها، زوج تاجر الأكفان «ربيع» بعد تكشّف حقيقته وتخفيفه من مناوراته الشبحية بهوية «زاهر» المفترضة. بيد أنها زيجة ما تلبث تسائل أقدار الظمأ الجسدي، أو الفحولة المختلّة، ولحظات الاكتواء بمصير العقر وعدم الإنجاب.

بينما ستكسّر الأنثى الثانية، عقيدةً وعرفاً بكامله، دون أن تقع في الرذيلة والمحظور، باعتبارها امرأة تحت بعل لا يشبعها وجدانياً، ما سيقذف بها مثل وردة ذابلة، في سراديب الاتّهام والمواعدات المشبوهة، بحيث تلاحق الدكتور مازن في حلّه وترحاله، قبل أن تهتدي وتفطن إلى أنها سيدة متزوجة، فتكفّ عن طيشها غير المدنّس، وتعود إلى حضن بعلها ووحيدتها سبأ، وهكذا.. مقتنعةً أكثر أن للحياة أكثر من ضريبة، وفي كل الأحوال يجدر عيشها مهما شاكت الكائن البشري بعلقميتها، وكيف أن توغّلنا في الزمن، لا بد وأن تتم مجابهته بمزيد من التضحيات وتقديم القرابين، سواء شئنا ذلك أم أبيناه.

• كاتب من المغرب