بدأ « ونستون تشرشل « الرسم متأخراً , وكان يعتبره هواية ، ولم يكن يعتبر نفسه رساماً محترفاً .. كان شيئا أحبه حقيقة .

فقد وجد في الرسم راحة من ضغوط عمله .. لقد كان عملاً علاجياً .

فقد كان هذا السياسي الإنجليزي المحنك يرسم بينما كان يفكر في الخطب والقرارات .

وكان نستون تشرشل من ألمع السياسيين في العالم المعاصر وأكثرهم حكمة .. وله الفضل بصمود بريطانيا بالحرب العالمية الثانية وانتصارها .

وكان من أكثر القادة المؤثرين في التاريخ المعاصر .. فقد طغت شخصية تشرشل السياسية على شخصيته الفنية والفكرية والثقافية .. فقد كان كاتباً سطَّر بقلمه أكثر من ( 50 ) كتاباً في التاريخ والفن والروايات والرحلات والمذكرات والمقالات الصحفية !! وذلك الى جانب نشاطه السياسي , وقد فاز بجائزة نوبل للآداب في العام 1953.

وُلد تشرشل عام 1874 وتوفي عام 1965 في لندن ، وهو رئيس الوزراء في المملكة المتحدة من عام 1940 وحتى عام 1945 (إبان الحرب العالمية الثانية). ومرة أخرى من العام 1951 إلى العام 1955.

وحصل تشرشل على لقب «سير» ، واختير عام 2002 واحدًا من أعظم مائة شخصية بريطانية في استطلاع نظمته هيئة الاذاعة البريطانية .

هواية رسم اللوحات !

وكان ونستون تشرشل قد بدأ الرسم عام 1915، حتى يخفف عن نفسه وطأة الاكتئاب، ويسهم في تهدئة عقله المشغول !! وهو الذي قال في كتابه ( الرسم كهواية ) : « لوْ لمَ أتعاطَ الرسم لما استطعت العيش ولما تحملت الضغط . !! «

واتخذ تشرشل الرسم كعملية تأمل وسعادة.. إذ قال في كتابه أيضاً : « الرسامون سعداء ولن يشعروا بالعزلة «.

و كان تشرشل المُلقب بِ (الأسد العجوز) يستخدم الرسم ليصمت ضجيج الذهن وينغمس في عالم الألوان .

أما ما جذبه للرسم فكان ذلك عندما شاهد شقيقة زوجته ترسم لوحة في الريف البريطاني .

فإذا به يلتقط الريشة ويبدأ في مزج اللون على القماش الأبيض.. و كانت حركته هذه لاشعورية، فقد كان تشرشل غارقاً في التفكير في مستقبله بعدما أقيل من منصب وزير البحرية بعد كارثة الدردنيل في العام 1915، فلجأ الى الرسم لإنقاذ روحه القلقة ! .

و الرسم في حياة ونستون تشرشل عبارة عن هواية وأسلوب معالجة لهمومه السياسية ومشاكل السلطة.

فهو منذ العام 1915 وحتى 1965، أي السنة التي رحل فيها، أنجز 530 لوحة.

فندما بدأ يعاني من الإنهيار العصبي .. كتب ذات يوم يقول : « لقد آزرني إلهام الرسم ليسعفني !!! « .

وهكذا بدأت شرارة حب الرسم تلمع في عقله و شخصيته .. واستمرت حتى آخر سنة في حياته .

وكان يقول : « الرسامون هم بالتأكيد سعداء لأنهم ليسوا وحيدين، فهم برفقة الضوء واللون والسلام والأمل حتى آخر يوم من حياتهم « .

وكان صديقاً ومقرباً من العديد من الرسامين الكبارمثل : والتر سيكرت الذي كان يقوده ويعطيه النصائح و يقول له: خذ صورة فوتوغرافية للمشهد الطبيعي الذي تنقله فهو يساعدك .. وهذا ما كان يفعله أحياناً .

كذلك أثرَّ به وليم نيكولسن , و بول ماز, ومع هذا الأخير كان يرسم في محترفه في محيط سان جورج.. بعدها قال تشرشل في العام 1939: « لن نرسم بعد الآن إذ سندخل الحرب قريباً « !! .

وخلال الحرب، لم يرسم تشرشل إلا لوحة واحدة أنجزها في المغرب العربي عام 1943 وكان عنوانها: « مئذنة الكتبيّة « .. ولكن له العديد من لوحات الرسم عن المغرب التي كان يزورها في سنوات أخرى , كذلك له لوحات عن مصر والاهرامات عندما كان يعمل في مصر والسودان .

وكانت لوحته «مراكش وجبال الأطلس» اللوحة الوحيدة التي رسمها ونستون تشرشل في اثناء الحرب العالمية الثانية، اذ استغل وجوده في مؤتمر الدار البيضاء في العام 1943 ليمضي يوماً في مراكش يرسم طبيعتها. وأهدى اللوحة الى الرئيس روزفلت تخليداً لذكرى لقائهما في المغرب.

ومدينة مراكش كانت أحد الأماكن المفضلة لدى الزعيم البريطاني للرسم والاسترخاء والابتعاد عن متاعب السياسة .

وسبق له ان تعرف على فنانين كثيرين ساهموا في تطوره.. وفاز بجائزة في مسابقة للهواة تقدم إليها باسم مستعار ! .

وعن أكثر المواضيع التي كان تشرشل يحب رسمها !؟ فكانت المشاهد الطبيعية والطبيعية الصامتة .

وذات مرة قال عن حبه للرسم : (حين سأصل إلى الجنة، سأمضي أول مليون سنة من حياتي في الرسم لكي أتقنه جيداً ) !! .

و دائماً كان يخاف من المديح لأعماله الفنية من المقربين منه ومن الأصدقاء .. وكان يظن انهم يفعلون ذلك من أجل توقيعه في أسفل اللوحات فقط !! .

ولذا كان أحيانا يشارك في بعض المسابقات الفنية بأسماء وتواقيع مستعارة، ولكن في كل مرة كانت اللجنة تتعرف الى أعماله !!! وذات يوم كان في باريس فعرض بعض اللوحات مشاركاً بمعرض في غاليري درووي, فبيعت له ست لوحات موقعة باسم شارل موران !! .

وكانت مراكش هي المدينة التي ظل تشرشل يردد اسمها أمام أصدقائه مؤكداً أنها (أحد أكثر الأماكن روعة في كل العالم).

لذا فقد خلد عشقه لها و قام برسمها، ورسم المناطق المحيطة بها، قبل أن تتناقل أعماله، بعد رحيله، كبريات دور العرض والمزادات العالمية . إلى درجة أن لوحة (غروب الشمس فوق جبال أطلس) التي رسمها من شرفة فندق المأمونية في مراكش بيعت بأكثر من 400 ألف دولار في مزاد بنيويورك قبل سنوات .

وهناك في المغرب رسم تشرشل أعماله انطلاقا من غرفته المفضلة بهذا الفندق ، الذي كان ينزل به كلما حل بمراكش .. إلى درجة أن ذكرى السياسي البريطاني مع الفندق صارت من ماضي البناية، ومن حاضرها، أيضا .. حيث ينزل عدد من زبائن الفندق بجناح يحمل اسم « ونستون تشرشل» وهو نفسه الجناح الذي رسم المسؤول البريطاني من شرفته معظم أعماله الفنية المراكشية.

وقد استطاع تشرشل أن يقنع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، بعد لقاء الدار البيضاء الشهير، عام 1943، بزيارة مراكش، قائلا له ( لا يمكنك أن تقطع كل هذه المسافة لتصل إلى شمال أفريقيا من دون رؤية مراكش.. هيا لنقض بها يومان.. فأنا أحب أن أكون معك لمشاهدة منظر غروب الشمس على جبال الأطلس ) .