أبواب - وليد سليمان

يذهب مؤلف كتاب «الصداقة» ميشيل ميتاس أستاذ الفلسفة في جامعات أميركا والكويت ، الى أن الصداقة ليست علاقة سطحية، بل علاقة عميقة وجوهرية ومترسخة في صلب الطبيعة الانسانية كحاجة أساسية.

حيث الصداقة تمثل أرقى أنماط الحياة الاجتماعية، لأنها تؤدي دوراً حيوياً في حياة الأصدقاء وطريقة تفكيرهم وشعورهم وأفعالهم.. أي في طريقة تصميم وعيش حياتهم.

وبإمكان الصداقة ان تكون مصدراً للبهجة واللذة وحافزاً للعمل المبدع، والمعونة النفسية والمادية، وملجأً في أوقات الضيق.

و بإختصار (الصداقة) مصدر مهم للنمو والتطور الأخلاقي.. فالحياة الأخلاقية جزء لا يتجزأ من الحياة الانسانية عامة.

وعندما نستعين بقاموس «ويبستر» نجد أن عبارة «صداقة» تعني حالة يكون فيها الاشخاص أصدقاء، او الإرتباط والمودة بين الأصدقاء، والعنصران الأساسيان في هذا التعريف هما: (حالة) و(ارتباط).

فالتعريف الأول يقول ان الصداقة نوع من الحالة، والتعريف الثاني يُعرِّف الحالة بالإرتباط.

والأصدقاء هم كائنات إنسانية مرتبطة بعضها مع بعض.. ولكن ما نوع الرباط الذي يميز الصداقة !؟.

بما ان الكائنات الانسانية تترابط بعضها مع بعض بطرق مختلفة، وبما ان نوع الرباط تحدده نوعية الاصدقاء: ما الذي يجعل الصديق صديقاً؟ قد نتقدم في بحثنا – بقول مؤلف الكتاب ميشيل ميتاس:

إذا ألقينا نظرة الى أصل كلمة «صديق» التي تعني باللغة الانجليزية القديمة أي «المُحب» وهي باللغة الالمانية تعني «أن تحب».

هذه الدلالة تعبر عنها كلمة صديق أي الشخص الذي يعرفه الفرد ويكون مولعاً به، حيث مولع تعني «حنون ورقيق ومُحب».

والصديق هو ذلك النوع من الناس الذي يتبادل شعور المحبة مع شخص آخر، ويحسن بنا القول ان السمة التي تُعرِّف الصديق، وأيضاً الصداقة هي المحبة.

المحبة دائماً

ويقول المؤلف والمترجم ميشيل ميتاس في كتابه هذا الصادر هذه السنة 2017 من دولة الكويت عبر السلسلة الشهرية المعروفة «عالم المعرفة» ان المحبة ليست إنفعالاً او غريزة او دافعاً اجتماعياً او بنية اجتماعية فحسب!!.

وهي ليست علامة مادية، أي انها ليست معطاة كموجود جاهز التكوين في الطبيعة الانسانية، بغض النظر عما إذا كانت جوهرية او مكتسبة، وليست وظيفة بيولوجية او نفسية جاهزة، وعلاوة على ذلك، فهي ليست معطاة كحاجة الى البقاء.

ولكن رغم انها لا تختزل في هذه العناصر، فانها تتحقق فيها ومن خلالها، وهذه العناصر هي مادة التعبير عن الصداقة، بغض النظر عما إذا وُجدت بين النساء والرجال أو أفراد الأسرة او الشركاء، او الجيران أو بين الافراد في أي سياق اجتماعي، ووجود هذه العلامة لا يعتمد على الوضع الاقتصادي او الاجتماعي او الإثني او الجنسي للفرد او على شكله البيولوجي او مركزه السياسي.

ويقول المؤلف: إننا نؤكد هذا الأمر بناء على فرضية أننا لم نولد «محبين».. ولكن بامكانية ان نصبح «محبين»، وان مادة هذا الرابط ليست شيئاً مادياً، بل هي من حيث الجوهر انسانية وروحية، وليست قائمة على خاصية المكان او الزمان.

انها معطاة كطبيعة ممكنة بانتظار التحقيق.. وباعتبارها طبيعة، فهي قدرة هيكلية، او مخطط، فهي تتكون من خصائص اساسية، وكل من هذه الخصائص هو باقة من الامكانيات، وهذا يعني ان المحبة تصبح حقيقة عندما تتحقق هذه الامكانيات.

ومن المهم جداً هنا ان نسلط الضوء على نمط وجودها، وتحديداً نمط وجودها كإمكانية، وكما أشرنا ان المحبة philia ليست حالة نفسية او فيزيائية، بل عملية انجاز مستمرة، تزداد عمقاً وثراءً وقوة وقدرة على الإرضاء.

ما الصداقة !؟

وفي موضع آخر في الكتاب بعنوان فرعي «ما الصداقة» يشير المؤلف الى الفيلسوف القديم (شيشرون) الذي يقول في محاورة له عن «الصداقة»:

ان الصداقة هي أفضل ما يمتلك الانسان، لأنها أثمن شيء في أيام الإزدهار والمحبة.

ثم يضيف: إن الصداقة ليست سوى توافق كامل على جميع المواضيع الانسانية والإلهية، ودائماً يرافقها شعور من اللطف والمودة، وفي الحقيقة لا يوجد اي شيء افضل منها مما وهبته الآلهة للانسان سوى الحكمة.

وبعض الناس يفضل الثروة، والبعض الآخر يفضل النفوذ، وآخرون يفضلون الشهرة، والعديد يفضلون الملذات، وهذه الاخيرة إحدى خواص الحيوانات.

بينما الاولى سريعة الزوال ومتقلبة، لأنها لا تعتمد على رغبتنا بل على تقلبات الحظ.

وبينما هؤلاء الذين يعتبرون الفضيلة هي الخير الأسمى يستحقون الإعجاب، فالفضيلة هي بذاتها مصدر وجود الصداقة، ومن دونها لا يمكن للصداقة ان توجد أبداً.

إن شيشرون يميز بين نوعين من الصداقة، الاول يرتكز على المنفعة، والثاني على الفضيلة، او الخير، ويعتبر الإول غير حقيقي والثاني حقيقياً.

فالصداقة المبنية على المنفعة هي صداقة عابرة ومشروطة.. هي صداقة لا تدوم، لأن المنفعة التي هي أساسها ودافعها لا تدوم.. واعتمادها على الحظ والظرف اكثر من اعتمادها على الادارة او المبدأ.

ثم ان العلاقة من هذا النوع من الصداقة هي علاقة خارجية لا باطنية، اي لا انسانية! لان العنصر الوحيد الذي يربط الصديق بصديقه هو المنفعة، وبكلمات اخرى: لا يوجد رباط روحي او انساني بينهما على الرغم من ان هذا الرابط هو ينبوع الصداقة الحقيقية.

فالصداقة نوع من المحبة، ولهذا السبب فهي علاقة روحية.. وعاطفة المحبة هي التي تولد رابطة الصداقة بين الاصدقاء.. لذا فهؤلاء الذين يشكلون صداقاتهم على اساس المنفعة، لا على اساس هذه العاطفة يلغون الرابطة الاكثر حميمية وهذه الرابطة، وليست المنفعة، هي مصدر البهجة التي ننشدها من الصداقة، وبالتالي فان ما يصدر عن الصديق يكون مصدراً للبهجة فقط إن صدر عن محبة عميقة.

الفضيلة مصدر الصداقة

والفضيلة ليست اساس الصداقة ودافعها فقط، ولكنها أيضاً مصدرها، لهذا السبب لا يمكن للصداقة ان توجد إلا بين الصالحين، ولكن إذا كانت الصداقة علامة تحول انساني الى أصدقاء، فما هي طبيعة هذا الرابط !؟.

اولاً: يتكون هذا الرابط من عاطفة محبة متبادلة.. ولأنها متبادلة فهي تولد وحدة بينهما.

فالمحبة الحقيقية ان يحب الانسان الآخر، ليس لأننا نتوقع من الصداقة منفعة معينة، ولكن لأن الصديق جدير بالمحبة، وهو جدير بالمحبة لأنه فاضل، والفضيلة جديرة بالمحبة وهي مصدر الجاذبية الدائمة بين الأصدقاء.

والفضيلة هي مصدر القوة التي تجعلنا نتكيف مع الظروف، وهي أيضاً مصدر الاخلاص والانسجام عندما تظهر وتنشر شعاعها.

وعندما يرى انسان هذا الشعاع في انسان آخر تشتعل نار المحبة او الصداقة، لأن كلا منهما يستمد وجوده من المحبة.

الانسان الحكيم

إذن على الانسان الحكيم ان يتأكد من مشاعره الراقية بمثل ما يتأكد من سيارته ، إذ أننا لا بد من ان نستوثق من ان صداقتنا سليمة.. كما نريد لخيولنا ان تكون سليمة تماماً. هذا الشعور هو الغراء اللاصق الذي يعزز بناء هذا الرباط وثباته، وهو اساس الوحدة بين الاصدقاء.

وهذا النوع من الإتحاد يبرر وصف الصديق باعتباره صورة من صديقه، او باعتباره ذات صديقه، لأنه إذا كان الصديقان متساويين بمعنى انهما منسجمان بالفضيلة والشخصية.

إذا انبثق رِباط الصداقة بينهما من نشاط المشاركة، وإذا تداخل احدهما مع الآخر في هذه المشاركة، وإذا كان اساس هذا التداخل تماثل معتقداتهما وقيمهما ومشاريع حياتهما، وإذا أصبح هذا التماثل باختصار حقيقة في حياتهما، فلا بد لذات الواحد منهما أن تعكس ذات الآخر، وايضاً لا بد للصديق ان يحب صديقه، لأن جوهر المحبة هو العناية والعطاء والمشاركة.

فقدان الصديق العزيز

ويشرح المؤلف قائلاً: والنقطة التي تستحق الانتباه هنا هي ان المحبة الخاصة بالصداقة بالنسبة الى المفكر شيشرون هي نوع من الحضور، فالاصدقاء حاضرون بعضهم في بعض وبعضهم لبعض.

والاقرار بهذه الخاصية هو الذي يمكن للرواقي من القول عن الاصدقاء انه لو حتى مات أحدهم فلن يحزنهم موته!! لماذا !؟.

ليس فقط لأنهم يتقبلون ما جرى، وليس فقط لأن الصديق يبقى حاضراً فيهم.. ولكن لأن صداقتهم جعلت حياتهم جديرة بالعيش.. فإمتلاك الصديق يكون بالروح، والروح لا تغيب أبداً !!!.

انها( الروح ) ترى من تحبه كل يوم، ولهذا أقول: شاركني أبحاثي ووجبات طعامي وجولاتي.. فالحياة تصبح ضيقة حقاً إذا كان خيالنا مقيداً.

يقول احدهم عن صديقه: لقد ازدادت دهشتي عندما اكتشفت انني بقيت حياً عندما مات صديقي!! لأنه «ذاتي الأخرى» !!!.

وقد أحسن أحدهم قولاً عندما أشار الى صديقه: «لقد كان نصف نفسي»، لقد كنت أشعر بأن نفسي ونفسه كانتا نفساً واحدة في جسدين.

الجدير بالصداقة

ولا يمكن لهذا النوع من الإتحاد الروحي بين شخصين ان يحدث من دون تنفيذ بعض الشروط الاساسية :

أولاً: من المهم ان تبدأ الصداقة بداية حكيمة، ولا نستطيع تطوير علاقة من هذا النوع إن لم نؤمن بقيمة الفضيلة، وإن لم نعش وفقاً لمتطلباتهما، وبالتالي علينا ان لا نتسرع بالمحبة، وإلا نحب الانسان غير الجدير بالمحبة.

ولسوء الحظ معظم الناس لا يرون اي شيء ذا قيمة في أمور الحياة سوى ما هو مربح!! وسواء مع الاصدقاء او مع الماشية، فهم يحبون ما يتوقعون منه أكبر قدر ممكن من المنفعة.

وهم على استعداد لأن يتظاهروا ويتملقوا ويرتدوا ثوب الصداقة من أجل المنفعة.. ولا يترددون في اللجوء الى استغلال أي شخص والإساءة إليه والتلاعب به صادقاً كان او انتهازياً لتحقيق غاياتهم الأنانية.

لكن الصداقة الحقيقية «جديرة بالرغبة من أجل ذاتها» لا من أجل أي مكسب مادي، لهذا السبب يجب ان لا نحكم على شخصية فرد آخر قبل ان نفتح قلوبنا له.. إنه دور الانسان الحكيم، إذن يجب ان يتأكد من دوافع مشاعره الرقيقة.

أين نجد ذلك الانسان؟!

هذا ويلاحظ ان مهارة الناس في اختيار حيواناتهم تفوق بكثير مهاراتهم في اختيار الاصدقاء... وهذه قضية عملية عامة، ونستطيع عموماً تحديد بعض الميزات الجوهرية للشخصية الفاضلة مثل:

( الصدق، العمل الصالح، المودة، اللطف، التواضع، التعاطف، العقلانية، المرونة، الثقة، الشجاعة، الرضا) ويمكن ان نكتشف الى اي مدى يجسد الصديق صفات كهذه في سلوكه خلال فترة زمنية معينة، وبصورة ثابتة ومتسقة ومخلصة. ولكن على الرغم من اننا قد نلاحظ وجود هذه الصفات، فاننا قد نخطئ !!.

فالتجربة الواقعية في نهاية المطاف هي الاختبار النهائي للتأكد من فضيلة الشخص الآخر.. فالانسان الفاضل الذي يقدر الصداقة كقيمة أولى في حياته إنسان نادر!!!.

وان معظم الناس محكوم عليهم بعدم ثبات شخصياتهم وضعفها!! وهذا تساؤل: أين نجد ذلك الانسان الذي لا يفضل المناصب السياسية والقانونية والعسكرية والاجتماعية والنفوذ على الصداقة؟!.

أين نجد الانسان الذي يفضل مصلحة صديقه على مصلحته !؟ ولماذا !؟.

فنحن لا نستطيع التغاضي عن هذه الأمور، فمعظم الناس يجدون ربما المشاركة في أحزان الآخرين مؤلمة وغير عملية!! والناس الذين يمارسون هذه المشاركة نادرون، وقد نكتشف الصديق الثابت في الأمور المتغيرة.

لكن تهمة عدم الثبات والضعف تشمل معظم البشر.. فهم يحتقرون الصديق في أيام ازدهارهم ويتخلون عنه أيام محنته!!.

لكن الفكرة التي أراد الفيلسوف تسليط الضوء عليها هي :

ان الخير شرط جوهري للصداقة لأنه يؤكد حالة الوئام اي الانسجام بين الاصدقاء.. ومن دون هذه الحالة تكون الصداقة غير ممكنة.

ويقول: انه استمد قوة صداقته مع صديقه من طول المعاشرة وتوافق همومهما وميولهما واهتماماتهما ومشاعرهما وتبادل الأخذ والعطاء بينهما.. وغياب هذا التوافق يدمر الصداقة.