جمال عيّاد*

أطلق النقاد على ثلاثية التشيلي من أصل أرجنتيني أرييل دورفمان؛ «ثلاثية المقاومة»: وهي «الأرامل» (1983)، و»الرقيب» في العام (1990) و «الموت والعذراء» (1991). إذْ دان تيار الوعي فيها الإستبداد السياسي، وسوء توزيع الثروات، والاحتراب الإهلي الداخلي، وفي الوقت نفسه أعلت من قيم المقاومة، في وجه السياسات الأمنية التي تنتهك حرية الإنسان.

وكانت «العذراء والموت» من أكثر التناولات مسرحياً، عبر حكاية زمنها ومكانها التشيلي إبان حكم الدكتاتوريات السياسية فيها، تتحدث مجرياتها عن إمرأة تحاول أن تنتقم من أحد ضباط المخابرات، الذي اغتصبها مرات كثيرة، أثناء تعذيبها من أجل ثنيها عن موقفها المقاوم للسلطة السياسية آنذاك.

وبالصدفة تسوق أقدار هذا الضابط، إلى بيت هذه المرأة، بعد خروجها من المعتقل، فتقتله بالرصاص في بيتها وأمام زوجها، بعد إجراء محاكمة له من قبلهما في السياق الرمزي للنص الدرامي.

وقد أفاد من أعمال دورفمان، المخرجون المسرحيون العرب، وبخاصة من هذا النص الأخير «الموت والعذراء» على نطاق واسع، وقد شهدت عمّان أول عرض فيها على مستوى المهرجانات على مسرح محمود أبو غريب، ضمن فعاليات أيام عمان المسرحية، قدمه جورج إبراهيم من مسرح القصبة.

حيث تنتهي الأحداث، التي تناولت نساء فلسطينيات مقاومات، تم اغتصابهن من قبل رجال الشاباك الإسرائيلي، بان تقتل إحداهن الضابط الذي اغتصبها، في سياق يحاكي نفس حكاية دورفمان.

ومن الأعمال المحلية التي اشتغلت على نفس النص «العذراء والموت»، التي قدمت على مسرح هاني صنوبر، ولفتت أنظار الجمهور في الدورة 12 لمهرجان مسرح الشباب في العام 2013، بتوقيع عبد الله جريان، وجاءت بعنوان: «شرود» التي قدمتها الجامعة الأردنية، ، ضمن الموجة الجديدة لمسرح الشباب، بعد ظاهرة «الربيع العربي».

حيث تدين رسائل المسرحية السياسات الأمنية في الأقطار العربية، التي تعمل على إقصاء الإبداع، وتوغل في انتهاك حقوق الإنسان، وتتسبب في تآكل مؤسسات المجتمع المدني.

غير أنه كان هناك إعداد آخر لشخصية الضحية المغتصبة في نص دورفمان، قام به المخرج جريان؛ بأن جعل الضحية طالباً جامعياً وليس إمرأة، وفي نهاية الأحداث، تتم مصالحة بين الجلاد (المغتصب)، والضحية (المغتصبة)، «حرصاً على المصلحة الوطنية» بحسب أحداث هذه المسرحية.

بينما جاء نفس نص دورفمان في العرض المسرحي التونسي المشارك في فعاليات ليالي المسرح الحر في دورته 12، الذي قدم أول من أمس على مسرح محمود أبو غريب» بعنوان «الصبية والموت»، وإخراج سميرة بو عمود.

وكانت نهاية الأحداث في هذه المسرحية، التي أعدها للواقع التونسي، بحسب بروشور المهرجان، رضا بوقديره مفتوحة حيث لم تظهر أي علامة على قتل الجلاد كشخصية، من باب، الحفاظ على العدالة وتصالح القديم والجديد.

عكس المعنى في مختلف اللوحات، أثر عمليات التحولات الجارية الآن في تونس، على المؤسسات المتبقية في العلن أو الخفاء لفترة قبل رحيل الرئيس التونسي بن علي، وعلى الجديدة التي نشأت بعد رحيله، ومراهنة البنية العميقة للعرض على مستقبل المصالحة بين الأطراف المتصارعة، لجهة إنشاء سلم اجتماعي جديد يعيش فيه الجميع على مختلف توجهاتهم.

أنبأت فضاءات العرض بقوة، بوجود رؤية متماسكة وقفت خلف إنشائها لجهة البنيتين البصرية والسمعية، وبخاصة في مشهد الإفتتاح التي طرحت نفسها بقوة مسألة التمهيد والتدرج في التحولات النفسية داخل الشخصية الرئيسية للعرض (لينا) التي تعرضت للاغتصاب، والتي بدأت بحضور فضآت البحر عبر المؤثرات السمعية على تغيير نفسها.

لفتت النظر جماليات الديكور البسيط، الثري بدلالاته المتحولة من معنى إلى آخر، في احضار شقة شخصية (لينا) وزوجها (المحامي)، وجاء تصميم استخدام المفردة الواحدة في أكثر من معنى دلالي، مُسهما في سهولة الانتقال من لوحة إلى اخرى.

النص الدرامي (التونسي) لصابرين الحسامي، وأماني عاطف، طرح الواقع التونسي، من خلال الحوارات أساساً، التي طغت على عناصر العرض الأخرى، فمن خلال طرح الشخوص، وصلت مقولات الاتجاهات الرئيسية للقوى الاجتماعية والسياسية التونسية في الراهن.

فالضحية (لينا) قالت أثناء المحاكمة الرمزية للجلاد: العين بالعين والسن بالسن، فنحن نعرف ماذا كان يجري بالبلاد، لقد شربوني بولي بالتعذيب، نريد تحقيق العدالة ولو في قضية واحدة؟!.

وبالمقابل كانت أطروحات حوارات زوجها المحامي، المتمسك بالقوانين، تركز على الأمل من وراء التعايش السلمي في المستقبل من وراء تصالح القديم والجديد.

قدم مختلف الشخوص جهاد اليحياوي، ووهناء شعشوع، وعاصم بالتوهامي، والتقنيون شوقي المشاقي.

*ناقد مسرحي