د. عيسى أيوب أبودية

تطورت في السنوات الأخيرة أساليب جديدة لمكافحة السرطان تُعنى بتسخير جهاز المناعة في مقاومة نشوء الأورام أو الحيلولة دون نموها وانتشارها. النوع الأول من هذه العلاجات يكون قصير الأمد إذ يتلاشى تأثيره تدرُّجياً مع توقف العلاج، أمّا النوع الآخر –وهو موضوع مقالنا هذا- فهو العلاج المناعي النَشِط الذي يعمل على إكساب جهاز المناعة خبرة يمكن تذكرها والاستفادة منها في محاربة السرطان لفترة ممتدة من الزمن.

تتراوح الأهداف المرجوة من المكافحة المناعية النشطة للسرطان بين ما هو وقائي وما هو علاجي. ولعلًّ أهم أساليب الوقاية المناعية من السرطان اليوم هي المطاعيم الموجهة ضد فيروسات معروفة بقدرتها على التسبب بالسرطان على المدى البعيد. ومن أكثر هذه المطاعيم شيوعاً ونجاحاً مطعوم فيروس الكبد الوبائي «ب» الذي يحمي الأفراد من الإصابة بهذا الفيروس وبالتالي من سرطان الكبد الذي يمكن أن يتطور عند بعض المرضى المصابين إصابة مزمنة بهذا الكائن المُمرِض.

كذلك حقق المطعوم الموجه ضد فيروس الورم الحليمي البشري (Human Papilloma Virus, HPV) نجاحاً مُذهلاً في الغرب في حماية النساء من سرطان عنق الرحم. وغالباً ما ينتقل هذا الفيروس عبر الاتصال الجنسي، ويمكن لبعض أنواعه التسبب بدمامل جلدية حميدة، أما بقاؤه في الجسم لفترات طويلة فيعد من الأسباب الرئيسة في إصابة النساء بسرطان عنق الرحم. وعليه، فإن أخذ هذا المطعوم من قبل الرجال والنساء معاً في عمر مبكر يحِدُّ من انتقال الفيروس جنسياً ويسهم في وقاية العديد من النساء من مخاطر نشوء سرطان عنق الرحم لديهم.

أما المطاعيم العلاجية فمختلفة عن شقيقاتها الوقائية من حيث آلية عملها والهدف المرجو منها. إذ تُعطى هذه المطاعيم لمن هو مُصاب بالسرطان في محاولة لتحفيز جهاز المناعة لديه للقضاء على الورم أو الحد من انتشاره. ويمكن فعل ذلك من خلال حقن المريض بمولدات الضِّد (Antigen) الخاصة بالورم الذي يعاني منه بالتزامن مع أو من دون استخدام مواد محفزة للمناعة (Adjuvants). وحال رؤية خلايا المناعة لمولدات الضِّد هذه، فإنها تتنبَّه وتتحفز لمهاجمة الخلايا السرطانية التي تحتوي عليها، فتهمُّ بالقضاء على تلك الخلايا غير الحميدة.

وفي طريقة فريدة لعلاج سرطان البروستات المتقدم مناعياً، يتم استخراج الخلايا الغصنية (Dendritic cells) المُحفِّزة للمناعة من دم المريض وتعريضها لكميات وافرة من مولدات الضِّد التي تحتوي عليها خلايا سرطان البروستات، فتعمل هذه الخلايا الغصنية المُستخرَجة على تخزين مولدات الضِّد هذه بداخلها وعرض جزء منها على سطحها. ولدى إعادة هذه الخلايا المُعدَّلة إلى جسم المريض تقوم مباشرة بمحاكاة وتحفيز خلايا المناعة الأخرى وخصوصاً الخلايا التائية المختصة بقتال سرطان البروستات، فتهاجمه وتقضي عليه.

تُظهِر بعض الأبحاث السريرية أيضاً نتائج واعدة في علاج مرضى السرطان عن طريق حقنهم بمطاعيم مكوَّنة من مادة وراثية (DNA Vaccines) تحتوي على الشيفرة اللازمة لتصنيع مولدات ضد سرطانية بالاستعانة بالخلايا المناعية للمريض نفسه. إذ تعتمد هذه الاستراتيجية العلاجية على تسخير آليات خلايا المناعة نفسها لاستقبال المادة الوراثية المحقونة وكأنها تخصّها فتعمل على تصنيع مولدات الضِّد المخزنة في شيفرتها الوراثية وعرضها على سطحها لتراها سائر خلايا المناعة الأخرى فتتنشط الأخيرة لقتال السرطان الذي يعاني منه المريض.

وعلى الرغم من تقدم العِلم في مجال المطاعيم المناعية، إلا أن عدداً كبيراً منها فشل في تحفيز خلايا المناعة وخصوصاً الخلايا التائية على قتال الأورام، فماذا كان سبب هذا التّعثُّر؟

لقد اكتشف العلماء مؤخراً وجود مستقبلات مثبطة على سطح الخلايا التائية. وتتمثل الوظيفة البيولوجية لهذه المستقبلات في إخماد نشاط الخلايا المناعية بعد انتهائها من القيام بواجباتها الدفاعية وذلك لتجنب حدوث ردود فعل مناعية مؤذية ومبالغ فيها. لذلك، فإن وجود هذه المستقبلات المثبطة مثل CTLA-4 و PD-1 على سطح الخلايا التائية مفيد لحماية الجسم من أضرار استمرار ردة فعل مناعية قوية غير مبررة قد تفضي لالتهابات مزمنة أو أمراض مناعة ذاتية. المُبهر في الأمر أن بعض الخلايا السرطانية، وفي خضم سباق التسلح الدائر بينها وبين جهاز المناعة، تمكنت من تصنيع مواد قادرة على الارتباط بالمستقبلات المثبطة الموجودة على سطح الخلايا التائية وتفعيل عملها مما يؤدي إلى إخماد نشاط خلايا المناعة هذه في محاربة السرطان، عند ذلك يصعب القضاء عليه وتقلُّ الاستجابة المناعية للمطاعيم المناعية العلاجية سابقة الذكر.

ولتجاوز هذه المُعضلة تمَّ مؤخراً تطوير علاجات مناعية قادرة على الارتباط بالمستقبلات المثبطة للخلايا التائية لمريض السرطان وتعطيل عملها. إذ تَحرِمُ هذه العلاجات الخلايا السرطانية من فرصة استغلال هذه المستقبلات لإحباط عمل الخلايا التائية، فتبقى خلايا المناعة متمتعة بحيويتها ونشاطها وشراستها المعهودة في محاربة السرطان.

ويُستخدم الدواء المحتوي على الأجسام المضادة ل CTLA-4 حالياً في علاج حالات من سرطان الجلد المتقدم-الميلانوما (Melanoma) والدواء المحتوي على الأجسام المضادة ل PD-1 في علاج حالات متعددة من الميلانوما وسرطان الرئة والكلية وبعض حالات سرطان الغدد اليمفاوية. والجدير بالذكر أن الدراسات تشير إلى أن استخدام الدوائين المذكورين سابقاً معاً يفضي إلى نتائج تفوق استخدام أي منهما على حدة، إلا أنه يجدر متابعة المريض عن كثب لتجنب حدوث مضاعفات لتلك العلاجات مثل أعراض أمراض مناعة ذاتية. الجيد في الأمر أن هذه المضاعفات غالباً ما تكون قصيرة الأمد ويمكن الحد منها باستخدام أدوية مصاحبة للعلاج كالستيرويدات.

هناك وسيلة علاجية مناعية أخرى تكمن في حقن المريض عبر الوريد بسايتوكاينات محفزة للمناعة مثل إنترلوكين-2 والذي يحقق فائدة علاجية عند حوالي 10% من مرضى الميلانوما المتقدمة وسرطان الكلية. كما أن حقن إنترفيرون ألفا (IFN-α) بالتزامن مع العلاج الكيماوي ساهم في تحسن عدد من مرضى الميلانوما الخبيثة وسرطانات الدم والسرطانات الصمّاء العصبية (Carcinoids).

ولمرضى سرطان المثانة نصيب من العلاج المناعي، إذ أن الحقن الموضعي في المثانة لمكونات آمنة مشتقة من البكتيريا المُسبِّبة لمرض السِّل (BCG) يعمل على تحفيز خلايا البلعمة والخلايا التائية المحيطة بالورم، فتعمل على مهاجمته ذاهبة به إلى غير رجعة في كثير من الحالات، مجنبة المريض في الوقت نفسه معاناة العلاجات الكيماوية أو الإشعاعية أو الجراحية المستخدمة تقليدياً في مثل هذا النوع من السرطانات.

ختاماُ، من الضروري أن نؤكد على أن حقل العلاج المناعي للسرطان قد بدأ يظهر غزارة محاصيله وجودتها، وما حصاد اليوم من نتائج إيجابية لهذا النمط من العلاج إلا فاتحة لمواسم جديدة قادمة سيكون لأنواع أخرى من السرطانات منها نصيب. وسوف تستمر العلاجات المناعية في إعطاء الأمل لعشرات الآلاف من المرضى الذين فشلت العلاجات التقليدية في تخليصهم من هذا الداء العنيد، حيث ستمنحهم فرصة جديدة للوصول إلى حلول فعّالة وكليّة ونهائية. جنبكم الله وأحبابكم كل مكروه.

i.abudayyeh@biolab.jo