أبواب - وليد سليمان

يقول صاحب هذه الذكريات : إن هذا الكتاب – المخطوط والمُعد للنشر - ليس تأريخاً لمدينة عمان في الخمسينات، وإنما هو بعض ما أفصحت به لي ذاكرتي عما حدث معي أيام صباي في عمان الخمسينات .. قد تكون هذه الذكريات عادية في عيون بعض من عايشها في صباه. وإني لأرى فيها رسوماً لرتوش متناثرة تصور بعضاً من أحوال عمان في حقبة الخمسينات.

فمن هو كاتب هذه الذكريات !؟ إنه « بكر عبد المنعم « المولود عام 1942 في الرملة , وبعد الهجرة درس في مدارس عمان ,وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة القاهرة 1966, وكان رئيس محطة توليد الطاقة الكهربائية الرئيسية في الأردن 1966 – 1971.

وكان عضو الهيئة الإدارية لنقابة عمال الكهرباء في الأردن 1967 – 1970 , وعضو المجلس الإداري لنقابات العمال في الأردن 1968 , ورئيس لجنة المكتبة في نقابة المهندسين الأردنيين 1967 – 1970, وعضو الهيئة الإدارية لجمعية المكتبات الأردنية 1969 – 1970.

وهو حاصل على ماجستير الهندسة الميكانيكية من جامعة القاهرة 1975ودبلوم عام (1975)، ودبلوم خاص (1976) في الدراسات الإسلامية من معهد الدراسات الإسلامية العليا في القاهرة , ودكتوراه في الهندسة الميكانيكية 1983 , و دكتوراه في الإقتصاد 1985, و دكتوراه في العلوم السياسية 1998, ونائب رئيس اتحاد الطلاب العالمي 1978 – , 1983وممثل (سفير) فلسطين لدى اليابان 1983 – 1995, و لدى كندا 1995 – 2006 , و لدى روسيا الإتحادية 2006 – 2008 .

وعندما تقاعد واستقر في عمان التي يعشقها .. كتب ذكرياته الخاصة عنها منذ مرحلة الطفولة والشباب .. وذلك في كتاب ضخم من جزئين ما زال مخطوطاً ينتظر النشر .

وكان المؤلف الدكتور والمهندس والسفير بكرعبد المنعم قد أطلعنا على كتاب ذكرياته هذا بعنوان ( ذكرياتي أيام الصِبا في عمان الخمسينات ) .. الذي اخترنا منه عرض ما كتبه عن أسواق عمان القديمة والتي مازالت أكثرها موجودة حتى الآن :

سوق البخارية

يقع هذا السوق التجاري في وسط البلد، مقابل ساحة المسجد الحسيني، على يمين أول شارع الملك طلال , ويُشتهر بأنه السوق الأول في الأردن.

وتروي الحكايات أن الشيخ كمال الدين البخاري كان قد قدم إلى عمان من بلاده أوزبكستان، وكان أول ما قام به أن أسس «سوق البخارية». الذي ضم عدداً من التجار الذين قدموا مثله من مدينة «بخاري»، وعليه سمي السوق بهذا الاسم نسبة لهم.

كان السوق في الأصل في وسط الساحة الشمالية المقابلة للمسجد الحسيني، وبقي السوق في موقعه ذلك إلى أن شب فيه حريق، فتم بعد ذلك نقله إلى مكانه الحالي. وهو سوق مسقوف، والمحلات فيه متقابلة من جانبيه.

ومعظم أصحاب المحلات الموجودة فيه كانوا آنذاك هم من أصول بخارية، فأصحاب تلك المحلات ظلوا يورثونها من الآباء إلى الأبناء ومنهم إلى الأحفاد.

إن قسمات وجوههم وطراز لباسهم التقليدي، خاصة غطاء الرأس ولكنتهم المحببة، كلها تشي وتدل على أصولهم البخارية.

إنك تجد في هذا السوق كل ما يخطر ببالك من نثريات واكسسورات للاستخدام اليومي أو للزينة أو للهدايا، ابتداء من مقصات الأظافر والخناجر الفضية التقليدية، وانتهاء بالمناديل والجرابات، ومروراً بهدايا الحجاج من المسابح والسجاجيد المتعددة الألوان والأشكال والأسعار.

كذلك التحف الشرقية والأكسسوارات والعطور والمجوهرات المقلدة، والبضائع الجميلة المتنوعة من التحف الخزفية والمنسوجات التقليدية المطرزة، والتحف الفنية النادرة، ومنتجات الأخشاب والخيزران والصلصال، وأدوات ومستلزمات الحلاقة والحلاقين، وأدوات ومستلزمات الخياطة من خيوط وكُلف وشبر وتنتنا وأزرار وبطانات. أضف إلى ذلك ألعاب الأطفال المنوعة، والملابس الداخلية للكبار والصغار من ذكور وإناث.

سوق البلابسة

يقع هذا السوق على يمين أول شارع الملك طلال، مقابل دكاكين أوقاف المسجد الحسيني، وعلى بعد بضع عشرات الأمتار فقط من شقيقه التوأم «سوق البخارية».

أقام سوق البلابسة عدد من التجار الذين هاجروا من مدينة يافا الفلسطينية جراء التهجير القسري، والذين كان لهم فيها أي يافا محلات في سوق هناك يحمل نفس الاسم.

فمعظم عائلات هؤلاء التجار هم من أصول مصرية ترجع إلى مدينة «بلبيس».

يبيع هذا السوق منتجات النوفوتيه المتنوعة والملابس الداخلية والجرابات والمناديل والأحذية والكُلف للخياطين من خيوط وأزرار ومطاط وبطانات، إضافة إلى منتجات العطور ولوازم الزينة للسيدات، ولوازم حلاقة الذقن للرجال، وشنط السيدات والجزادين المتنوعة. إضافة إلى هدايا الحجاج، خاصة السجاجيد والسبح متنوعة الألوان والأشكال والأسعار.

سوق اليمنية

هو ثاني أقدم سوق بوسط البلد في عمان بعد سوق البخارية. ظل هذا السوق محتفظاً باسمه، «سوق اليمنية»، منذ اللحظة الأولى التي تسمى بها وأصبح مكاناً لبيع الملابس المستعملة (البالة). كانت ملكية السوق تعود إلى آل ميرزا. لذلك كان أحياناً يطلق عليه «سوق ميرزا».

لقد جاء العديد من اليمنيين ليقاتلوا في صفوف الثورة العربية، وبقي عدد منهم في عمان واشتغلوا في الأعمال البسيطة التي كانت متوفرة في ذلك الوقت.

وخلال الحرب العالمية الثانية اشتغلوا في بيع ما يعرف بـ (البالة)، الملابس المستعملة. فاختاروا ذلك المكان في وسط عمان، وبنوا فيه البراكيات لبيعها.

وشب حريق هائل في السوق عام 1956 أتى على كل السوق وكل محتوياته مما دعا إلى إنشاء محلات من الإسمنت ليعود نفس الباعة إلى محلات دائمة.

ويتميز سوق اليمنية بالبساطة وبنكهته الشعبية. ويزداد الإقبال على السوق في فصل الشتاء لشراء الملابس الشتوية الثقيلة منها المستعملة الرخيصة, ومنها الستوك غير المستعملة .

سوق الصاغة

أنشئ سوق الصاغة عام 1950 في المنطقة الواقعة عند تلاقي شارع الملك فيصل مع بداية طلوع شارع الشابسوغ، حيث كان يضم القليل من المحلات عددها أقل من عدد أصابع اليدين، حيث شكلت نواة هذه السوق التي لا يباع بداخلها سوى منتجات الذهب والفضة.

بعد ذلك، وعلى مرور السنين، انضم العديد من التجار الآخرين ليصبح مقراً وتجمعاً وسوقاً لتجارة الذهب في الأردن , ومن حوله والقرب منه انتشرت محلات صاغة أخرى جديدة خلال العقود الماضية .

أبو أحمد بائع الفستق

لم يعلم المرحوم المواطن النيجيري الأصل عمر محمد حمزة المعروف بـ «أبو أحمد»، عاشق عمان وصاحب البشرة السمراء الجميلة أنه سيصبح علامة فارقة مميزة وشخصية معروفة جداً في وسط مدينة عمان عند مدخل سوق الصاغة والذهب.

فأبو أحمد كان شخصاً لطيفاً في معشره، وحديثه البسيط يأسر القلب أثناء عمله لبيع الفستق السوداني الطازج والساخن دائما طوال السنة صيفاً وشتاءً.

بسطته الصغيرة هي عبارة عن محمصة صغيرة لها مدخنة صغيرة بها القليل من الفحم الذي يكون متجمراً في موقد صغير موجود تحت حبات فستقه السوداني الشهي.

خرج من بلده الافريقي (نيجيريا) بقصد الذهاب في رحلة طويلة وشاقة الى الديار المقدسة من أجل قضاء فريضة الحج، فخرج من موطنه إلى السودان ثم إلى مصر، ثم تابع سفره إلى القدس . لكنه في العام 1948 هاجر كبقية الفلسطينيين لاجئاً إلى عمان.

إستقر فكره في التخصص ببيع الفستق السوداني الساخن والطازج والذي برع وأتقن وحافظ على جودة هذه المهنة حتى أصبح لديه آلاف الزبائن.

سوق عمارة منكو

هو من أقدم وأفخم الأسواق القديمة في وسط البلد. ويقع ما بين شارعي الملك فيصل وبسمان. مدخله الرئيسي من شارع الملك فيصل قريباً من بداية شارع السعادة، أما المدخل الآخر فهو عبر درج إلى شارع بسمان يُسمى درج منكو.

يرجع تاريخ إنشاء هذا السوق للعام 1947، حيث قام إبراهيم منكو ببناء هذا السوق بمحلاته وساحته الوسطى وفندقه الشهير، فندق بالاس. انتهت عملية البناء بعد ثلاث سنوات، حيث تم تأجير محلاته الأرضية العديدة لمحلات لبيع الأقمشة والملابس فقط، حتى يظل متخصصاً بنوع معين من التجارة والمبيعات والمعروضات وعرف السوق منذ إنشائه باسم عائلة منكو.

ومن المحلات فيه آنذاك محلات : صبحا، حتاحت وعبيد، شرقطلي، دياب، بايزيد، بامبي، و محلات العطار الشهيرة المتخصصة ببيع الكلف للخياطة من خيطان وأزرار وغير ذلك .

سوق الخضار

كان أول سوق للخضار نشأ في عمان يقع بجانب سوق السكر , في مكان وصول الشارع الذي يصل الآن بين بداية شارع الهاشمي وشارع قريش (سقف السيل)، قريباً من سبيل الحوريات، والذي هو امتداد طبيعي لشارع الرضا.

وكان المزارعون يحضرون بضاعتهم إليه حيث يتم البيع بالجملة بعد صلاة الفجر.

كان لهذا السوق مدخلاً واسعاً من جهة شارع الهاشمي، بينما كان مقفلاً من نهايته التي هي من جهة السيل آنذاك.. كانت دكاكين بائعي الخضار والفاكهة تقع على محيطه الذي هو على شكل هلال تقريباً. يخرج من منتصف يمينه شارع صغير ضيق يصله بسوق السكر المتخصص ببيع المواد التموينية بالجملة والمفرق.

أما في نهاية السوق فقد كان هناك عدد صغير من محلات بيع روؤس وكوارع وأقدام وكرشات الأغنام والأبقار المنظفة.

و يحتل وسط السوق عدداً كبيراً من أصحاب بسطات بائعي الخضار والفاكهة.

وعند مدخل السوق العديد من الباعة، معظمهم من النساء القرويات (الفلاحات)، اللواتي كانت الواحدة منهن تضع أمامها صندوقاً خشبياً كبيراً (بكسة) فيه نوع أو نوعين من المنتجات الزراعية، خاصة الورقيات مثل البقدونس والنعنع والكزبرة والفجل والخبيزة والبقلة إضافة إلى الباذنجان الكبير أو البلدي الطويل والليمون والبيض البلدي، إضافة إلى بعض أنواع الفاكهة مثل العنب والتين والرمان.

وفي مدخل السوق من جهة اليسار بعض المحلات التي كانت متخصصة ببيع الممتاز من الفاكهة، ولكن أغلاها طبعاً.

وكان والدي يتردد على هذا السوق بشكل يومي تقريباً. كان يقوم بشراء ما يلزم من خضار لطبخة ذلك اليوم، وقليل من فاكهة الموسم الرخيصة. حيث كان يتعمد أن يشتري من المعروض من تلك الأنواع التي هي في موسمها، والتي يكون سعرها في العادة أرخص الأسعار.

كان يقوم بتحميل مجمل ما يشتريه لأحد الصبيان الذين كانوا يعملون في السوق كحمالين يحملون على ظهورهم سلة من البوص، وما كنا نسميه آنذاك «عتال بسلة».

يظل هذا الصبي يمشي خلف الوالد في السوق حتى ينتهي من شراء كل ما يلزم، ومن ثم يطلب منه ان يوصل تلك المشتريات إلى البيت، بعد أن يصف له العنوان، أو لعله يكون ممن يعرفون ذلك من خلال تكرار ذهابه إلى هناك في مرات سابقة، كل ذلك مقابل قرش أو قرشين.

سوق السكر

هو سوق شعبي قديم يقع في وسط البلد، ويعود بناؤه إلى العام 1957. وكان السوق في الأساس عبارة عن حوالي عشرين محلاً لبيع المواد التموينية والعطارة والبهارات بالجملة والمفرق.

ومن أهم مؤسسي هذا السوق: شركة حيدر عرفات التجارية، ومحلات نور الدين المصري، والشركة التجارية الفلسطينية، ومحلات محمد علي وبديع دروزة، ومحلات الكيالي.

وتكثر الآراء التي تختلف في سبب تسمية السوق بهذا الاسم، فمنهم من يقول أن السوق سُمي بهذا الاسم نسبة إلى مالك الأرض الذي ينتمي إلى عائلة السكر، فقام ببناء الدكاكين على هذه الأرض وتأجيرها.

ومنهم من يقول أن السوق سمي بسوق السكر لأن المادة الأساسية التي كانت تباع فيه عند إقامته هي السكر- وهذا خطأ شعبي شائع - .

يقع السوق بجانب المسجد الحسيني الكبير، ويتميز بأزقته المتعددة. كما كان يتميز بقدرته على جذب المتسوقين نظراً لاحتوائه على جميع أصناف المواد التموينية، ولرخص أسعار السلع.

سوق الحلال

كان يقع هذا السوق على جنبات سيل عمان بالقرب من جسر الحمام، المتفرع من شارع الملك طلال.

و اشتهر هذه السوق ببيع الماشية من الخراف والماعز والبقر والجمال. وكان يُقام السوق تحديداً في يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع فقط .

سوق الخبز

سوق أو شارع الخبز يتفرع هذا الشارع القصير المتفرع من شارع الملك طلال ويصله بالسيل. ويقع قبل شارع جسر الحمام قرب سوق اليمنية الشهير .

في هذا الشارع كانت تكثر بسطات بيع الخبز. وكان معظم الخبز المعروض هو من الخبز المنقوش، وقليل من المعروض هو من الخبز المشروح. وكان يباع في أغلب الأحيان بالرطل (ما يعادل ثلاثة كيلو غرامات تقريباً) وأحياناً كان يباع بالرغيف عَدّاً.

في تلك الأيام لم تكن عادة شراء الخبز من الأفران أو من محلات البقالة منتشرة بعد، ذلك أن معظم الناس كانوا يقومون بعجن الطحين في منازلهم ومن ثم خبز خبزهم في أفران الحارات القريبة من أماكن سكنهم.

سوق الحُصر

يتفرع هذا الشارع من شارع الملك طلال وفي منتصف المسافة تقريباً بين سوق البلابسة وطلوع شارع قبرطاي.

وهذا الشارع كان قديماً مغلقاً من الطرف الآخر- ولكن فيما بعد في الستينات من القرن الماضي تم عمل منفذ له ليصله بشارع بسمان حيث مواقف سرفيس خطوط جبل عمان - . ومعظم المحلات الموجودة في هذه السوق كانت لبيع الحصرالتي تُفرش على أرضية البيوت والمنازل .. وغيرها من منتجات البوص والقش مثل السلال وأطباق لوضع العجين والأواني والأدوات الأخرى.