الغباء...كلمة ضيّقة الأفق، خطورتها واسعة لا حدود لها. الغباء هو إضاعة الفرص حين تهلّ، التّصرّف بعكس ما يتطلّبه الموقف، هو التّخلى عمّن تحب استحواذا لمادّيّة تفنى ولا تتجدّد أو تتجدّد(لا فرق) أن تغصب نفسك أو جسدك على ما لا يطيق و يتحمّل. الغباء أن ترضى بالفتات للاتضحية مع استطاعتك نيل صدر الرّغيف، أن تتخلّى عن مقعدك في الصّدر لتتوسّد أرضا وسادة خالية الّا من وهم، أن تفرش نفسك بساطًا(خرقة) فوق خَبَث ليعبر عليها كلّ انتهازيّ وكلّ وصولي أن تقنع بأن تكون مستقبلا ومرسلا لبضاعة غيرك كما الببغاء, أن(تقبع) تنتظر الذّهب والفضة، أو عروسًا /عريسًا يهبط إليك من سماء حاسوبك عبر مصدر مجهول, أو أوراقًا خضرً بشعار العم سام لن تعرف طريقًا اليك. ربّما قطارًا محمّلًا بالأوهام يقذفك الى المجهول.

الغباء...أن تغتال تضحّي برزقك تدمّر ملكك من أجل أن تغيظ شريكًا فيه فينهار المعبد على رأسيكما فتغرقا السفينة وتغرقا معها. الغباء لجالس خلف مكتب أو مخترة أو عائلة أن يطيل ويعقّد الأمور أمام من هم في مسؤوليته بداعي الفذلكة وإثبات الذات والتعقيد، أو أن يجعل مسافة ضمّ الذراع بينه وبينهم بوادي وصحارى من جفاء. الغباء هو في أن تختار مركبة بقوّة ربع حصان أو ألف حصان تنفث شحارًا, ببوق ينعق ويزعق، بديلًا عن أرضٍ حلوبٍ ولّادة الشّجر و الزّرع والبشر, أو مهرة بيضاء أصيلة تنفث عزّا وفخارا, تصهل أجمل الألحان وأعذب وأقوى الأصوات( سوبرانو) لا يدانيه إلّا ملائكيّة شدو فيروز أو غزلان الأندلسيّة فيما سلف و...ماخلف!!. مهرة تسابق الرّيح، تختلط ضربات حوافرها على قساوة صخرنا مع خفقات قلبها وقلب فارسها فلا يعود يدري أيها للقلب وأيّها(للضرب) تتراقص بغناج وحنجلة وغزل من ريح الشمال من أرضنا لسمائنا.

غباء...هو التّفريط بأخ أو أخت، بالصديق رفيق الدرب، بشريك بعمل أو مقعد دراسة أو أرجوحة أطفال، بجار يشاركك سورك وسترك والهواء وقطرات النّدى والمطر، جار تتشارك معه أفراح الحي وإزعاج الحي و( تفعيط) الصبية ال(مدلّلين) وهدير مكبّرات الصوت وأزيز الطّلقات تلعلع في أعراس(المحاريس) لتتشاركا في الكظم و(الشّتم) وشقّ الجيوب و مقارعة سلطة اوبلديّة لانقطاع ماءٍ أو غزوٍ لبعوض يلدغكما ويقضّ مضاجعكما، تلطمان سوية لانكشاف حالكما من شواهق إسكان تمترست فوق أم رأسك ورأسه، بركّاب بسكّان جدد يتدلّون من على النوافذ يدسّون أنوفهم وعيونهم فيما تحت رداءك. لتتغيّر في الحيّ تضاريس التاريخ وتصبح غريبا ألّا من جارك سترك وغطائك.

الغباء في قمّته هو... في التفريط بشريكة/ بشريك العمر, من شاركك نجاحاتك و(خيباتك), من حفظ/حفظت أسرارك, تغطّي على ضعفك من بعد قوّة سلفت, تراعيك و تستمع لترّهاتك و(سخافات) بنات أفكارك بصبر واحتساب عندما تفزع أو تتمارض أو تشعر بالسّأم أو يتوه منك العقل و...الكلام. غباء يقصيكما خلاف على كينونة زبد البحر ووزن الغثاء من الكلام، لتغرق مركبكما بحملها مزيجا من أطفال وشباب من أصلابكما لتأكلكما النّدامة والوحدة ولتقفل السّتارة على (أهوج/هوجاء) لا أمن ولا أمان. لن يغفر لهما حتى (الغباء) تغابيهما حيث لات لكلّ ساعات الكون فسحة لمندم!

ليس كلّ من يمارس الغباء جاهلاً أو قليل الثّقافة والمعرفة، بل في كثير من الأحايين يكون في قمّة الذّكاء والعلم والثروة والجاه والشوفينية, و لكن... في قمّة الغباء!!.

mbyaish@gmail.com