ابواب - زياد عساف

” الحضور ” او ” القبول ” صفة تميز بها العديد من اصحاب الأصوات الجميلة بفترة الأربعينات و الخمسينات واصبحت جواز مرورهم لقلوب الناس وكان مجرد ظهور الفنان على المسرح يعكس حالة من الود والإرتياح لدى الجمهورالمتواجد في الصالة ، من هنا تبدأ حكاية ” حكمت احمد محسن ” التي كان قدرها ان تثبت نفسها بين اشهر الاصوات النسائية تلك الفترة امثال ليلى مراد وفتحية احمد و رجاء عبده وغيرهن ، واستطاعت ان تجتاز هذا الامتحان بما انعم الله عليا من بحة جميلة في الصوت و اطلالة مريحة و اّسرة بالإضافة الى أنها قدمت اللون الغنائي الذي يعبر عن البيئة الشعبية والإجتماعية التي انطلقت منها فكان اداؤها بطبيعة الحال بعيداً عن التصنع او التكلف ويمتاز بالعفوية والصدق ،تجلى ذلك بأغنياتها التي وصلت للمستمعين والمشاهدين عبر الإذاعة والشاشة الكبيرة ، محققة الشهرة التي من استحقاقاتها اختيار اسم جذاب يلفت الإنتباه ليعرفها الناس باسم ” درية احمد ” الذي علق باذهانهم لفترة من الوقت ، لتصبح ”منسية“ تماما بين ابناء جيلها والأجيال المتلاحقة فيما بعد .

«بدوية .. »

اعجاب و إشادة مدرس التربية الموسيقية بصوتها وهي في المرحلة الإبتدائية ولّد لديها الحافز بأن تسلك مجال الغناء ولم تكن تلك بالأمنية السهلة وقتها كونها تنتمي لأسرة بدوية ، الا ان درية احمد المولودة عام 1923 عقدت العزم على المسير بالطريق لنهايته متخطية العديد من المواقف التي تعترض اي فنان ومنها الوقوف امام لجنة اختبار الأصوات في الاذاعة المصرية ، ووقفت أمام اللجنة الفاحصة مع كارم محمود و محمد فوزي وتوافق ذلك عام 1941 واجتازت الإمتحان بنجاح ليتم تعيينها في ذاك اليوم كمطربة معتمدة في الإذاعة .

تزوجت درية احمد من المخرج السيد زيادة الذي مهّد لها الطريق للدخول لعالم السينما وهو مساعد مخرج لتظهر تلك الفترة بادوار ثانوية ومنحها ادوار البطولة كمغنية وممثلة فيما بعد بمعظم الافلام التي اخرجها لتصبح حصيلة الأعمال التي شاركت بها تقارب العشرين فيلماً ،بالعودة لهذه الأفلام نلاحظ ان اغلب ظهورها مع اسماعيل ياسين و كمال الشناوي و شكري سرحان وبنسب اقل مع اسماء اخرى امثال عماد حمدي و محمود المليجي ومحسن سرحان و حسين رياض ويحيى شاهين و شكوكو و عمر الجيزاوي وعبد السلام النابلسي ، ومن الممثلات تحية كاريوكا وامينة رزق و فاطمة رشدي و راقية ابراهيم و هدى سلطان .

«خضرا والسندباد القبلي..»

حسب التسلسل الزمني ظهرت درية احمد بفترة الاربعينات وبادوار ثانوية بافلام ” ابن الصحراء ” 1942 ، ” نداء الدم ” 1943 ، ” كيلوباترا ” 1943 ، ” اميرة الجزيرة ” 1948 ، ” المصري افندي ” 1949 ، ” بنت العمدة ” 1949 .

وبفترة الخمسينات وبعد فيلم ” ما كانش ع البال ” 1950 بدأت تحظ بادوار البطولة بأفلام مثل ” مغامرات خضرة « 1950 و ” خضرة و السندباد القبلي ” 1951 ، ” الدم يحن ” 1952 ، ” الناس مقامات ” 1954 ، ” العاشق المحروم ” 1954 ، ” دلوني يا ناس ” 1954 ،“ نحن بشر ” 1955 ، ” توبة ” 1958 ، وفي عام 1960 ومن اخراج حسن الامام شاركت بفيلم ” اني اتهم ” مع صلاح ذو الفقار و زبيدة ثروت و زيزي البدراوي .

شاركت بالغناء حصراً في ثلاثة افلام وهي ” من الجاني ” 1943 ، ” الطائشة ” 1946 ، ” اللقاء الأخير ” 1953 .

تجربتها مع المسرح لم تكن بمستوى حضورها على الشاشة والتحقت بفرقة اسماعيل ياسين ومثلت معه مسرحيتين هما ” انا عايزة مليونير ” 1954 و ” عفريت خطيبي» 1964 .

اعتزلت درية احمد الغناء والتمثيل في اواخر الستينات لتتفرغ لتربية ابنتها الوحيدة الفنانة سهير رمزي التي انجبتها من زوجها الثاني محمد عبد السلام نوح ليدور الزمان وتعتزل سهير رمزي الفن لرعاية والدتها درية بعد ان بدأت تعاني المرض ولحين وفاتها عام 2003 ، ولاتُذكر درية احمد هذه الايام الا من خلال اللقاءات الإعلامية التي تجريها سهير رمزي التي ربطتها بأمها علاقة حميمية جعلتها وكما ذكرت لوسائل الإعلام ترفض فكرة الإنجاب حتى لايعيقها ذلك عن رعاية والدتها .

«ول يمين .. ول شمال»

مجمل أغنيات درية احمد هي حصيلة ماقدمته من الحان ضمن الأفلام التي شاركت بها وتم توظيفها ضمن السياق الدرامي المتبع بأفلام الأربعينات والخمسينات تحديدا ، ونلمس طابع الخفه والمرح بهذه الأعمال وهي تعبر بذلك عن طبيعة شخصيتها المرحة وفي اغنيات عديدة مثل ”علي يا علي يا بتاع الزيت“ ، ”حلاوتها في قميص نومها“ ،” اه يا بوي واه يانا“ ،“ على نور الشمعة ح اسليكم واغني و اسعد لياليكم ” ،“ مية فل والف تحية“ ، ” خلاص يا قلبي ” ، « انا احب واكره « ،“ كان مالي ومالك“ ، ”على عيني والله“ ، ” مين زينا جاتنا الفلوكه لحدنا“ ،“ من هادا اليوم وبعد اليوم ” ،“ ولمنتخب كرة القدم المصري بالخمسينات « ول يمين .. ول شمال « وهي من نوعية الأغاني التي تتغنى بالكرة ولاعبيها و الاندية المشهورة و حاولت الفنانة سهير رمزي ان تستعيد امجاد والدتها عندما قدمت اسكتش مشابه يتغنى بالأهلي و الزمالك بفيلم ” رجل فقد عقله ” 1978 ومن كلماته ” الزمالك يابو خطين .. جبت السحر دا كله منين ” ، ومن اغاني درية أيضاً « انا مش سايباك لو حتى الف الدنيا وراك ” و» عارف والعارف لا يعرف .. محتارة ومش عارفه اتصرف .. حب اخلاص والعقل خلاص .. في سرايا المجانين ح يشرف « ، « على عيني والله ومش بايدي .. ما اعبط من ستي الا سيدي « ، ومن أغنية ”جلوين .. جلوين ” من فيلم «بنت العمدة « قسماً بالله لو عاد ليّه ..لا دبحله فراخ ع الملوخية .. واقعدله في ريح الطبليه .. اناوله اللقمه الطرية .. تستاهل الدبح النبي يا احمد « .

«حسن وماريكا»

اغاني الأعراس الشعبية والبدوية لون من الأغاني الذي قدمته دريه احمد ومنها ” يا زينة وعريسك زين ” و بخفة دم الموسيقار سيد مكاوي التي نلمسها في الحانه غنت درية احمد بفيلم «حسن وماريكا ” 1959 دقي يا مزيكا لحسن وماريكا .. جيركا وبياتي ونهاوند و سيكا .. ياختي يا حلاوتهم .. ياختي يا لطافتهم .. الحظ اّنسنا والمولى حارسنا .. نصرك يا عريسنا على مين يعاديكا « و من اغاني المناسبات قدمت اغنية ” السبوع ” بفيلم ” المصري افندي ” .

لم تقدم درية احمد اغاني وطنية تذكر وكل ماهو موجود في الأرشيف الغنائي الخاص بها اغنية لثورة 23 يوليو ”عطشان يا صبايا ” وهو لحن من التراث مصاغ بكلمات خاصة تعبر عن الامل القادم مع ثورة 23يوليو .

ومن اغانيها الثنائية او ” الدويتو ” اغنية دلوني ياناس دلوني“مع جلال صادق وتشاركا أيضا في دويتو ” ادي النعيم يا دنيا في عصر المدنية ” الذي ينتقد ظاهرة تقليد الغرب واشتركت مع شكوكو ايضا في دويتو ”البيبي البيبي».

تحتفظ لها الإذاعة المصرية بأغنية « انا لسه فاكره « قدمتها على مسرح الإذاعة العائم ولم تسجل اعمال للإذاعة بالقدر الكاف قياساً بغيرها من المطربين والمطربات .

«انفصال..»

مهما قيل عن الأسباب و الذرائع التي جعلت درية احمد خارج دائرة الضوء ، لا نستطيع إغفال ان انفصالها عن السيد زيادة كان السبب الرئيسي لتراجع حضورها في مجال الغناء و التمثيل معا ، فهو لم يكن المخرج الذي ادخلها السينما من اوسع ابوابها و حسب، وانما هو المنتج الذي موّل هذه الأفلام وهو المؤلف و كاتب السيناريو الذي صاغ هذه الاعمال على الورق وقلة من يعرفون انه الشاعر الذي كتب لها العديد من الأغنيات بأفلامه ،بالتالي خسرت كل هذه الحوافز وبدا ذلك واضحاً بالأفلام التي شاركت بها مع مخرجين اّخرين قدموها بأدوار ثانوية تارة وأدوار هامشية تارة أخرى ، في الوقت نفسه يعتبر السيد زيادة سبباً رئيسياً في عدم تطور درية احمد كممثلة على الأقل إذ جعلها أسيرة الدور الواحد وهو الفتاة الريفية البسيطة ويؤكد ذلك ان قدمها في شخصية ” خضرة ” بأكثر من فيلم وبنفس الحبكة ، هذا النوع من الزواج والذي يؤدي للإنفصال تكرر مع اكثر من فنانة من اللواتي جمعن بين الغناء والتمثيل وجعل الأغنية السينمائية تخسر العديد من هذه الطاقات التي لن تعوض ،ومثال على ذلك الفنانة نعيمة عاكف التي تزوجت من المخرج حسين فوزي الذي قدمها بأجمل افلامها واحضر لها مدربين متميزين لتعليمها الرقص و بإحتراف ومدرسي لغات لتعليمها اللغة الفرنسية و الإنجليزية ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد اذ احضر لها متخصصي بفن التعامل او ما يطلق عليه ” الإتيكيت ” ، الا انه وبعد الإنفصال تراجع حضور نعيمة عاكف لتظهرباّخر افلامها ” بياعة الجرايد ” 1963 وفي دور ثانوي وهي التي كانت تتصدر ادوار البطولة واعتبرت بحق اهم فنانة استعراضية بفترة الخمسينات ،الا ان الخسارة كانت هنا مشتركة أيضاً لان الافلام التي أخرجها مطلقها بعدها كانت دون مستوى الافلام التي جمعتهما معا ، وهذا ما ينطبق على تجربة زواج سعاد مكاوي من المخرج عباس كامل وهو شقيق حسين فوزي ، و كان اخر ظهور لسعاد مكاوي بفيلم ” غازية من سنباط ” 1967 وجمعها هذا العمل مع بدرية احمد وقدما معا بنهاية الفيلم الاوبريت الغنائي ” رمضان كريم ” والجدير بالذكر ان هذا الفيلم من اخراج السيد زيادة مطلق درية احمد ويبدو انها كانت محاولة لاستعادة امجاد الماضي لكليهما ، الا ان ذلك لم يحدث لأن هذا الفيلم تم تصويره في اعقاب هزيمة 1967 ولم يكن هناك اي تركيز في اتقان هذا العمل ، عدا عن ان درية احمد كانت قد وصلت وقتها لعمر 45 سنة تقريباً ولم تعد تناسبها الادوار التي بدأت بها مشوارها الفني وكان اخر ظهور لها بفيلم ” الحسناء واللص ” 1971 وبدور بسيط مع ابنتها الفنانة سهير رمزي وعنوان هذا الفيلم كفيل بأن يعرفنا انه من الأفلام التجارية التي لاتحمل أي مضمون فكري او انساني .

«الحب و المال ..»

عند الاستماع للألحان القديمة تستوقفنا الأغنيات التي تطرح قضية اجتماعية او انسانية والتي هي من صميم الرسالة الأساسية التي يتبناها الفن عموما ، من نوعية هذه الأعمال أغنية ” الحب و المال ” والتي تطرح قضية الصراع بين الحب والمال وغنتها درية احمد مع اسماعيل ياسين بفيلم ” العاشق المحروم ” 1954 وادياها معا باسلوب فكاهي وبهذه الكلمات التي تعكس رؤية كل منهما من هذه القضية ” يحيا المال .. يحيا الحب .. بين الحب وبين المال في خناقات .. وانا وانتي حنوصل في الحال للجنايات ” ثم يتابع اسماعيل ياسين” انا وانتي لو عاشقين .. ونحس يوم بالجوع .. ازاي يا روحي نبات .. ح يكون فطارنا أنين .. و يكون غدانا دموع .. ويكون عشانا اّهات « !.

«ياللي فت المال و الجاه ..»

رفض كل الإغراءات المادية في سبيل الحب الصادق شعار رفعه العديد من المطربين و المطربات ،هاهو محمد عبد الوهاب وفي دويتو جمعه مع رجاء عبده بفيلم دموع الحب 1942 وهي تشيد بموقفه» ياللي فت المال و الجاه ..في سبيل قلبك وهناه « ، وهذا ما يتوافق مع فايزة احمد ومن اغنية تمر حنه « الحب عمره ما يتّاقل بالمال ..الحب بالحب .. مش بالدبله والخلخال « و عادت لتؤكد موقفها بأغنيتها الجميلة « مال عليّ مال ..مال عليّ وقال ..قلت انا عايزة حبك انت ..اعمل ايه بالمال « ، صباح وبفيلم «العتبة الخضره «1959 عبرت عن موقفها بجرأة سبقت زمنها « انا هنا يا ابن الحلال .. لا عايزة جاه ولا كتر مال .. بحلم بعش املاه انا سعد وهنا « ،و» ع البساطة «تعود الصبوحة لتؤكد حلمها بتقديم تسهيلات لاتعوض « عم يحلم قلبي برجال ..طفران و درويش الحال ..يعيِّشني بأوضة صغيرة ..ما فيها غير حصيرة .. ما بدي فراطة ولا مال .. خلّي لغيري الفراطة !» .

«يا حسرة العزال ..»

حسرة انتابت العزال بعد انتصار الحب على المال وهذا ما أفادت به درية احمد

” يا حسرة العزال .. وفرحتي بقربك بالحب مش بالمال .. القلب لما يميل ويحس بالأشواق بيبان له الف دليل .. في نظرة المشتاق .. والحب اصله قليل .. ولاينشري بالمال ” ،الجلوس مع المحبوب ب « الفي « كانت غاية زياد الرحباني التي لا تقدر بمال ” بلا ولاشي بحبك .. بلا ولا شي .. ولا في بهالحب مصاري .. ولا ممكن في ليرات .. ولا ممكن في اراضي ولا في مجوهرات .. تعي نقعد بالفي .. مش لحدا هالفي ..حبيني وفكري شوي ” .

وعلى لسان العاشق « الطفران « الذي لايمتلك سوى مشاعره الصادقة امام اصحاب الجاه والثراء يتباهى محمد جمال مغنياً” سيارتو اكبر وفلوسه اكتر .. بس قلبي اكبر وحناني اكتر .. اكتر من سيارته .. وفلوسه وعمارته ” .

«صعبان عليّ..»

عن نوعية الستات التي هدفها المال ، تتعاطف درية احمد مع العريس المخدوع

” صعبان عليا .. ح يروح ضحية .. ويطب هوه وتجره هيه ..علشان فلوسه عملتها حسبه .. وتعرفت به من غير مناسبة .. وليه طاعها وقع في عقبة .. مسكين يا عيني ح يروح في نصبه ” ، اما العريس « النصاب» الذي اوهم «سعاد مكاوي « بأنه ثري واكتشفته لكن بعد ان «وقع الفاس بالراس « ولم يكن امامها سوى التعبير عن حالتها باغنية وعلى وزن لحن نجاة الصغيرة « بان عليّ حبه من اول نيسان .. يا ما كنت عايزة اتجوز والله من زمان .. قا لي عنده عزبة .. غير في البنك حسبة .. واتاري الحليوة ب ذمة اوسع م الميدان ” ثم تتابع حكايتها معبرة عن « خيبة الأمل اللي راكبة جمل « :

«من اول ما شفت عيونه ..

انا فُت الغسيل بصابونه

وخايلني الهنا ومأذونه ..

ولقيت اللي ح يهنيني

خد صيغتي ولطش بطاطيني .

. ولحاف الجيران

واتاري الحليوة بذمة ..

اوسع م الميدان !!” .