سهير بشناق

تحدق بهاتفها وتنقله من بين يديها ،تغلقه مرة وتعود مرات اخرى لتشغيله ليس سوى هاتفا يصلها بالاخرين، لكنها تعيش معه حالة انتظار.

منذ سنوات .. تنتظر ان يأتي صوته عبر الهاتف لتستعيد بريقها وأملها بالحياة، يمنعها كبرياؤها من كسر حاجز الصمت بينهما.

كم من المرات تفقدت اسمه على الهاتف لتتأكد ان اسمة لا زال مسجلا على هاتفها ... للحظة ما شفقت على نفسها , فهي لا تجرؤ على ان تمحوه من ذاكرتها وقلبها , فكيف يمكنها ان تملك القدرة ان تلغي اسمه من هاتفها.

قال لها عندما افترقا « ستعودين ، فانا ادرك جيدا ان حبك لي اكبر من كبريائك وعنادك.. « وقالت له حينها « لن اعود ولكني لن أمل من انتظارك «.

ليست امرأة من تتنازل عن كبريائها لاجل رجل ولو كان بالنسبة لها العمر كله لم تعتد بحياتها ان تتنازل .. اتعبته بعنادها واصرارها على مواقفها ,,وكان دوما يؤمن ان بالحب لا كبرياء بين القلوب العاشقة تتساوى كرامة العشاق لا خاسر ولا رابح لكنها لم تكن قادرة على الايمان بذلك كانت تنتظر دوما ان يبدأ هو ..

وهو يحبها لدرجة انه يرى ذاته من خلالها لا يعنيه هذه التفاصيل الصغيرة، لكنه يبقى رجلا يحتاج لان يشعر ان من يحبها تتنازل عن شيء ما لاجله فقط قد لا يستهويه ان تتنازل لاي انسان اخر لكن له وحده ولو لمرة واحدة فقط.

فالتنازل كما يراه صورة ما عن الحب لكي نتمكن من الاحتفاظ بمن نحبهم ليس لاجل ان نسجل بطولات ليس لها مرادفات بالحب.

ولانها كانت تاخذ دور البطولة دوما اعتقدت انه سيعود كما كان في كل مرة تغضب بها كالطفلة وتبتعد ولكنه هذه المرة لم يعد وبقيت هي تنتظر يحرقها كبرياؤها يوما بعد يوم وعاما بعد عام، كي لا تتنازل مرة واحدة.

لا تزال تغفو وهاتفها بجانبها ومع اشراقة كل صباح لها موعد ايضا مع هاتفها تتفقده لعله عاد ولو برسالة ، بكلمة تنسيها المها واشتياقها ، لكنه لم يفعل.، فلا هو عاد ولا هي توقفت عن الانتظار

فالكبرياء بالحب.. مسافة بين قلبين تكبر يوما تلو الاخر، تسحبنا خلفها تحرق مشاعرنا وتقسو على قلوبنا... نغامر بكل ما نملك وبمن نحب كي لا نتنازل بالوقت الذي نتنازل عن كل ما هو جميل وصادق بايامنا.

وهي لم يبق لها سوى الانتظار... انتظار ذاتها قبل ان تنتظره، انتظار ان ترى الحب كما هو دون ان يكون لها مجرد معركة عليها ان تخرج دائما منها منتصرة... انتظار ان تدرك يوما ما ان البطولة بالقدرة على الاحتفاظ بمن نحب... ان نلامس مشاعرهم وقلوبهم وان نعي جيدا بانهم هم ايضا ينتظرون ويغضبون ويعانون ويحتاجون في لحظة ما ان يشعروا بمن يحبون..

كي لا نفقدهم ونفقد انفسنا قبلهم علينا ان نستعيد طقوس العشق ومعانيه... التي ليس فيما بينها خاسر ورابح سوى خسارة من نحب لاجل كبرياء كان يمكن له ان يبقى شامخا في عيون من نحب ان آمنا بان عيونهم مرآة لنا نرى بها انفسنا كما نريد.

في عيد ميلادها ..

في عيد ميلادها عادت الى اوراقها التي تعود إليها كل عيد ميلاد لها تترك باقي الاوراق بيضاء طيلة شهور السنة وكتبت:

في مرحلة ما من العمر تختفي الاشياء التي كانت في يوم ما تعني لنا البهجة والدهشة ..

في مرحلة ما ياخذنا العمر لمحطات اخرى نصبح بها اكثر عمقا واقل فرحا واحساسا بكل ما حولنا

لم تعد تلك الاشياء الصغيرة تستهوينا لم نعد نتوقف كثيرا عند سنة تضاف الى سنوات اعمارنا كما كنا من قبل... بل اصبح العام الجديد يذكرنا باننا كبرنا في قلوبنا ومشاعرنا ونظرتنا للحياة .

لا اعلم لماذا كلما تقدمنا بالعمر فقدنا شيئاً ما من انفسنا... لماذا لم نعد نشعر ببهجة الاشياء ورونق الايام كما كنا من قبل.

هل هي الحياة ومصاعبها ورحلة العمر التي تبدا سهلة لكنها تصعب عاما بعد الاخر عندما ندرك ان علينا ان نواجه الحياة بمفردنا دون ان يمد لنا احد يده للمساعدة والدعم ؟

هل هو النضوج بما يكفي لنرى الايام بشكل مختلف وكأن كل ما عشناه سابقا والاشياء التي كانت تستوقفنا والعلاقات التي استنزفتنا من اعماقنا وخيبات الاخرين والتوقعات التي لم تات كما نريد غيرتنا بما يكفي لتمر السنوات دون ان تمنحنا الدهشة التي ان اختفت عن ايامنا تساوت لدينا الايام والسنوات .

اليوم اودع عاما واستقبل آخر وما الفرق ما زلت على قيد الحياة لا يزال قلبي ينبض.. لا تزال الرحلة مستمرة...ماذا ستغير شموع العيد بعد ان كانت لسنوات سابقة وحدها تعني الفرح لاستقبال عام جديد واليوم هي مجرد شموع لارقام وسنوات لا اعلم هل انا احرقها باشعالها ام هي تحرقني باحتراقها..؟

انها مجرد سنوات تزيدنا كبرا والاحساس بالعمر يحتاج لاكثر بكثير من ذلك.

وما ان طوت اوراقها لتترك تساؤلاتها بلا اجابات فالبحث احيانا عن اجابات لما يدور في عقولنا ونفوسنا سيقودنا الى حالة من الهذيان التي لا نحتاجها.

لحظات هي... حمل اطفالها لها ورودا وهدايا منهم من كتب لها كلمات تعبر عن مدى حبهم لها وتقديرا لعيد ميلادها ومنهم من رسم لها رسمة تنقل فرحهم بها لعيد ميلادها والاكبر عمرا منهم قدموا لها هدايا وفروا ثمنها من مصروفهم اليومي وقالوا لها كل عام وانت الاجمل وانت الام التي لا مثيل لها بالعالم.

لحظتها فقط خجلت من كلماتها واعتذرت لاوراقها عن هذيانها هذا لتجد اجابة واحدة فقط لكل ما حملته اوراقها من تساؤلات، لتدرك معنى شموع العيد.

فمن كان ينتظره في عيده هذا القدر الكبير من الحب والبراءة والعطاء الذي لا يضاهيه شيئا بالحياة ايحق له ان يتساءل ماذا تعني السنوات وماذا تعني شموع العيد بعد اليوم..؟