عمان - د. فتحي الأغوات

في عصر سيادة المؤثر التكنولوجي وما تمثله فضاءات العالم الافتراضي وأدواته الالكترونية والفضائية المفتوحة من تحدٍ وتأثير ثقافي واجتماعي بدأنا نلمس بشكل جلي كثيراً من تغيرات الأنماط السلوكية في تصرفات العديد من الشباب.

الأمر الذي فرض واقعا جديدا في تفاصيل الحياة الأسرية لجهة تعامل الأهل مع الأبناء وطبيعة تلك العلاقة التي بات يلفها أحيانا شيء من الغموض في إطار جدلية البحث عن الأسلوب الأمثل لتعاملهم مع أبنائهم والتدخل في شؤونهم الخاصة.

بعض الأهل يبرر هذا التدخل كحق مشروع في الرقابة وخوفهم على سلامة أبنائهم من رفقاء السوء والانجرار إلى مسالك الانحراف والجريمة.

فيما رأى فيه الأبناء تدخلاً غير مقبول وانتهاكا لخصوصيتهم وحقهم الطبيعي في الحصول على حريتهم الشخصية معتبرين الأمر يعكس عدم ثقة وحرمانهم من أبسط حقوقهم الفردية، وشددوا على أن الخوف والحرص لا يبررهما فقدان الثقة والتشكيك من قِبل الأهل.

وأشاروا إلى أن الأهل تحت هذا الادعاء يتسلطون على خصوصياتهم حيث يتحول دورهم من التربية إلى محقق يأمر ويتخذ القرارات بالنيابة عنهم.

وتحت هذا العنوان قال الجامعي معاذ الغزاوي إنه لا يمانع من تدخل الأهل في خصوصياته، متسائلاً في الوقت ذاته لماذا لا يتدخل الأهل في الأمور المصيرية التي تخص أبناءهم؟

وأضاف «من الطبيعي أن تخاف الأسرة وتحرص على الأبناء ولكن هذا التدخل يجب ألا يشمل المفاصل الخاصة والدقيقة الأمر الذي من شأنه أن يحول حياة الأبناء إلى جحيم من الشك والاتهام في تصرفاتهم».

الشاب محمد الشلح رفض أسلوب الرقابة المبالغ فيه من قبل الأهل، وقال «في عصر التطور التكنولوجي والانفتاح الفضائي لم تعد الرقابة هي المعيار الوحيد لضبط سلوك الأبناء وأن من حق الشاب التعرف والاكتشاف ورؤية العالم بعيونه الخاصة لا بعيون أهله فعلى الأهل أن يدركوا دور قاعدة الأخلاق والتربية الحسنة التي تجعل الشاب رقيبا على نفسه»، حاثا الأهل على ضرورة أن تتسم علاقتهم مع أبنائهم بالثقة المتبادلة وحسن النوايا بعيدا عن حالة الشك والتوجس تجاه أبنائهم. فيما أصر الخمسيني ماجد عودة على حقه في متابعة ومراقبة أبنائه، رافضا أن يقال عن هذه الرقابة أنها تدخل في الخصوصية أو تجسس على الابناء.

وقال «هذا حقي الطبيعي لكي ادفع عنهم المخاطر وحمايتهم من إغراءات ومنحدرات الانحراف»، مشدداً على أن هدفه من الرقابة ليس التجسس بل هو الاطمئنان على الأبناء ومعرفة ما يواجهونه من مشاكل ومصاعب نفسية أو اجتماعية وتقديم النصح والإرشاد لهم وما يحتاجون إليه من مساعدة.

واشار إلى انه في ظل الانفتاح والتأثير التكنولوجي الحالي أصبحت أساليب المراقبة تعتمد على الإقناع والتفهم مع الأبناء كأسلوب أفضل من الضغط وتلقين الأوامر والتوجيهات وفرض الرأي عليهم.

طالبة الحقوق منى أحمد شددت على أهمية الموازنة بين دور التكنولوجيا الإيجابي والسلبي مع الأبناء، وقالت «لو نظرنا إليها بشكل ايجابي ندرك الفائدة الكبيرة لها حيث يمكن للأب متابعة ابنه في كل مكان إضافة إلى دورها المميز في تنمية قدراته العقلية مع التسليم بوجود بعض المخاطر الاجتماعية والنفسية التي قد تسببها».

أخصائيون في التربية وعلم الاجتماع قالوا إن مراقبة الأهل للأبناء مطلوبة لا بل ضرورية في ظل التحديات والمغريات العصرية الموجودة في هذا الزمان ولكن المطلوب هو احترام خصوصيات الأبناء وإعطاء المفتاح الحقيقي للعلاقة السليمة وهو الثقة المتبادلة بين الطرفين حيث أن ثقة الأهل تزرع في الأبناء المسؤولية وعدم الاتكالية.

وبينوا أن هذا الأمر يحتم على الأهل التدخل في خصوصية الأبناء إذا كانت هناك حالة خلل أو ضرر كبير قد يقع على الأبناء لحمايتهم من الوقوع فريسة لمن يضللهم ويحاول استغلالهم.

وأشاروا إلى أهمية الحوار القائم على المصارحة والتفاهم بين الأهل والأبناء في أمورهم بشكل ودي وهادئ مما يعطي الحوار مع الأبناء قيمة في نفوسهم ويشعرهم بالأمن الأسري والاهتمام وبالتالي الشجاعة على مواجهة التحديات التي من الممكن تصادفهم.

وطالبوا الأهل بالقبول بالمناقشة والحوار مع الأبناء وعدم الاقتصار على إصدار الأوامر والنقد وأحيانا اللجوء للعنف اعتقادا منهم انه الحل في حالة التمرد والعناد.