حسن ناجي

دائماً هناك طفل متشيْطِن في داخلنا يدعونا إلى مأدبة الطفولة التي لم نشبع منها بالتأكيد، وربما مررنا بها دون أن نلتفت إليها، ونحن حين نلبي دعوة الطفل نحاول أن نبدو مؤدبين وقورين فلا نتناول من المأدبة إلا النظر وبعدها نبدأ الوصف، وفي الحالتين نحن لم نذق طعم الطفولة، لكننا سنبقى عاشقين لها راغبين في زيارتها.

«دون شفقة، دون خجل دون أي اعتبار

بنوا حولي جدراناً عظيمة وعالية

والآن؛ ها أنا أجلس يائسا ً

لا أفكر بشيء، هذا القدر يكدّر فكري

ولديّ أشياء كثيرة عليّ القيام بها في الخارج

آه، عندما بنيت الجدران لماذا لم آخذ حذاري؟

لكن لم أنتبه إلى أيّ صوت أو إشارة للبنّائين من حولي

كانوا غير مرئيين، وأبعدوني عن العالم في الخارج».

بهذا المقطع من قصيدة «الجدران» لقسطنطين كافافي، يبدأ خليل قنديل مجموعته القصصية «عين تموز»، وهذا المقطع له دلالات كثيرة، ولكن ما يهمنا هنا هو السؤال: لو لم تكن هناك جدران وانطلق الشاعر إلى الخارج، ماذا يمكن أن يفعل؟ علماً أن الجدران التي تمنع رؤية ما في الخارج لا تلغي تخيُّله.

عندما كتب خليل قنديل قصصه هذه، كان خارج حدود طفولته زمناً وسلوكاً، وهو يحاول عبر الكتابة أن يعود إلى العالم الذي خرج منه دون أن يكون له أي تأثير واعتبار فيه.. العودة إلى الداخل سلوك نستعذب ممارسته ونسعى إلى أن يبقى سمة لنا، وهذه العودة لا تعني الهروب من حاضر نرفضه ومستقبل غامض نخافه. إنها العودة التي تعني معايشة تلك المرحلة التي لم نحسن الإقامة فيها ونحاول الآن أن نعيشها ذكريات وإبداعات، وستبقى تلك المرحلة صوراً غنية نعود إليها كلما أمحلنا وأجدبنا من يباسِ حاضرٍ نضيق به ولم نستوعب نضجه ومسؤولياته.

هل أراد خليل قنديل لقصيدة «الجدران» أن تكون مفتاحاً لبوابة طفولته، أم أراد أن يقول لنا إنه دون جدران ومع ذلك لم يفعل شيئاً؟! إنه بالطبع لا يريد أن يدّعي أن الجدران قد أغلقت حوله وارتفعت ومنعته من رؤية خارجه فعاد إلى داخله يغرف الصور التي يختارها ليعبّر عن مرحلة مليئة بالسلوك الخاطئ الذي يشوّه الطفولة ويقفز بها إلى مرحلة النضج المبكر، ويمكن لنا أن نؤكد أن اختيار المقطع السابق من قصيدة كافافي لم يكن عشوائياً، بل مقصوداً في ذاته، ومهما يكن عند خليل قنديل من مبررات لاستحضار مقطع القصيدة فإنها تبقى مبرراته هو، وما علينا سوى قراءة القصد من خلال قراءة النصوص.

قصصٌ عشر استراحت بين غلافي المجموعة، وهذه القصص لا تمثل زيارة خليل قنديل إلى مرحلة الطفولة، بل هي مزاوجة ما بين قراءة الداخل البعيد (الطفولة) والخارج القريب (الواقع الحاضر).

أربع قصص جاءت من الداخل من تراث طفولة مسكونة بعبق الماضي محتفظة بدفئها وصخبها وضجيجها، وحين التفت إليها الكاتب وجدها طازجة كأن الزمان لم يمر بها وعليها، هذه القصص التي نشعر أنها خرجت للتو من إسار الخصوصية لتدخل مرحلة جديدة من حياتها، يقرؤها الجميع ويتعرفون على بصمات أحداثها متأثرين أو متعاطفين أو غاضبين. قصص أربع أحسسنا في غفلة من الزمان أنها أصبحت في ذاكرة النسيان، حتى جاء بها خليل قنديل متحركة صاخبة تعلن عن ديمومتها داخل إطار اللغة وعن هويتها داخل إطار الذاكرة.

خليل قنديل في قصصه لا يعرض صورة منتزعة من الذاكرة أو صورة من حياته الخاصة صغيراً أو كبيراً، بل إنه يضع هذه الصورة في إطار حياته بحيث يعيد إليها وهجها وتألقها، حتى ليظن القارئ أن الحدث وما يغذيه من حركه داخلية هو الأساس في هذه القصة، أما الصورة فهي ما ندرك من مقصد أو معنى يريده القاص.

الصورة الأولى

هي صورة الطفل في قصة «الصغير». وهو بحاجة إلى بصاق «الشيخ القميء» ليبلل ريقه وينال المباركة. هذه الصورة لم تصلنا مقتطعة من سياقها الاجتماعي والحياتي المعاش في تلك الفترة، إذ بدأت بحركة الصغير اليومية حين كان نائماً في الفراش والوالدة التي توقظه كأيّ أم تحرص على إيقاظ أطفالها، ولا يفوت القاص أن يرسم صورتها كما هي.

«بسملت فوق رأسه وقرأت بصوت يقترب نطقه من الأمية آية الكرسي وقصار السور».

إن رسم الصورة بهذه الكلمات يساعد القارئ على ملاحقة الصور القادمة للأم وللمجتمع, وقد يبدو لبعض المبدعين أو القراء أن المعلومة تصل من دون هذه الصورة، فقد كان يكفي أن يقول القاص لنا: «أيقظت الأم طفلها من النوم»، ثم يكمل جملته التالية, وهذا ما يرفضه مبدع حقيقي مثل خليل قنديل, فليست المعلومة هدفه، بل الصورة التي تمثل شريحة كبيرة من الأمهات في تلك الفترة، وهو مصرّ على نقل الصورة متتابعة ببساطتها أو تعقيداتها أو سذاجتها ليضع القارئ بالمناخ الاجتماعي والعقائدي الذي تنتمي له الصورة الأساسية للصغير الذي يُبصَق في فمه.

فمن كلمات بسيطة وصف بها القاص الأم نستدل على تغلغل المفاهيم المسطحة التي تؤمن بها الأم، واعتقادها أن آية الكرسي تخفف من تعب الطفل وتحميه من الشيطان الرجيم حتى لو قُرئت بتمتمة غير مفهومة كما يقول القاص. إذن هذه المفردات البسيطة والقليلة رسمت هوية المعتقَد وطريقة ممارسته, وقد جاءت هذه الصورة في بداية القصة وكأن خيطاً رفيعاً يربطها بنهاية القصة التي تمثل مزاوجة المعتقد الديني بالاجتماعي حين طلب الأب من الشيخ مبروك أن يبارك ابنه بالبصق في فمه: «هيا يا شيخ, أعطه من ريقك المبروك».

هاتان الصورتان تدخلان في نسيج المجتمع الذي يعيشه الطفل ولا يعيه. وبعد صورة الأم التي تتمتم بآية الكرسي فوق رأس الصغير، يرفدنا القاص بصورة جديدة لها ليصف لنا حالة اجتماعية اقتصادية يعيشها أفراد الأسرة، وكأنه يريد أن يخبرنا أن في مثل هذه البيئات فقط تنمو مفاهيم دينية واجتماعية تختلف تماماً عن مفاهيم طبقات اجتماعية أخرى أكثر رغداً وثراء. والصورة الجديدة هي لكيفية استحمام أفراد هذه الطبقة الاجتماعية.

«قادته نحو المطبخ، أجلسته عارياً في (اللجن)، صبت الماء الساخن فوق جسده ودلكته بالليف والصابون». المطبخ هنا مكان للأكل والاستحمام، و(اللجن) هو البانيو الذي يستحم فيه الأفراد. هذه الصورة التي ترسم بصدق حالة هذه الطبقة جاءت مكملة في سياقها الصورة السابقة للأم، وبهذا أدخلنا القاص إلى الجو الخاص بهذه الأسرة، وهو بذلك لا يقحم نفسه في التعبير عنهم، بل يريد أن يبدأ صورته الأساسية من الحركة الأولى للأم، فالأم تبارك الصغير وتطهره، فالاستحمام في المعتقد الديني هو طهارة الجسد وكأنها بذلك تعده إلى الوقوف طاهراً مباركاً بين الشيخ الذي سيبصق في فمه ليباركه.

الولد الآن مكتمل الطهارة، والمباركة الأسرية تمت من خلال الأم، وما بقي إلّا أن يصطحبه والده لملاقاة الشيخ، وكم كانت فرحة الولد الصغير كبيره حين علم أن والده سيأخذه إلى الدكان وأنه سيجلس في حضن الشيخ الذي سيمنحه بركاته.

نتوقف هنا عند صورة يرسمها الطفل للشيخ، وهذه الصورة أدخلها القاص ضمن السياق لتكون مناقضة للصورة الحقيقية للشيخ، فالتخيل عند الطفل غير الواقع اجتماعياً، وهي صورة متخيلة غير مقحمة بالسياق، بل جاءت بعفوية خاصة، وقد أتاح القاص لخيال الطفل أن يرسمها من دون أن يتدخل هو في تفاصيلها:

«يرسم الطفل على نحو مباغت في ذهنه صورة لشيخ جليل له ذقن بيضاء وثياب بيضاء وذراعان هادئتان.. وابتسامة مطمئنة تبين من خلال أسنان بيضاء لامعة».

هذا البياض في الشعر والثياب والأسنان يأتي يشكل مباغت في ذهن الطفل، فالبياض اجتماعياً لغة الطهارة والهدوء والطمأنينة، وهو حين يباغت ذهن الطفل يكون قادماً من مفهوم اجتماعي عرفه الطفل ذاته.

صور كثيرة لحركة الناس والازدحام وصورة الأب داخل الدكان كلها جاءت سريعة بعد الصور الثلاث التي لها علاقة بالصورة النهائية والرئيسية، ولكنها ضرورية لعبور الزمن من الصورة الأولى للصورة الأخيرة، وهي مع ما سبقها من صور تمثل حالة اندهاش الطفل مما يراه، فالأب له سلوكيات لم يشاهدها الطفل سابقاً.

«سمع أباه يغنّي أحياناً، وسمع أباه وهو يخفض صوته مع نساء متزينات».

لم يركز خليل قنديل على الصور اللاحقة لصورة الأم والاستحمام والشيخ في ذهن الطفل، ولم يتوقف عندها بالتفصيل، ولم يمنحها من الاهتمام كما منح الصور الثلاث، ذلك أنه يريد أن يركز على الصورة الحدث، ومرتكزات هذه الصورة لم تكن سوى الصور الثلاث، لذا أوضحها ورسم ملامحها، لكن صور الازدحام وحركة السير في الشارع وحركة والده في الدكان كلها كانت ضمن سياق القصة، وقد جاءت بترتيبها الزمني لأن القاص لم يرد أن يصل بنا مباشرة من البيت إلى مواجهة الطفل للشيخ، بل ترك القصة تسير بطبيعتها دون التدخل في حذف ما هو ضروري للسياق.

يصل القاص إلي صوره المواجهة بين الصغير والشيخ، وهي الصورة التي مهد إليها القاص بصور ثلاث ضمن التركيبة الاجتماعية والدينية، وهي من نسيج الصورة النهائية. من هنا كان تركيزه على وصفها والوقوف عندها بكل تفاصيلها.. الصورة حقيقة مقززة لا يستطيع القارئ النظر إليها طويلاً أو إعادة قراءتها وتخيلها، لكنها صورة واقعية حقيقية ترسخت عبر ممارسات خاطئة في ذهن المجتمع الذي يصفه القاص.

لم يكشف القاص عن الصورة بشكل فجّ وأحمق، بل مهد إلى فظاعة الصورة وبشاعتها بصورة جانبية للطفل ولمشاعره عند رؤية الشيخ، بحيث هيأ الطفل إلى الوصول لابتلاع البصاق بكل ما فيه من قرف.

«استطاع أن يميز الثوب الأخضر الطويل المتسخ الذي يرتديه الرجل وذقنه الطويل ذا الشعيرات المتفرقة». هذه الصورة الواقعية (القذارة في كل شيء) مخالفة تماماً للصورة المتخيلة في ذهن الطفل (البياض في كل شيء). والتناقض في الصورتين يدفع بالطفل أن يجفل ويخاف عندما يتأكد أن هذا هو الشيخ الذي تخيله.

«أجفل الصغير وانتابه إحساس مباغت بفقد الحماية».

كان هذا الإحباط الذي أصاب الطفل كافياً ولا حاجة للوصول إلى صورة البصاق، لكن رفض القاص للسلوك نفسه وللصورة النهائية دفعه إلى أن يصل بالطفل إلى هذه الحالة، فلو فرضنا جدلاً أن الشيخ جاء كما تخيله الصغير؛ هل سيرضى الصغير بالبصاق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحتمل نعم ولا معاً، لكن دخول الصغير في هذه الحالة التي وضعه فيها القاص عامداً متعمداً، يجعل من صرخة «لا» الأقوى.

الحدث المهم في القصة والتي بنيت كل الصور للحديث عنه هو صورة الشيخ بكل عفونته وهو يلبي نداء الأب أن يبارك الصغير ببصقة كبيرة يقذفها في فمه والتي تفعل فعل القذيفة فترتخي مفاصل الطفل ويفقده توازنه صارخاً في وجه الجميع:

«كل منكم في فمه بصقه الشيخ، كل منكم مبارك مثلي.. كل منكم له شيخه مع اختلاف الثياب واختلاف مادة البصاق».