لا تجد عالمة الآثار الدكتورة خيرية ياسر عمرو حرجاً في أن تجهر بأن التنسيق والتعاون بين قطاعي الآثار والسياحة ليس بالمستوى المفترض، رغم أنهما جناحين لوزارة واحدة.

وحين تتحدث د. خيرية من موقع المعايشة والاختصاص عما يطال الآثار في بلد تراثي كالأردن، فإن حديثها يصدم أحياناً لكثرة ما يعتري ثقافة الآثار لدينا عموماً من ضعف وأحياناً أوهام. فما زال عامة الناس يجهلون حقوقهم كأصحاب أراضٍ عندما يتم اكتشاف الآثار فيها. كذلك يجهلون حقيقة مؤكدة وهي أن البحث عن الذهب وهمٌ قديم مستمر كون الأردن لا يحتوي مثل تلك الصناديق الذهبية التي طالما قيل أن الأتراك أو الرومان دفنوها هنا.

قصة تخصص د. عمرو بالآثار، فيها من طرافة المقادير، بقدر ما فيها من مناقب الدأب والوعي وسعة الأفق في قطاع يغلب على بيروقراطيته المكتبية الطابع النسائي.

توجهك لعلم الآثار كان بالصدفة أو الضرورة أو الاختيار؟

بعد أن أنهيت دراسة البكالوريوس في الكيمياء، قابلت بالصدفة مدير المدرسة الأرثوذكسية الدكتور عودة، حيث أخبرني حاجة المدرسة لمعلمة كيمياء. ذهبت في اليوم التالي للمدرسة لتقديم طلب توظيف، وإذا بالمسؤول عن شؤون الموظفين يخبرني بأنهم اختاروا معلمة.

بعدها قابلت الدكتور خير ياسين استاذ الآثار في الجامعة وكنت أخذت معه مواد في هذا المجال. أخبرني بأن لديه حفرية آثار في الغور وطلب مني مرافقته، فوافقت وبقيت لمدة شهرين في الغور. كان ذلك عام 1976، وبعد عودتي من الغور قابلت مدير المدرسة د. عودة وسألني عن سبب عدم قدومي للمدرسة لتقديم طلب لتعييني معلمة كيمياء، فأخبرته بان المدرسة قامت بتعيين معلمة كيمياء، فقال لي بأن من تم تعيينها هي أنت وكان قد حجز الوظيفة لي ولم يعلم مسؤول التوظيف بأنني المعنية، وتم تعيين معلمة بدلاً مني...

هذا الموقف غيّر مجرى حياتي، فاتجهت للعمل في مجال الآثار.

لقد أعجبني العمل في هذا المجال فقررت الحصول على درجة الدكتوراة في الآثار لأكون أكثر تمكنا في ممارسة مهنتي. حصلت على درجة الدكتوراة في الآثار عام 1980 من بريطانيا. لكن قبل حصولي على درجة الدكتوراة اشتغلت فترة طويلة في دائرة الآثار، حيث عملت مع فرق في التنقيب بالغور وجرش ومع الجامعة الأردنية برفقة الدكتور عاصي البرغوثي، كما واشتغلت في البتراء مع الدكتور نبيل خيري من الجامعة الأردنية، وعملت ايضا في وادي موسى مع أفضل علماء الآثار في الأردن وهو الدكتور فوزي زيادين، وبسببه أحببت العمل في منطقة وادي موسى، ومن وراء ذلك ركزت بعملي كثيراً على تلك المنطقة، والفضل يعود إليه.

ما طبيعة العمل الذي كنت تقومين به؟

كان عملنا كفريق ينصب على التنقيب والحفريات، وهو عمل ميداني، إضافة إلى أنه في دائرة الآثار عملت في تحرير المقالات العلمية التي كانت تنشر في دائرة الآثار، مع عدة دراسات متنوعة ، كما شاركت بعدة مؤتمرات باسم دائرة الآثار.

والبوصلة المعرفة بأن تلك المنطقة يوجد بها آثار؟

هناك دلائل كثيرة كنا نستدل بها، منها الآثار الظاهرة على السطح، مثل قطع فخارية مكسّرة وصوانيات، وأيضا من خلال التربة التي بها مواد عضوية كثيرة يكون لونها مائلاً للسمرة، فنعلم بأن في هذه البقعة آثارا من طبيعة التربة.

كما ان هناك عدة مراحل للتحقق من المواقع الأثرية. وأود أن أتحدث هنا عن نقطة مهمة، وهي خوف بعض الناس من أن يخبروا دائرة الآثار بأن هناك آثاراً في أرضهم، حيث الفكرة السائدة عند أغلبية الناس أن هذه الآثار سيتم مصادرتها إذا أبلغوا عنها، وهذا غير صحيح فالقانون لا يسمح بمصادرة الأراضي التي يكتشف صاحبها ان فيها آثارا لكن الناس تجهل ذلك.

أولى الخطوات التي نتبعها هي أولاً أن ننظر إلى السطح، إذا كانت هناك أي دلائل نقوم بعمل حفرية تجريبية لمنطقة صغيرة للتأكد. ومعظم الأوقات تكون هناك أمور ليست ذات أهمية تاريخية كبيرة، وفي هذه الحالة يتم توثيقها، ويمكن أن يتصرف فيها صاحب الأرض كما يشاء. وفي الحالات التي تكون الاكتشافات مهمة يصبح هناك تنسيب للاستملاك، ويكون عادة بسعر السوق، ويحق لصاحب الأرض الاعتراض، فيجب أن لا يعتقد الناس بأن الدولة ستصادر الأرض وتحصل عليها، فهذا الأمر لا يجوز أبدا.

كم نسبة الإقبال النسوي على دراسة هذا التخصص؟

نسبة النساء أعلى من نسبة الرجال في هذا المجال، عندما كنت في دائرة الآثار كانت نسبة الموظفات أعلى من نسبة الموظفين الرجال.. لكن بالعمل الميداني تختلف الصورة قليلاً، حيث يتطلب الأمر الذهاب إلى أماكن بعيدة وإلى الصحراء والعمل مع العمال، والمبيت خارج البيت، فكانت النسبة بالنسبة للنساء أقل، لكنني وجدت ان الفتيات عندما أكون مديرة الحفرية يرغبن بمرافقتي، حتى لو كانت الفترات بعيدة. من ذلك حفرية اشتغلناها في خربة النوافلة في منطقة وادي موسى، وبقينا فيها حوالي سبعة أشهر، وكانت معي فتيات من الدائرة، أذكر منهن رولا القسوس وحنان عازر وابتسام هناندة وغيرهن.. في البداية كان لدى بعضهن التخوف لكن فيما بعد تغيرت الأمور، وانسجمن وأحببن عملهن.

صعوبات التعامل مع أصحاب الأراضي للحفريات:

حصل ذلك مرة واحدة في مشروع كنت أعمل عليه في منطقة وادي موسى ،منذ اليوم الأول من مباشرة العمل عندما جاء صاحب الأرض ونحن نحفر في أرضه، وتشاجر معنا. ذهبنا وقتها إلى المركز الأمني حيث اشتكى علينا، وقضينا أول يوم في مركز الأمن، وبعد أن تفاهمنا سمح لنا بالعمل في أرضه، وأصبح يهتم بنا كبناته، في أرضه اكتشفنا آثارا مهمة جداً، لكن للأسف حالياً تم تدميره.

ماذا اكتشفتم؟

اكتشفنا أثناء الحفريات فيلا نبطية من القرن الأول الميلادي، وأيضا عثرنا على أول اكتشاف لفسيفساء نبطية.

كانت الفكرة سابقا أن الأنباط لم يكن لديهم فسيفساء، لكن في تلك الفيلا التي اكتشفناها كان بها أرضية فسيفساء جميلة جداً على الطراز الروماني، إلا انه لم يكن هناك إمكانية لاستملاك الأرض، بسبب عدم توفر مخصصات، فحفرنا المنطقة كاملة لتوثيقها وأخذنا كل القطع الموجودة فيها حيث قمنا بخلع الأرضية الفسيفسائية كاملة، وبسبب تدميرها لم يبق فيها أي آثار، وبنيت عليها مخازن تجارية.

من كان يرافقكن كعالمات آثار؟

كان معنا فريق من العمال، وجميعهم كانوا تحت إشرافنا مباشرة.. أما الحفر الدقيق فكنا نقوم نحن به بأيدينا. العمال كانوا يقومون بحفر طبقة السطح ونقل الأتربة وتنظيف المكان.

استراحة

خطأ بالصدفة غيّر مجرى حياتي

الدكتورة خيرية ياسر عمرو من مواليد عمان عام 1956 بدأت المرحلة الإبتدائية في المدرسة الأرثوذكسية ومن ثم تابعت في المدرسة الأهلية للبنات CMSومنها إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث درست الكيمياء، ثم عادت وتابعت دراستها في الكيمياء من الجامعة الأردنية، ورغم رغبتها للتخصص في الكيمياء وتعلقها بهذا التخصص إلا أنها وجدت ان اهتماماتها تتجه لكل ما يتعلق بالآثار فأخذت فرعي آثار خلال دراستها الجامعية في مرحلة البكالوريوس، ودخلت هذا المجال من خلال ممارستها العملية فيما يتعلق بالآثار في الأردن. لكي تعزز قناعاتها وتكون أكثر تعمقا وتمكنا حصلت على درجة الماجستير من الجامعة الأردنية في الآثار وأكملت في جامعة لندن، أما درجة الكتوراه فكانت مزيجا من خلفيتها العلمية، الكيمياء والفيزياء ومن الآثار، أي التحليل بالتنشيط النيوتروني للفخار من البتراء.

تقول خيرية: بعد حصولي على درجة الدكتوراة، عام 1986 اشتغلت في دائرة الآثار العامة، واستمررت أعمل حتى عام 2003، ولحسن الحظ انه في عام تخرجي تم تأسيس المتحف الوطني الذي أصبح متحف الأردن، فوجدت الفرصة أمامي مهيأة حيث انضممت لفريق العمل في المتحف.