Hatem Hussain

قراءة واستعراض قلمي :وليد سليمان.

منذ 16 عاماً غابت اشهر ممثلة عربية عن الحياة في ظروف غامضة، هي الفنانة الشهيرة سعاد حسني الملقبة بـ «سندريلا الشاشة العربية»، وكانت قد ولدت في مصر عام 1943 من أب سوري وام مصرية من اصل سوري.

والدها هو محمد حسني امين البابا، وكانه من فناني الخط العربي ومن رواده في العالم العربي، وكان يقوم بتخطيط وزخرفة كسوة الكعبة المشرفة حينما كانت تخرج من مصر بزفة كبيرة للأراضي المقدسة في السعودية وذلك في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

والأب والد سعاد هو ابن المطرب السوري «حسني البابا» وشقيق الممثل الكوميدي السوري المعروف أنور البابا، الذي اشتهر بشخصية ام كامل بالاذاعة اللبنانية.

اما ام سعاد حسني فهي «جوهرة حسن صفور» من عائلة معروفة في حمص بسوريا، وكانت جوهرة هي الزوجة الثانية لمحمد حسني البابا التي انجب منها عدة أولاد وبنات منهن سعاد حسني.

بينما قبل ذلك كان الأب قد تزوج زوجته الأولى «لطيفة» التي انجبت الاولاد والبنات وكانت منهن نجاة الصغيرة المطربة الشهيرة.

وعندما توفي الوالد محمد حسني البابا تزوجت ارملته فيما بعد وانجبت العديد من الاولاد والبنات كانت منهن «جنجاه» عبدالمنعم مؤلفة هذا الكتاب «سعاد – اسرار الجريمة الخفية» الذي صدر في القاهرة عام 2016 عن مؤسسة روائع للنشر. وبذلك يكون لسعاد حسني اخوة واخوات من ابيها وامها ثم من ابيها فقط، ثم من امها فقط.

وارجعوا للتاريخ واقرأوا لماذا كان يكتب عنها في تلك الفترة في اوائل الستينيات في الاعلام, وللاسف نجحت خططهم الشيطانية, وبدأ عبدالحليم يتشكك في سلوك زوجته, وهو بطبيعته كان شكاكاً وموسوساً حتى في شغله.. وبدأ يراقبها هو الاخر ويشك في كل تصرفاتها من كثرة حبه لها وغيرته عليها.. وهذا كان من الطبيعي مش هي زوجته.. وحدثت خلافات كثيرة بينهما بسبب ما كتب عنها في الصحف والمجلات باقلام مأجورة.

وكانوا بالطبع مراقبين كل تحركاتهم, وكانوا يتجسسون ويتصنتون على كل مكالماتهم 24 ساعة, وتأكدوا ان خططهم نجحت في وضع الشك في قلب عبدالحليم.

وجاء وقت تنفيذ مخططهم لتجنيدها بالجهاز بتاريخ اكتوبر او نوفمبر عام 1963, وارسلوا لها (م.ك) لشخصية رجل اجنبي فرنسي الجنسية, وطبعاً معه الشخصية الاخرى المجهولة, لانهم يعلمون جيداً انها لا تجيد اللغة الفرنسية على انه منتج سينمائي كبير في فرنسا ويمتلك شركة انتاج سينمائية كبيرة في مصر, وأنه معجب بفنها وادائها التمثيلي المميز البارع وانه شاهد كل افلامها من اول فيلم (حسن ونعيمة) و_(البنات والصيف) و(اشاعة حب) و(السفيرة عزيزة) و(غصن الزيتون) و(الاشقياء الثلاثة) وغيرها لأنها من اول الستينات حتى عام 1963 عملت اكثر من عشرين فيلماً, وانه عايز ينتج لها افلاماً كبيرة بانتاج ضخم بعقد احتكار لمدة زمنية محددة, وهذا كان يحدث كثيراً في ذلك الزمن (عقود الاحتكار مع الفنانين المشاهير).

وكان اختيارهم لشخصية (م.ك) اختياراً موفقاً لأنه شخصية جذابة على ما سمعت من المقربين لابله سعاد, وكان ذكياً مقنعاً ومظهره واسلوبه الراقي لا يمكن ان يشك احد في انه مش اجنبي, ولا انه مش منتج سينمائي, مع العلم بأنها كانت في ذلك الوقت صغيرة جداً وعمرها عشرون سنة فقط, ولسه بتشق طريقها الفني اللي بتحبه جداً, وعايزة تثبت وجودها بين عمالقة الفن.. فكان منطقياً ان تصدق هذا العرض السخي, وان تقع في هذه الخدعة!! وكان (م.ك) قد خدعها بأن طلب منها عمل تيست (اي اختبار امام الكاميرا) لها في مقر الشركة مع المخرج والمصور اللذين سيقومان بأدوارهما شخصان من الجهاز وهي لا تدري.

وعرض عليها بعض المشاهد السينمائية لتؤديها امام المخرج وامام الكاميرات, واختيارها للملابس والماكياج الخاص بالدور اللي هتلعبه في السيناريو الوهمي المطروح عليها، وكانت هذه هي الخدعة.

وخلال قيامها بذلك دخل عليها رئيس المخابرات بنفسه صلاح نصر ورئيس هيئة الامن القومي ومجموعة من رجال الجهاز باجسادهم الضخمة ومناظرهم المخيفة، اترعبت واغمى عليها، وبعدما افاقت لقت نفسها في مكان اخر، وكانت في حالة رعب ورهبة وخوف شديد من هول المفاجأة والصدمة القاسية حين اكتشفت الخدعة الكبرى التي مارسوها عليها، واوهموها بعدما افاقت من الاغماء بان الشخص الفرنسي هذا جاسوس، ولبسوها تهمة التجسس لصالح بلد اخر ضد الوطن، وخيروها بين مصيبتين: اما ان تمتثل لاوامرهم وتنفذ المطلوب منها، او يعلنوا امام الرأي العام انها جاسوسة وتعمل لصالح بلد اخر ضد مصر.

وطبعا اختارت الاقل ضررا عليها وامتثلت لاوامرهم رغما عنها، فالموقف بالنسبة لها كان صعبا جدا، هتعمل اية المسكينة يا عيني عليها، الله يكون في عونها اللي استحملت كل هذا الجرم.

وتم بالفعل تجنيدها مجبرة واكتشفت بعد ذلك حجم اللعبة القذرة اللي اتلعبت عليها.

فكانت في كثير من الاحيان تهرب من العمليات المكلفة بها وتتحجج وتتملص منهم بذكاء، وبكل الطرق الممكنة، وطبعا ما قدرتش تقول لزوجها عبدالحليم اي حاجة، كانت خايفة عليه منه حسب اعتقادها انهم ممكن أن يؤذوه لو عرفوا انهم متزوجين عرفيا.

لانهم جبارين ووحوش ممكن يعملوا كل حاجة، واللي ما ينفذش اوامرهم يودوه وراء الشمس، والكل يعرف من هو صلاح نصر ورجاله وافعالهم ومراكز القوى في مصر في ذلك الزمن، فقد كانوا نشطاء جدا لجمع المعلومات وتلفيق التهم للابرياء من السياسيين والادباء والصحافيين والطلبة والاعلاميين وما حدش فلت من ايديهم وجبروتهم.

مصطفى امين وعبدالحكيم عامر

وطلبوا من سعاد حسني ان تقوم بعملية ضد الكاتب الكبير مصطفى امين لانهم كانوا يريدون اعتقاله بسبب كتاباته وهجومه على السلطة والحكومة واعتقلوه فعلا بعد كده ولفقوا له تهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة الاميركية، فكانوا يريدون تلفيق تهمة له تمس الشرف علشان يتحكموا فيه وفي قلمه ويكون تحت رحمتهم لكنها رفضت لانها مستحيل ان تفعل مثل هذه الافعال، ودي مش طبيعتها اذية الناس، وعند رفضها للامتثال لاوامرهم، هددوها باعلانهم انها جاسوسة، ويلبسوها تهمة التجسس امام الرأي العام، فكانت في حيرة مش عارفة تعمل ايه، ومكانش امامها الا حل واحد فقط، وهو ان تعترف لزوجها عبدالحليم حافظ وتقول له الحقيقة، وهي تعرف جيدا انها باعترافها له بهذا الموضوع سوف تخسره الى الابد.

ولكنها فضلت حماية مصطفى امين على حياتها مع حبيبها عبدالحليم، وكانت لحسن حظها في هذا الوقت قد عرفت صلة عبدالحليم بالمشير عبدالحكم عامر.

وبعد ان اطمأنت لقوة العلاقة بين زوجها وثاني رجل في الدولة آنذاك المشير عامر، وامام القدر الهائل من الضغوط النفسية الواقعة عليها، خصوصا بعد محاولة استخدامها لتلفيق تهمة للكاتب الكبير مصطفى امين، حكت لعبدالحليم كل الحكاية بالتفاصيل، وطلبت منه ان يبلغ المشير عامر بكل شيء، لكي يتدخل لحمايتها من هؤلاء المجرمين، وقالت له: انها كانت خائفة جدا انهم يعرفوا اننا متزوجون فيقومون بايذائك ومكنتش اعرف علاقتك القوية بالمشير عامر في ذلك الوقت عند تجنيدي.

وبالفعل اصدر المشير اوامره بنفسه الى رئيس المخابرات العامة صلاح نصر باستبعاد الفنانة سعاد حسني من جهاز المخابرات بعد ان ابلغه عبدالحليم باجبارها وتهديدها لتجنيدها، وكل ما فعلوه معها من خدعه وما مارسوه عليها من ضغوط لتعمل لحسابهم.

لذا فقد تمكنوا بذلك من ادخال الشك والظنون في قلب زوجها فكان الفراق الذي حدث بينهما على الرغم من علم عبدالحليم بالحقيقة منها شخصيا.

ولكن وبعد فترة قصيرة من انفصالهما، راجع عبدالحليم نفسه وشعر اكثر مع سعاد التي تحملت الضغوطات النفسية وخوفها عليه، فشعر انه ظلمها وحاول ان يرجع لها ويعلن زواجه منها رسميا امام الجميع، لكن سعاد رفضت ذلك بشدة.

وهكذا كان الاثنان سعاد وعبدالحليم من ضحايا هؤلاء الظالمين الذين لا يعرفون الرحمة ولا يخشون الله سبحانه وتعالى.

4- سنوات في لندن

في الصفحة 538 تذكر المؤلفة ان سعاد حسني كانت تسكن في شقة صديقة لها في لندن للعلاج في المراكز الطبية هناك من امراضها، وانها ليلة مصرعها سمع الجيران في العمارة اصوات شجار واستغاثة من داخل الشقة قبيل الحادث بعشر دقائق، فاتصلوا بالبوليس الانجليزي. وقبل ان يأتي البوليس كانت سعاد حسني قد ماتت بعدما سقطت من شرفة بيت صديقها على ارض الشارع فماتت على الفور، وقد صورت وسائل الاعلام ان سعاد حسني كانت مصابة بالاكتئاب فاقدمت على الانتحار برمي نفسها من الشقة المرتفعة في الطابق السادس الى الارض.

لكن الحقيقة كما تقول جنجاه ان سعاد حسني لم تنتحر بل قُتلت غدرا وعمدا لانها كانت قد بدأت بتسجيل مذكرات حياتها في 12 شريط لنشرها في كتاب ربما تكسب منه نقوداً هائلة تصرف على علاجها في لندن الذي دام 4 سنوات، وكانت الحكومة المصرية قد تكفلت بالعلاج في بداية المشوار العلاجي، لكنها رفعت يدها عن ذلك بحجة انها ليست مريضة مطلقا.

اما جهاز المخابرات المصرية فقد لاحقها الى لندن وسرق منها اشرطة المذكرات التي تروي فيها بالتفاصيل والاسماء قصة تجنيدها واخريات رغما عنهن بعد عمل خدعة الكنترول لهن، وهكذا تخلصت المخابرات من مذكراتها التي تفضح الممارسات الرهيبة والمشينة واسراراً كثيرة.. اراد المتهمون في تلك المذكرات ان يتخلصوا منها، وتصوير موتها على انه انتحار.. بينما هو في الحقيقة والدلائل والاثباتات الكثيرة التي حوى عليها هذا تؤكد انها ماتت مقتولة فعل فاعلين ضربوها في الشقة بوحشية ثم جروها والقوا بها من الطابق السادس الى الارض لتسقط ميتة فورا.