غدير سالم

يبكي الطفل « أمجد» كل صباح بحرقة عندما تقله والدته إلى الحضانة ! ، ولا تعرف والدته ما السبب حتى أنها اصبحت تنزعج كثيراً منه كل صباح.

يبكي ويصرخ لا احب الحضانة فهم

يضربونني !

ولكن الأم لا تلقي بالاً لكلام ولدها وتعتبره نوعاً من الخيال !

هذا الحال يتكرر كل يوم وتصر والدة أمجد بأن تقله إلى هناك دون التأكد من سبب رفض إبنها للذهاب إلى هناك.. إلا أن ياتي اليوم الذي تنسى فيه حقيبته معها في السيارة وتعود لتعطيه إياها فتتفاجأ بالمنظر الذي تشاهده أمامها حيث تجد «أمجد» يُضرب من قبل مشرفة الحضانة والأطفال جميعهم يضحكون عليه !

هذا المشهد وغيره من المشاهد يحدث في دور الحضانة ولا يجد من يراقبه ويمنع حدوثه ، وهذا لا ينفي أن هناك العديد من دور الحضانة التي تمثل رمزاً من رموز النظافة وحسن التعامل والإدارة الحسنة ، ولكن في المقابل هناك العكس تماماً مما يسبب الضجر للأباء ولا يجدون الحل ؟!

وعن تجارب بعض الأمهات مع دور الحضانة هذا ما رصدناه.

المساوىء اكثر من الإيجابيات

يارا زياد موظفة في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا تتحدث عن تجارب غيرها مع الحضانات التي تمنعها من تجربة أي حضانة فتقول :» أتحدث عن تجارب من حولي وأرى أن مساوىء دور الحضانة أكثر من حسناتها ، من عدوى وأمراض وإهمال وغيرها الكثير ، إحدى صديقاتي قالت بأنهم في الحضانة قاموا بضرب ابنها ضرباً مبرحاً والسبب أنه لا يسمع كلامهم ، وأخرى لا يهتمون بالنظافة أبداً ولا يقومون بتغيير الحفاظ لطفلتها إلا قبل مجيء الأم مما سبب للطفلة مرضا جلديا تتعالج منه الآن «.

وأضافت :» هناك حضانات متميزة ولديها كاميرات مراقبة وتطمئن الأم عند وضع طفلها هناك ولكن المشكلة الكبيرة هي أسعارها المرتفعة جداً والتي لا يقدر أي احد عليها ، فالحضانات لدينا سيئة جداً واعتناء المشرفات فيها سيء أيضاً وأتوقع بسبب قلة رواتبهم فتدفعهم للإهمال وعدم المبالاة.

ولكن مشكلتي إلى الآن أنني أبحث عن حضانة مميزة ومريحة لطفلي ويكون سعرها ضمن المعقول و لكن للأسف هذا المكان يحتاج لمبلغ مرتفع وراتبي لا يكفي لهذا الشيء»!

جو الحضانة العائلي

لارا مسلم أخصائية علاج طبيعي تتحدث عن تجربتها الناجحة مع دور الحضانة فتقول :» في البداية كنت أخاف جداً من الحضانات ومن شعور ابنتي بانها ستبقى لوحدها هناك ولكن مع نظام التدريس الجديد في الحضانات أصبح الأمر سهلا وومتعا حيث أنهم ينمون القدرات الحسية والعصبية لدى الأطفال وتجعلهم إجتماعيين وتبني لهم شخصية قوية ، وبحمد الله أتمكن من معرفة راحة ابنتي في الحضانة من خلال ردة فعلها فهي تعود للبيت فرحة عدا انها هي من تيقظني كل صباح لأجهزها للذهاب إلى الحضانة فهذا يدل على جو الحضانة العائلي والحب الكبير الذي يحتضنونهم فيه ، ومن المؤكد أن لكل شيء ثمنه فالأسعار مرتفعة بشكل ملحوظ ولكن ما يهون علينا هذه الأسعار النتيجة الإيجابية على الطفل «.

لكل شيء ثمنه

تعتبر ضياء الخطيب «موظفة بنك» بأن متابعة الحضانة أولا بأول أمر ضروري جداً فتقول :»لكل شيء حسناته وسيئاته ويجب على الأم أن تبقى متابعة لأدق التفاصيل مع الحضانة وأن تقوم بزيارتهم بين الفترة والأخرى ، عدا أن لكل شيء له ثمنه فالحضانة المميزة سعرها غالٍ ، ولكن مع ذلك أصبح إبني شخصيته قوية ولديه أصحاب ويحب المناسبات الإجتماعية «.

الأطفال أمانة

«أم آدم» ربة منزل تتحدث عن تجربتها التعليميه السابقة في الحضانة فتقول :» من خلال تجربتي التعليميه في الحضانة كنت أقدم للأطفال كل ما استطيع تقديمه وبقدر حزني عليهم ، لأن الأم تترك لدي أطفالها أمانة عندي ويجب ان أصون هذه الأمانة ، وأحمد الله بان ردود فعل الأهل كانت إيجابية جداً لأنني كنت متعاونة جداً معهم ومع اطفالهم «.

تجارب عديدة

وتتحدث الموظفة سوسن الدابوقي عن تجربتها الطويلة مع الحضانات فتقول :» تجربتي مع الحضانات طويلة وأغلبها سيئة ولكن لا اعمم لأن التعميم خاطىء ، فقد كنت أبحث دائماً عن حضانة تكون قريبة من مكان عملي او بيتي لهذا السبب كانت دائماً اختياراتي محدودة ، فلا أنسى أول مرة ذهبت لأضع طفلتي في الحضانة وما فوجئت به عند عودتي لها وجدتها تبكي بحرقة ولا احد يكترث لها عدا عن انهم لم يقوموا بتغيير الحفاظ لها من الصباح مما أدى لحدوث مشاكل لديها ، عدا عن تجربتي الثانية لابني في حضانة اخرى وضع ابني وبالصدفة عدت بعد عدة دقائق لأعطيهم أغراضه وما فوجئت به بأن إبني يقف على الحائط ويقومون بضربه بسبب انه مشاغب ، عدا عن قلة النظافة وسوء التعامل فهؤلاء أطفال يحتاجون للحب والحنان ليتم تعويضهم عند غياب أمهم لساعات عنهم ، أما الآن فأضع إبني الصغير في حضانة منزلية عن إمراة محترمة وتهتم به كثيراً عدا عن انه هو يحبها ويتعلق بها كثيراً.

واود أن اقول لولا الظروف الصعبة لما تركت أبنائي ابداً ولكن الحمد لله على كل حال»!

رأي علم الإجتماع

أما دكتور علم الإجتماع فيصل الغرايبة فبين رأيه في دور الحضانة والمشاكل التي تحدث فيها فقال :» لقد تزايدت دور الحضانة في المجتمع الحديث كالمجتمع الأردني عامة ومجتمعات المدن الكبرى خاصة وفي طليعتها عمان وذلك لشعور الناس بالإحتياج إليها وحصرياً تلك الأسر التي لديها أطفال دون سن رياض الأطفال ، خاصة أن الأسرة لا تجد مجالاً آخر لوضع هؤلاء الأطفال إلا بدور الحضانة إذ أن الأم تخرج للعمل كل صباح وتقضي في المؤسسة التي تعمل بها ساعات طوالاً قد تمتد حتى السادسة مساءً في مؤسسات القطاع الخاص ، وهذا يجعل مثل هذه الأسر تحت ضغط تدبير مقام ومستقر لطفلها دون سن الثالثة من العمر فيلجأون إلى وضعهم في دور الحضانة«.

وعن مساوىء بعض دور الحضانة قال :» ولكن للأسف أن كثيرا من تلك الدور «دور الحضانة» تفتقر إلى المستويات المطلوبة من النظافة والشروط الصحية والمقومات التربوية وما يتعلق بشؤون الطفولة المبكرة والتي تحتاج إلى عناية من قبل فتيات أو سيدات تتوفر لديهن المؤهلات العلمية والأكاديمية والتربوية المحددة في علم صحة الطفل وفي علم تربية الطفل أيضاً ، كما أن شروط النظافة وأساليب التعامل والغذاء والمشروبات كالحليب وغيره لا تتوفر بمواصفاتها التي يجب أن تكون عليها وذلك من قبيل تصرفات من يبيعون أية سلعة أو يقدمونها للأطفال فيحاولون تخفيف التكاليف عليهم بغية جني المقابل من رسوم هؤلاء الأطفال التي يدفعها الأباء والأمهات فينعكس بذلك على نوعية ما يقدم للأطفال من غذاء وشراب وحلوى وما اشبه إلى ذلك.

هذا عدا أن المشرفات على هؤلاء الاطفال غالباً ما يكن بمستوى ضعيف من الدراية والحكمة وحتى اللمسات الإنسانية في التعامل مع هؤلاء الاطفال ، ونحن نشاهد عبر التلفاز وفي الواتس أب لقطات من التعامل مع هؤلاء الأطفال من قبل المربيات وهو تعامل قاسيٍ وخال ٍ من الود والتعامل الإنساني الواجب إتباعه من قبلهن.

فلا يسعنا سوى أن نقول فليتقين الله المشرفات والمربيات في تعاملهن مع هؤلاء الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة ولا يستطيعون أن يقاوموا أو يحتجوا على مثل هذه الطرق من التعامل ، كما أننا نهيب في أصحاب دور الحضانة أن لا يضعوا نصب أعينهم الربح الكبير في الزمن القصير وان يختاروا المشرفات ممن لديهن القدرة والحكمة والخبرة بالإضافة إلى المشاعر والإيمان القوي الذي يحميهن من القسوة في التعامل مع هؤلاء الأطفال».

وبين الغرايبة أن قضية دور الحضانة قد أثيرت من الخمسينيات فقال :» لقد اثيرت هذه القضية كثيراً عبر السنوات منذ الخمسينيات وكان هناك من ينادي بعدم إرسال الأمهات أبنائهن لدور الحضانة وأن يضعوهن لدى اقربائهم أو جيرانهم من السيدات اللواتي يمكن او يتوقع منهن أن يعاملن هؤلاء الاطفال بدراية وإنسانية أكثر.

حتى انه انتشرت أمام الظروف المادية الصعبة أن تقوم بعض الجارات اللاتي من الممكن أن يضعن الأطفال لديهن خلال الفترة الصباحية من تواجد الأم في العمل ويتولين هؤلاء السيدات العناية بالأطفال طوال فترة غياب الأم مقابل أجر معين يتفق عليه ويكون بذلك قد حل مشكلتين بالإتجاهين المشكلة المادية للجارات الماكثات بالبيوت والمستعدات للعناية بالأطفال لحاجتهم للأموال، والسيدات العاملات اللواتي يتركن أطفالهن عند جاراتهن من الصباح وحتى بعد الظهر.

عدا أنه نشأت فكرة في السبعينيات من القرن الماضي أن تبادر الوزارات العامة لتأسيس قاعة حضانة لأبناء الموظفات اللاتي يعملن بها بحيث يحضرن هؤلاء الأطفال معهن إلى المؤسسة ويودعن هؤلاء الأطفال في هذه القاعة المخصصة لحضانتهم.

ولكن الفكرة لم تستمر على النحو المطلوب كونها وقعت في عقبة الروتين مما أفقدها رونقها وأفقدها شروطها ، كما أن هذه الفكرة لم تنتشر ولم تعمم في جميع الوزارات والمؤسسات مع أنها فكرة جديدة وتقوم بالتيسيروالتسهيل على الموظفات.

حتى من الممكن أن تتناوب الموظفات اللواتي لديهن أطفال في هذه القاعات للبقاء مع هؤلاء الأطفال لساعة من الزمن وهكذا بالتناوب بين الزميلات ، عدا عن امكانية تعيين مربية لتشرف على الأطفال طوال اليوم حتى اذا انتهت ساعات الدوام ذهبت كل موظفة أم لأخذ طفلها والعودة به إلى البيت سالماً غانماً.

في النهاية تبقى قضية الرقابة على دور الحضانة ضرورية من قبل وزارة التنمية والشؤون الإجتماعية وحتى وزارة الصحة للتأكد من توفر الشروط الصحية المناسبة في دور الحضانة بما يتفق مع شروط الرعاية الإجتماعية والصحية للناشئين الأطفال «.