د.عماد الضمور

شغلت قضية تحرير المرأة من القيود الاجتماعية، الفكرَ النهضوي العربي الحديث منذ كتابات رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين حتى وقتنا الراهن، رغبة في جعل المرأة جزءاً فاعلاً في المسيرة الحضارية المعاصرة، ممّا جعل قضية المرأة تمتزج بقضايا أخرى ذات صلة وثيقة بها كالديمقراطية والتعليم وحرية التعبير، والإنتاج الثقافي وسط مجتمع ذكوري يسود العالم العربي بأسره.

لقد تناول الطهطاوي موضوع تعليم المرأة في كتاباته محاولاً ربط ذلك بتعاليم الدين الإسلامي؛ لإقناع العقلية الذكورية بضرورة التخلي عن بعض معتقداتها السالبة لحقوق المرأة. وبقي الرهان على ضرورة تحرير المرأة من القمع والخوف والتسلط قائماً في الفكر العربي، وازداد نتيجة التأثر بالنموذج الغربي الذي تسلل إلى الثقافة العربية المعاصرة إلى أن أصبح جزءاً من مكوناتها المختلفة.

لعلّ وصول قضية المرأة وحريتها إلى التأنيث من أهم مراحل هذه القضية، إذ أصبحت المرأة كاتبة لهمومها ساردة لذاتها باعثة لرؤاها مدافعة عن قضاياها، تطالب بمساواتها بالرجل في الحقوق الاجتماعية والسياسية،، فتعالت الأصوات النسائية بدءاً بعائشة التيمورية، مروراً بملك حفني ناصف ومي زيادة ولبيبة هاشم، وانتهاءً بآخر أنثى ما زالت تطالب بحقوقها الاجتماعية والفكرية بعيداً عن ثقافة الإقصاء والامتهان والتهميش.

وقد انتقلت قضية المرأة إلى الأدب، فتعالت الأصوات النسائية المطالبة بتحرير المرأة منذ خمسينات القرن الفائت، إذ تعالت الأصوات النسوية المشحونة بالاحتجاج والثورة والرفض، كما في روايات ليلى بعلبلكي، وكوليت خوري، وغادة السمان، وليلى عسيران وغيرهن، ممّا لفت أنظار النقاد لخطابهن الأنثوي وصوتهن المطالب بالحرية، وأظهر مصطلح «أدب المرأة».

ولعلّ خطاب المرأة في الرواية السعودية المعاصرة من أوضح الخطابات النسوية المطالبة بتحرير المرأة من قيود المجتمع ونظرته المنقوصة لها، فكانت روايتا «شقة الحرية» لغازي القصيبي و»فسوق « لعبده الخال؛ اللتان مهدتا الطريق أمام الإبداع النسوي، فكانت «بنات الرياض» لرجاء الصانع، و»نساء المنكر» لسمر المقرن والتي تسرد من خلالها قصة اعتقال امرأة وعشيقها من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد أن تجرأا على الالتقاء في مكان عام.

وجاءت رواية سمر المقرن «كذبة إبريل» (2016)، تصعيداً لخطاب المرأة الباحثة عن ذاتها، والمطالبة بالاعتراف بها بوصفها شريكاً للرجل لا متاعاً له.

ولعلّ سمة الواقعية للأنثى تكاد تكون ملازمة لخطاب المقرن في روايتها؛ فهي تبتعد في سردها عن الفضح الجسدي أو إثارة الشهوات، ممّا جعلها تقترب من معاناة المرأة ومشاعرها،، المرأة بوصفها مكوناً رئيساً للسرد بعيداً عن المكتومات الجسدية، لتستنطق بدلاً من ذلك المكتومات النفسية لمرأة تريد أن تقول الكثير ممّا تراكم في نفسها عبر تجارب حياتيّة طويلة.

تستخدم المقرن لغة جديدة بسيطة مباشرة تطرح من خلالها قضايا المرأة في مجتمع تقع فيه الحياة اليومية تحت ثقل المورثات الدينية والاجتماعية المحافظة، وذلك من خلال شخصيتي نوال وعواطف، فنوال تزوجت من ماجد زواجاً تقليدياً كان مصيره الانفصال لكنها في المقابل وجدت ذاتها مع أحمد الملتزم دينياً لكنه -في الوقت نفسه- متقبّل للحياة بروحها المعاصرة.

تكشف شخصية نوال عن تجربة اجتماعية وثورة على القيود التي تكبل المرأة في المجتمع بدءاً من حرمانها بأبسط حقوقها في التعليم والاختيار وانتهاءً بما تسميه الكاتبة «زواج البطيخة».

أمّا شخصية عواطف فتمثل تجربة سياسية وثورة على الظلم والخذلان السياسي، تعكس فكراً مستنيراً يقود إلى المطالبة بالثورة على واقع الحياة المعاصرة، ففكرها مستنير من خلال الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تتعرّف هنالك على عبدالله لتبدأ رحلتها في البحث عن ذاتها من جديد.

تبدأ الكاتبة روايتها بضمير المتكلم من خلال شخصية نوال لتعبّر عن شوقها لأحمد الحبيب الذي يخترق أقوى القلوب وأعنتها، فتبدأ بضمير المتكلم وكأنها متأهبة للسرد،، أنوثة لا تهدأ ومشاعر متأججة لا يحتضنها قالب لغوي محدد، حيث تقول: «تمنيت لو أن أحمد مات شهراً ثم عاد للحياة.. ولكنني أنا مَنْ توقفت روحي عن الحياة ولم تعدّ إليها وبت أتسلّى داخل أفكار تُشعل ما بداخلي من أنوثة، تحييها وتميتها، ثمة متناقضاتٌ تاهت بين أسرار أحمد بين وجوده وغيابه، بين مشاعر في داخلي لا تهدأ وسط التناقضات» (ص7).

لم تلجأ الكاتبة إلى الترميز في روايتها؛ لأنها طرحت قضايا موضوعية مطروحة من قبل، لكن ما ميّزها هو الرؤى والأفكار وطرائق العرض وتنوع الشخوص التي تحمل قضايا مختلفة، تقول في نقدها لما يسود مجتمعها من ظلم واضح يُحيق بالمرأة: «في داخل مجتمع منغلق لا تملك الفتاة حق اختيار شريك حياتها، فأين ستراه وكل الأماكن معزولة لا تلتقي فيها النساء بالرجال، بحكم أن الاختلاط محرّم وأنّه يقود إلى الرذيلة، لذا تظل الفتاة تنتظر اليوم الذي يطرق فيه الخاطب باب أهلها، وتحصل الموافقة في أغلب الأحيان بناءً على الشكل الخارجي، أمّا الحياة المستقبلية فهي في علم الغيب وتعتمد على مسألة الحظ في حدوث قبول بين الطرفين، وإما نفور، والثاني هو ما تترجمه حالاتُ الطلاق التي تتم خلال العام الأول من الزواج» (ص17).

لقد أرادت الكاتبة الاختزال الشديد في الأفكار، لكنها في الوقت نفسه قدمت مشاهد سينمائية لحوارات الشخوص باستخدام تقنية الاسترجاع التي تُمكّن من البوح، ثم تقنية التصوير المباشر للمشهد، ممّا يُتيح الاقتراب أكثر من قضايا المرأة وسرد معاناتها، كما في قولها: «أحضر حقائبه، وانتقل عبدالله إلى غرفة عواطف، ليكتشف أنوثتها. اكتشف مكامن أسرارها بعد أن طاف في محراب جمالها الذي يكتشفه رجل للمرة الأولى، بعد أن طاف سبعين شوطاً ليقبّل المحراب الذي يفصله عنه سبعون وريداً إلى حيث القلب، بعد أن مدت ذراعيها وطوقته من حول رقبته لتكتشف أن في داخلها دلال أنثى. طوّق عبدالله خاصرتها فضحهما فحيح الأنفاس. فضحت رغبتهما، قرأ في تلك اللحظة كلّ التفاصيل. امتنعت عواطف عن امتصاص تعب عبدالله. أسرفت في تأمله، وهي تكتشف تفاصيل أنوثتها. زادت في إشعاله، باغتته بقبلة خاطفة. نزعت يديها ويديه. ابتسمت في الوقت الذي كان فيه يعاتب بريقها، وأيقن أنها امرأة تهوى بعثرته» (ص36).

فالجسد لم يحضر في ابتذال، بل بواقعية تمنحه سلطة البوح معنى خاصاً ينطق بعالم الأنثى ورغباتها المشروعة، إذ إنّ تراكم المسكوت عنه جاء نتيجة الخوف ممّا أدّى إلى انفجار السرد وتشظيه في بنى تركيبية قادرة على الرصد وكشف النوازع النفسيّة بصراحة ممزوجة بلغة فنية تمنح المعنى سمواً وألقاً.

منذ بداية الرواية تعرف سمر المقرن كيف تظهر، وكيف تختفي من خلال الشخوص، ممّا أظهر نضجاً فنيّاً ووعيّاً فكرياً واضحاً، وكسر نمط التلقي لدى المتلقي وأسهم بإنجاز الكاتبة للمهمة السردية ببراعة، فتارةً تبدو ساردةً وتارة أخرى تظهر متلقية بوعي تام للأحداث يُظهر المستوى الاجتماعي للشخوص ووعيها الفكري.

شخصية عواطف تحمل أعباء المثقفة العربية في الوقت المعاصر، بينما نوال تحمل وجدان المرأة الثائر على التسلط والإقصاء الذي يُمارَس ضد المرأة، حيث تقول:» أكثرُ مشكلة نعانيها في موضوع الزواج أننا لا ننظر إليه على المدى البعيد، فنظرتنا لا تتجاوز ليلة الدخلة!» (ص43)، فالزواج ليس الدخلة، إنّه حياة تقوم على الطمأنينة والمودة والسكينة لا على إشباع الحاجات وإلغاء المشاعر، وانهيار العواطف.

نجحت سمر المقرن في روايتها «كذبة إبريل» في إبراز رؤيتها المناصرة لقضايا المرأة وإبراز حقوقها سواء في اختيار الزوج، أو في العمل السياسي دون تمييز مع الرجل، فهي تحمل مشروعاً تنويريّاً يكاد يكون متكاملاً على الصعيد النظري بصرف النظر عن نجاحه أو إخفاقه في تحيق الأهداف المنشودة، كما جاء على لسان عواطف في حديثها لنوال: «أشعر دائماً أن المرأة تعيش الحبّ وهي بانتظار صدمة، لذلك كلما أحبّت أكثر رمت شرارة القلق في جوف العلاقة أكثر، المرأة في بلادي تعرف أحياناً كيف تفسد العلاقة، أما الرجل فيعرف دائماً كيف يهرب؛ ليوقد توتر امرأة أخرى. السعوديون يعرفون كيف يحبون،، لكنهم لا يطمئنون لفكرة الحبّ. يا عزيزتي.. لدينا قضيةٌ مع مصطلح الحبّ، فالجميع يحارب أيّ علاقة حبّ، وعندما ينشغل الطرفان بالحبّ يبدآن في قص شريط النهاية» (ص63).

أمّا نجاح سمر المقرن الآخر في روايتها، فكان على صعيد التقنيات الفنية التي جعلت سردها يتوغل في العمق البنائي للرواية مفضيّاً لسبر كنه الشخوص، وكشف معاناتها وحمل رؤاها، وبخاصة موقعها كراوٍ متمكّن من فعل السرد العالم بخفاياه، ثم المساحة المتاحة للشخوص لأن تبوح وتسرد كما تشأ، فهي في النهاية تحمل الفكرة وتنشد هدفاً واضحاً اختطه الروائية منذ بداية روايتها.

تنزع شخوص الرواية إلى التأمل، ولا عجب في ذلك، فكثرة التجارب في الحياة تقود إلى التأمل في الحياة، ممّا جعل المقرن تقترب من الشعريّة بروحها العذبة، وسحرها المستمر ممتزجةً بلغة سرديّة تختزل الزمن وتُقرّب المسافات بين الشخوص، كما في قولها على لسان نوال: «في الحياة عابرون يشبهون السحاب في ألوانه وكثافته، فسحابةٌ تحمل مطراً يتساقط.. يبلّلنا ونلتفت بعد توقفه لنرى العالم مجدداً بعد أن يجف. وسحابةٌ تحمل ضوء البرق يمرّ خاطفاً الأبصار، في نورٍ لا نعرف هويته. وسحابة تحمل صوت الرعد القاسي، يٌجلجل الروح في داخلها، يُزعزع أمنها ويفتح خطاً إلى ضجيج الكون. يمرّ.. بريح فرح، وكأنه طيفٌ مخلوقٌ لسعادةٍ مدتُها عامان، فيها تمضي الحياة مُمارسة لا شكل فيها. استنشقت رائحة الجنان واغتسلت بماء السلسبيل، وشفتاي الجافتان ارتوتا من نهر الكوثر» (ص44).

في المقابل، فإن المكان هو باعث آخر للشعرية في الرواية، إذ إنّ الاقتراب من بيروت هو اقتراب من الشعر، واستثارةٌ لذكرياتٍ حالمةٍ واستدعاءٌ لرغبات جامحة تبوح بها الكاتبة فيضاً دافقاً، وعشقاً معتقاً، تقول على لسان نوال: «بيروت هي الحُلم الذي أيقظ العشق.. استيقظت الروح، انتعشت وذاقت الحياة في وجهه الذي لاقيته، المرة الأولى نفس الوجه بتفاصيل أخرى، في المرة التي عرفته فيها، لا تلك المرة التي لم أعرف منه فيها سوى ملامحه» (ص47).

الأيديولوجيا التي تعتنقها الشخوص تُسهم في تشكيل أمكنتها في روايتها؛ «فبيروتُ الرطبة تحتضن الحبّ، تنتصرُ على أعدائها بحبّ الحياة، بيروت لا تموت لأنها خُلقت من أجل أن تعيش، من أجل أن تتذّوق طعم الحياة» (ص50).

وهي مقابلٌ لأرض الرياض؛ «أرض الرياض الحلوة المرة.. صوت الرياض يئن شوقاً، وحنيناً يضرب بكلّ قسوة الأرض ليُرطب قلب امرأة جفّ على رمال النفوذ» (ص50). فهي تبحث عن حبّ مفقود في وطن لا يكاد يفارقها، تسمو في العاطفة وتسعى جاهدةً لاكتناه الآخر، فالكاتبةُ لا تقصد بالرطب والجاف في نعتها المكاني، المُناخَ والجغرافيا قدرَ ما تقصد الحبّ والمشاعر والحرية الممنوحة في هذه الأمكنة.

تعكس رواية «كذبة إبريل» مصائر أشخاص غير متوافقين مع محيطهم، من أسرة ومجتمع وعادات وتقاليد، كاشفةً عن نمطيّة الحياة لتلتقي سمر المقرن في ذلك مع كثير من المسرودات الروائية التي تنتقد طبيعة المجتمع ومكوناته الثقافية، وأنماطه الحياتية التي تُلغي خصوصية المشاعر والعواطف لصالح تقاليد المجتمع ورغبته الجمعية. فكانت الإحباطات على مستوى الشخوص التي طالما عانت من قسوة العادات ونظرة المجتمع للمرأة.

تَظهر في الرواية بطولةُ الذات الساردة التي تتكشف من خلال أنثى تبحث عن وجودها في ظل مجتمع منغلق، لا يسمح للذات الأنثوية بالبوح أو الاختيار، وذلك بطرح إشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة وتحميل الرجل مسؤولية المأساة التي تتعرض لها المرأة بوصفه صاحب السلطة، وصانع القرار الوحيد.

لقد نجحت سمر المقرن على المستوى الفني بتكثيف أفكارها ببراعة وإتقان، وطرح قضيتها بشخوص محدودة، وبعدد قليل من الصفحات، وذلك بتوظيف لغة حواريّة مناسبة للمستوى الفكري، والحالة النفسيّة للشخوص، التي كانت صادمةً في كثير من مضامينها، واقعيةً في أحداثها.

إنّ قسوة المجتمع، وتلاشي الذات الساردة في عالمها دفع بالكاتبة للتعلق بالحبّ بوصفه حاجةً ملحةً، وقيمةً ساميةً، ورغبةً جامحة تعتري النفس الإنسانية للإحساس بالحياة بعيداً عن التهميش، والقتل المعنوي للآخر، بعدما كشفت الكاتبةُ عمّا هو جوانيّ في شخصيات روايتها بلغة بسيطة ذات آفاق تعبيرية واضحة، غنيةٌ بالمضمون، عميقةُ الأثر في المتلقي، بعدما عالجت الكاتبة الاستلاب الفكري، ونقدت صورَ النمطيّة في المجتمع بلغة البوح تارة، والسرد المباشر تارة أخرى، وكأنها شهرزادُ عادت لتحكي معاناتها من جديد.