د. عيسى أيوب أبودية أخصائي علم المناعة

مع زيادة حالات الإصابة بالسرطان عالمياً، أصبح الكثير من عامة الناس مسكوناً بحالة من الخوف والهلع والتّخبُّط، وكانت ردة الفعل الشعبية تجاه المرض ومسبباته غير علمية في مُجملها، فالكثير من الناس باتوا يعتقدون أن كل شيء من حولهم يمكنه أن يُسبِّب السرطان، كما أخذوا منحىً سلبياً بافتراضهم أنه لا يوجد ما يمكن فعله في حياتنا اليومية لخفض احتمالات الإصابة بالمرض!.

حقيقة الأمر أن نسبة السرطانات التي تحدث لأسباب وراثية بحتة ،دون تحفيز من طبيعة حياتنا والبيئة المُحيطة بنا لا تكاد تتجاوز 10% من مجمل الحالات المُسجّلة، وأن 30-50% من هذه السرطانات على أقل تعديل يمكن تفادي حدوثها باتباع أساليب حياتية صحية.. فماذا يعني ذلك؟.

أن التركيز على القيام ببعض المُمارسات الحياتية الصحية ،البسيطة له عميق الأثر في التقليل من احتمال إصابة الكثيرين بالسرطانات المتنوعة.

الوكالة الدولية لأبحاث السرطان أكدت هذا الاستنتاج ،من خلال إصدارها للكودة الأوروبية لمحاربة السرطان، والتي تضمنت اثني عشر نصيحة من أجل خفض مخاطر الإصابة بالمرض، وتالياً ملخص هذه النصائح المستندة على الدلائل العلمية المُتاحة ..ومنها:

اولا - الابتعاد عن التدخين بكافة أنواعه. فالتدخين يتبوأ المركز الأول بلا منازع كعامل مُسبِّبٍ للعديد من السرطانات والوفيات الناجمة عنها.

ثانيا - جعل المنزل والعمل أماكن خالية من التدخين. فالتدخين لا يقتصر على الشخص الذي يستهلك التبغ بل على كل الضحايا المُحيطين بذلك الشخص والذين يستنشقون قصراً السموم المُنبعثة عن سيجارة المُدخِّن، فيما يُعرف بالتدخين السّلبي (Passive Smoking).

ثالثا - التخلص من الوزن الزائد والمُحافظة على وزن الجسم في المعدلات المُوصى بها. لقد توصلت الكثير من الأبحاث إلى وجود ارتباط قوي ما بين وزن الجسم الزائد وزيادة نسبة الخلايا الدهنية في الجسم وبين احتمال الإصابة بالسرطانات المتنوعة كسرطان بطانة الرّحم والمريء والمعدة والكبد وغيرها.

رابعا - الحركة اليومية والنشاط الجسدي المستمر. فكما يقول المثل الشعبي: «في الحركة بركة» وعلى المرء أن يتجنب الخمول وفترات الجلوس الطويلة.

خامسا - اتباع حمية غذائية صحية. ويتم ذلك عن طريق الإكثار من الحبوب والخضار والفواكه، والابتعاد عن الأطعمة الغنية بالدهنيات الضارة والسكريات واللحوم الحمراء، وتجنب المأكولات التي تحتوي على كميات كبيرة من ملح الطعام.

سادسا - تجنب المشروبات الكحولية. فالابتعاد عن الكحول يقلل من فرص حدوث السرطانات المتنوعة.

سابعا - تجنب التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترات طويلة. إن التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترات طويلة تزيد من احتمال الإصابة بسرطانات الجلد، لذا يجب تجنب فعل ذلك واستخدام المُستحضرات الواقية من الأشعة فوق البنفسجية إن لزم الأمر.

ثامنا - في حال احتواء مكان العمل على مواد معروفة بقدرتها على التسبُّب بالسرطان كالإسبستوس وبعض المركبات الكيميائية، يجب اتخاذ كافة الاحتياطات والتدابير الوقائية اللازمة لتجنب التعرض لمثل هذه المواد المُسرطنة بشكل أو بآخر.

تاسعا - فحص المنازل للتأكد من عدم احتوائها على نسب عالية من غاز الرادون. والرادون غاز لا لون له ولا رائحة، يمكن أن ينبعث من شقوق في التربة والصخور أو الخرسانة المُستخدمة في العمار أيضاً، وبخاصة في التسويات والطوابق الأرضية. إن دخول هذا الغاز وتراكمه في المنزل قد يؤدي على المدى البعيد إلى سرطانات في الرئة. ولهذا يُنصح بتهوية الأبنية جيداً قبل السكن فيها لعدة أيام.

عاشرا - فيما يتعلق بالنساء، يُنصح بالإقبال على الرضاعة الطبيعية للأطفال فهي تساعد على تقليل نسب حدوث سرطان الثدي عندهنَّ. كما يجب على النساء تجنُّب العلاج بالهرمونات التعويضية قدر الإمكان. وعادة ما يُستخدم هذا النوع من العلاج في تخفيف أعراض بلوغ سن اليأس أو في معالجة هشاشة العظام. وقد تبين أن النساء اللواتي يُعالَجنَ بالهرمونات التعويضية لفترة طويلة من الزمن يكُنَّ أكثر عرضة من غيرهنَّ للإصابة ببعض أنواع السرطانات كسرطان الثدي والمبيض.

..واخيرا:

الحرص على تطعيم الأطفال ضد بعض الفيروسات المُسببة للسرطان، كفيروس التهاب الكبد الوبائي «ب» الذي يمكنه التّسبُّب بسرطان الكبد وفيروس الورم الحليمي البشري (Human Papilloma Virus, HPV) الذي يُعَدُّ المُسبِّب الرئيسي لسرطان عنق الرحم.

والاشتراك ببرامج المسح للكشف المبكر عن السرطان والقيام بالفحوصات المخبرية اللازمة لهذه الغاية. ومن أهم هذه البرامج تلك المعنية بالكشف المبكر عن سرطان القولون والثدي وعنق الرحم.

وعلى الرغم من أن النصائح السابقة قد تبدو بسيطة جداً وسهلة التطبيق للوهلة الأولى، إلا أن طبيعة الحياة المعاصرة والعادات السيئة المرتبطة بها كالتدخين وسوء التغذية وقلة الحركة، تجعل من إيجاد الوقت الكافي والمكان الملائم والإمكانيات المادية المتوفرة للقيام بمثل هذه التعديلات السلوكية أمراً أصعب مما يبدو. ولذلك، علينا أن نولي الأمر اهتماماً خاصاً ونبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق هذه التغييرات السلوكية المطلوبة. ولنتذكر أنه طالما نحن الآن على معرفة بما يجب فعله، فإن تطبيق النصائح أعلاه، ولو جزئياً، أمر لا بُدّ منه، بدلاً من أن نقف مكتوفي الأيدي في مجابهة مرض السرطان الذي بات اليوم يحتل المرتبة الثالثة عالمياً كمُسبِّبٍ للوفاة.

إن هذا المرض الخبيث يطال واحداً من كل ثلاثة أشخاص يعيشون على وجه هذه البسيطة. والمسؤولية الكبيرة في محاربة السرطان ملقاة على عاتق كل واحد فينا. أما ساحة المعركة فتبدأ في منزلنا ومكان عملنا لا في المستشفيات! .

لذلك، ينبغي الشروع في نشر الثقافة الطبية عبر وسائل الاتصال والإعلام المتنوعة لأن خفض أعداد المصابين يقلل من عبء العلاج على الدولة ويزيد من عطاء المواطنين وكفاءتهم في العمل ويجعلهم أكثر سعادة.

i.abudayyeh@biolab.jo